مقالات

محمد نجيب عبد الكافي

حبيبتي (5) الشعر المناضل (2)

أرشيف الكاتب
2021/09/17 على الساعة 17:38

أعود، راجيا أن يكون عودي أحمد، لأواصل الحديث عن النضال بالكلمة والحرف، متخذا من الشعر مطية ومن الكلمة سلاحا، حده أنفذ من حدّ السيف، دون أن يسيل دما أو يترك يتامى. اتخذت نموذجا ومثالا لهذا، صديقا أكن له وافر الودّ وعظيم الاحترام، لأنه تحلّى بعديد الخصال الحميدة، وأخلص للوطن والمبادئ، وكاد أن يتخذ الثقافة مذهبا. هذا الصديق هو المفكر الشاعر الكاتب الباحث باللغتين العربية والفرنسية الأستاذ عبد العزيز قاسم الذي، إن أجاد العربية وأبدع بها، وأجاد استغلال بلاغتها، لا غرابة في ذلك. أما أن يجيد لغة أجنبية حتى يفوق أبناءها، بدرجة تجعل الكثيرين منهم اليوم لا يفهمون الكثير مما يستعمل من مفردات، ينتقيها ويختارها لتعبّر تعبيرا دقيقا صادقا عمّا أراده وقصده، فهذا من العجيب. قال عنه محمد صالح الجابري "ظل ليوم الناس هذا مفخرة المثقفين في تونسنا الخضراء... ورمزا للمعارضة، يناضل بالكتابة والرأي الحر برغم قربه من السلطة، فهو سلطة الفكر داخل السلطة."

كان دأبه كل خريف، عبور بحرنا المتوسط، ليحط في الضفة الشمالية، فيجوب أقطارها ومدنها، حسب برنامج ودعوات، ليحاضر ويساهم في ندوات بجامعاتها ونواديها، يسفه الأكاذيب، ويصحح الأخطاء، ويعطي الحقيقة مسنودة بوثائق، ومراجع الحجة والبرهان، وهو في هذا المجال خبير، لأنه، إن قرأ الآخرون التاريخ وعمومياته، فهو يبحث دوما عن نوادره وخصوصياته، ذلك الذي يُدعى عادة  تاريخ ما أهمله التاريخ. نشر مؤخرا مقالا في حلقتين عن نابليون ودخوله مصر، لكن ركز، بالدليل والوثائق، على تصريحات نابليون وآرائه في الإسلام والنبي محمد صلوات الله عليه، حتى ظننت أنه سيخبر باعتناقه الإسلام. لم يفعل طبعا لأن ذلك لم يقع. إن الإتيان بغير المعتاد، الصعب الحصول عليه، ودقة البحث وصدقه، وبلاغة الشرح والتعبير، هو ما جعلني أتخذه، بلا استسماح منه فعساه يعفو عنّي، نموذج النضال بالشعر والنثر، كما فعل شعراء الأجيال التي أصبحنا نَحنُّ إليها وناسف لزوالها، مثل شاعر الوطن أحمد رفيق المهدوي، أو أحمد الشارف الذي تركها ترنّ في الأسماع توقظ النواما، وهي: رضينا بحتف النفوس رضينا ** ولن نرض أن يعرف الضيم فينا. ومثل أبي القاسم الشابي بتونس وصرخته التي بقيت أمثولة تردد في كل مصر وقطر: إذا الشعب يوما أراد الحياة ** فلابد أن يستجيب القدر. سئل الشاعر التونسي، الصديق المُقرّب الدكتور نور الدين صمود، عن ثالوث الشعر بتونس قال: بل هم أربعة شعراء، جعفر ماجد، وعبد العزيز قاسم، وزبيدة بشير، ونور الدين صمود.

شارك عبد العزيز في كتابة رواية باللغة الفرنسية - 1985- وترجمت قصائده لليوغسلافية، والبولونية. أما الجوائز سأكتفي بذكر جائزة ابن زيدون للشعر لسنة 1986، والريشة الذهبية للشعر لسنة 1991. كان ولا يزال متعلقا محبا لأدب الأندلس وأدبائه، فلا غرابة أن يخاطب ابن زيدون بقصيدة حب موجهة إلى العاشق الأندلسي، فيقول:

يا ابن زيدون أعرني منك لحنا وهديلا

انني عنك ورثت الشوق والحزن الطويلا

هذه (ولادة) تسأل تستجدي الدليلا

أو مازال التنائي من تدانينـا بديلا

نشر عبد العزيز قاسم في عام 2002 كتابا قيّما عنوانه بليغ التعبير وهو "ثقافة عربية ثقافة فرنسية / القرابة المجحودة"، ركز فيه بعرفان، وبلاغة، وأمثلة، وبراهين مؤرّخة أحيانا، على ما ينكره الكثيرون، خاصة المستشرقون، مما نقلته الثقافة الفرنسية عن العربية. وتأكيدا لذلك، وكي لا يجد المغرضون فجوة يتهمونه من خلالها بالتعصب، على أقل تقدير، يدلي بما تركته الثقافة الفرنسية في العربية، دون الإشارة إلى عهد الاستعمار، ومن هنا جاء عنوان الكتاب. يتحدث فيه ويثبت أن الزجل، والحب العذري، أو النبيل، وارتفاع المرأة فيه إلى درجة سيدة، ونشأة ما يسمّى بالفرنسية "تروبادور"، الزجال المتجول، الذي ما هو في الحقيقة سوى نسخة من الزجال العربي الأندلسي، الذي يسمّى عندنا حاليا وباللهجة الدارجة "غنّاي" فيقول: "يخترع غليوم العاشر "التروبار"، فتلعب القافية لأول مرّة دورا أوّليّا، في رسم تبيانيّ مُقفّى، غير مسبوق في الغرب. شكل جديد، محتوى جديد، الحب اللطيف المؤدب، أو العذري، تدخله المرأة في مرتبة السيدة، ويضع الشعراء المتجوّلون كل مواهبهم كي يحصلوا على السيادة فيه. فهذا الشعر، والأمر اليوم مؤكد، قد أُخذ، نموذجا، تقنيةَ ومواضيع الزجل العربي الأندلسي. ثم إن أرض الزجالين المتجولين، هي أرض من سمّوهم "سرّازان" (لعلها تحريف شرقيّين، والمقصود هم المسلمون والعرب القادمون من الأندلس) الذين تواجدوا في الجنوب حتى أواخر القرن العاشر."

ما الذي يُستخلص من هذا؟ ما جاء الكتاب من أجله، وهو الاعتراض والتوضيح، لما يروّجه المستشرقون وأقلام القرون الوسطى، حول هذا الموضوع، بل يