مقالات

البانوسي بن عثمان

مُداخلة قد تُضيف لمُتتبع الشأن الليبيى ومحيطه الجغرافى

أرشيف الكاتب
2021/09/17 على الساعة 17:12

بعدما ازاحت ثورات وانتفاضات الربيع الديمقراطى، اللثام عن مدى فداحة تغلغل اليد الخارجية، ماضيا وحاضرا فى ادارة شئون منطقة شرق المتوسط وجنوبه. وظهر امام الجميع بان هذا الكم، الذى تضمه هذه الرقعة الجغرافية، من حجر وشجر ووبر وبشر، ليس غير موارد ومواد وادوات اولية، وُظِفت وتُوظّف، فى خدمة ومنفعة هذه اليد الخارجية، المُسيطرة والمتحكمة فى كل محتويات هذا الفضاء الجغرافى الواسع ، من خلال منظومة نُظم وظِيفِية، يُكمل بعضها بعض سلبا وايجابا.

كل هذا الانكشاف - فى تقديرى - سيكون له تأثير ليس بالقليل، بل سيكون الارضية والمرجعية، التى تنهض وتستند عليها كل محاولات التفكيك الجادة، عاجلا او اجل، التى تسعى لمُعالجة هذا العطب الذى يشد هذا الفضاء الجغرافى الى تخلف سرمدي، يتغدى على مُرتكزات وثوابت مرجعيات فكرية، ثقافية، سياسية الخ، صاغتها وشكّلتها، مرحلة زمنية، قاربت قرن من الزمان ونيف. كانت تتحكم فى ضبط ايقاع سيرورة الحياة فى هذا الفضاء الجغرافى الواسع بدأ من الشأن اليومي القريب، وحتى ما بعد اليومى البعيد.

وكل محاولات التفكيك الجادة  - فى تقديرى – لابد ان تمر عبر قراءة  وبأبجدية جديدة، لكل ما مرّ على هذا الفضاء الجغرافى، من احداث، صاغت وصنعت هذا البؤس المسّتحكم بهذا الفضاء الجغرافى الواسع، المتمدد على ضِفتّي المتوسط الجنوبية والشرقية على مدار وامتداد يتخطى قرن من الزمان بقليل.

وستكون هذه القراءات الجديدة، وفى وجه من وجوهها ليس غير تشخيص لهذا المرض العضال المتمكن فى هذا الفضاء الجغرافى والمنحط به الى حضيض التخلف برغم ما تكتنز هذه الجغرافية من مخزون هائل لموارد طبيعية وبشرية كامنة، فى باطنها وفوق ترابها، ناهيك عن تموّضعها الجغرافى الهام ذو التأثير البالغ على وفى محيطها الاقليمى القريب والبعيد.   

وفى هذا السياق، ومن الواقع الليبيى، كمثال يحّضرني حدث ثانوي، مرّة عليه عقود من الزمان فرض وجوده اثتاء متابعتي لواقعنا المأزوم، ليس فقط من خلال حضوره الصاعق، فى مفردات الرئيسية، التى شَكّلته بكل ابعاده وحيثياته فى ذلك الوقت البعيد، وبدخوله وبكل مفرداته الاساسية ايضا الى حيثيات المشهد الليبيى الحالي، كرقم أساسي فى تفعيل ومضاعفة تأزمه  المركّب بل يُضيف ويُشير الى الموضع الجغرافى الهش بالكيان الليبيى، والذى كان دائما ممرا متواطئا مع الغزاة، الساعين لوضع يدهم على كامل الجغرافية الليبية.

فقد ارّتسم الحدث المعنى فى داخل الوعاء الجغرافى الليبيى، مع منتصف سبعينات القرن الماضى من خلال دعوة جميع ضباط الجيش، بمنطقة العاصمة العسكرية لحضور احتفالية  بمزرعة (الكُنّتيسة) الكائنة غرب العاصمة، بزمن لا يتخطى الساعة والتى لا تبعد كثير، عن اهم القواعد العسكرية غرب العاصمة.

كانت الاحتفالية، على شرف رئيس الاركان التركي حينها، قائد العملية العسكرية، التى انتهت بوضع الاتراك يدهم، على شمال شرق الجزيرة القبرصية. كان الحضور مُقّتصر على ضباط الجيش، بمنطقة العاصمة العسكرية، وبحضور قياداته العليا واركانه، كان الحشد متوسط الحجم من الرتب العليا للجيش، وعدد ليس بالقليل من الرتب الصغيرة.

تولى رئيس الاركان، ابتداء وبمبادرة من طرفه، من تشكيل وتنظيم وادارة حلقة نقاش، من مجموع حضور الضباط الذى كان يفترش سجاد على الارض، تحت ضل اشجار كثيفة تُرك الافتتاح لرئيس الاركان التركى تحدث هذا، وبكلمة قصيرة، عن مجريات العملية العسكرية، بشمال شرق الجزيرة القبرصية، ثم افسح التركى للحضور هامش للنقاش بالأسئلة والاستفهام عن العملية العسكرية فى بُعدها العملياتى سَوّقي كان ام تعبوي غابت الاسئلة والاستفهامات عن حلقة النقاش ربما بغياب الكفاءات العسكرية القادرة على ذلك وبتغّيبها الى خارج محيط العاصمة الى البعيد فى ثكنات عسكرية، على هوامش واطراف البلاد. 

قد نفهم ونتفهّم، غياب الاسئلة عن الحدث العسكرى، وقد نُرّجعه الى عدم تماس الجغرافيتين ببعضهما المقرون وفى الغالب بغياب القدر الكافى من المعارف التى يحتاجها الاستفهام ضف الى ذلك غياب التواصل المهنى فى ما بين الجيشين سوى من حيث الدريب والتسليح او التعاون المتبادل، من خلال نشاط عسكرى مشترك او غيره.

ولكن كان ليس من العسير ملامسة الحدث العسكرى، بشمال شرق قبرص على نحو غير مباشر عبر تساؤل افتتاحي اسّتكشافي مثلا عن مدى تأثير العامل الطبغرافي ومناخ شمال شرق الجزيرة، على سير العملية العسكرية، وهل كان له تدخل استثنائي على مسارها، كأن حيّد استخدام او إشراك سلاح بعينة، واعطى الاولوية لسواه، على ساحة القتال ومن ثم ستتناسل وبسهوله الاستفهامات، لمن اراد من الحضور، التساؤل عن العملية فى بٌعدها العسكرى.

رافق هذا الحدث وفى ذات الفترة الزمنية. زيارة وفد تركى مدنى للبلاد، يتصدّره السيد عز الدين اربكان احد زعماء ومؤسسي تيار سياسى بتركيا، يسعى به، للوصول الى سدة الحكم بتلك البلاد وهو ايضا - عز الدين اربكان - الاب الروحى  للتركي الطيب اردغان الرئيس الحالى لتركيا وكان مرافق الوفد ومُرشده اثناء زيارة للعاصمة وغرب البلاد، الليبيى مجّبر الخُمسي.

اُفسح المجال للوفد التركي المدني فى تلك الزيارة ان يتماس عسكريا مع الفضاء الليبيى بتنظيم مهرجان خطابى للوفد، بداخل اكبر معسكرات التدريب العسكرى وتأهيل طلبة الجامعات والمعاهد المتوسطة الكائن بشرق العاصمة تحدث فى ذلك الملتقى، رئيس الوفد عز الدين اربكان مطولا، لجموع المتدربين فى ذلك المساء الصاخب.  

وهنا استطيع القول بان ما استثار الذاكرة وفعّل نشاطها، فاسّتدعت جملة هذه الاحداث من الماضى البعيد كان فى الحضور الصاعق، لرئيس الاركان التركى (آكاى)، الى حاضرنا الانى بليبيا، وتعسّكره برفقة جنده واستخباراته، فى اكبر قاعدة عسكرية غرب العاصمة والتى لا تبعد سوى ببضع كيلو مترات، عن مزرعة (الكنتيسة) العتيدة ليس هذا وحسب، بل كان كل ذلك. بغطاء سياسي من طرف رئيسه التركى الطيب اردغان، احد اتباع ومريدي  السيد عز الدين اربكان حينها فى ذلك الزمان.

لم يقتصر الحضور التركى الى داخل المشهد الليبيى المأزوم وفقط بل كان يُغطى المشهد العام العاصف والمضطرب لفسيفساء جغرافية شرق المتوسط وجنوبه بل وكاد ان يكون هذا التركى، قُطب ومحور هذا الحضور، فى هذا الفضاء الجغرافى الواسع.

كل هذا - فى تقديرى - سيدفع من عاش وعايش الحدثين، نحو تساؤلات لا تنتهى ليس بعرض رجمْ احد بالعمالة او ما فى حُكمها. بل للوصول الى  اجوبة تطفى ما يموج به زأسه من استفهامات هل من علاقة تربط كِلا الحدثين ببعضهما، رغم الفاصل الزمنى البعيد بينهما؟. كأن تكون الزيارة الاولى فيها تكريم للجيش التركى المنتصر من خلال الاحتفاء برئيس اركانه، بمزرعة الكونتيسة غرب العاصمة وفي هذا ايضا، توطئة واعداد وإيحاء نفسي مُبكر، لوجهيّي الزيارة التركيين، العسكري والمدني، لِما سوف يحّدث فى الاتي من المستقبل البعيد، والذى تَعِيشه وتُعايشه البلاد فى وقتنا الحاضر بل وعموم فضاء شرق المتوسط وجنوبه.

وهل الفاصل الزمنى البعيد ما بين الحدثين هو كل ما كان يحتاجه عز الدين اربكان واتباعه، لتسنّم مقاليد الحكم فى بلاده، وجر جيش وطنه، ليسّتضل بمظلة تياره السياسى وهل فى الفاصل الزمنى البعيد ما بين الحدثين ايضا، وفى وجهه الاخر كل ما تحتاجه العاصمة، ومنطقتها العسكرية واركانها، لإعداد غرب البلاد قاطبة، لتصبح بيئة مناسبة، للاحتفاء بالجيش التركى   وحاضنة له عندما ينضج ويحين الوقت، كما نشاهد صوت وصورة  فى وقتنا وحاضرنا المُعاش.

ولكن ومن جهة اخرى، هل من طاقة كافية للاقتصاد التركى؟ ليحتمل بها، هذا الحضور والانتشار الواسع لجيشه، على اتساع رقعة شرق المتوسط وجنوبه المضطربة دون الغفلة عند هذا التساؤل، بان اتساع رقعة انتشار الجيش، تأتى وفى الغالب على حساب قدرته وكفاءته القتالية.

ام ان التركى؟ وفى كل هذا كان ليس غير بيدق وواجهة لهذا الخراب الذى يُديره ويُفعّله (عرّاب) معاهدة سِيفر - فى وجهها الانجلوسكسونى - التى جاءت اثر الحرب العالمية الاولى، ومع بداية عشرينات القرن الماضى جردة تلك المعاهدة، وبمفاعيلها  كما يقول التاريخ، هذا التركي او الرجل المريض - كما اسمته - من عمامة السلّطنة، والّبسته رباط عنق انيق، ثم وبعدما تمكن عرّاب معاهدة سيفر، من ترويض وتدجين وتطويع الرجل المريض لإرادته جاء به ثانيتا، الى معاهدة لوزان الثانية، للتخفيف عنه، من اثقال بنود معاهدة سيفر، وهذ ا ليس قبل ان يجعل منه، تابع وخادم مطيع له، ليس غير.  

كنت احاول الوصول بالقول، عبر كل ما تقدم. ان الخروج - فى تقديرى - من فلك  دائرة  التخلف هذه، والتى لا تنتج الا تخلف يسنده تخلف لا يثم الا بالخروج من على فلك هذه الدائرة اللعينة، من خلال اعتماد المدخل الجغرافى كمتكئ أساسي لمعالجة وتفكيك، هذا العبث الذى يشدْ فسيفساء شرق المتوسط وجنوبه بعضها الى بعض، جاعلا منها جسم واحد، غير قادر وبأثقال تخلّفه على الافلات، من فلك هذه الدائرة الجهنمية المدمرة التى تشده جادبيتها اليها مند قرابة قرن من الزمان.

كنت احاول القول ان اعتماد الجغرافية كمرّتكز ومرّجعية اساسية فى التعاطى مع هذا الواقع البائس والافلات منه كما تناولناه فى عديد المرّات هو المخرج الموضوعي والاقرب الى التناول والى النتائج الناجعة وهو لا غيره - فى تقديرى - مَن يؤسس لتكون ليبيا دولة مستقلة، تنعم بمواردها الطبيعية والبشرية وما فى حكمها ويُبعدها ان تكون، ليس غير منجم طبيعى بمخزون هائل من الموارد المتنوعة، وخزان بشرى متعدد المواهب يوظّف فى خدمة النافدين فى هذا العالم البائس بعيد عن خدمة ليبيا، ومصلحة ما يضمه وعائها الجغرافى بجميع تعدده وتنوع توجهاته  ومشاربه.

البانوسى بن عثمان
 الجنوب الليبيى فى -29-7-21 م.

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع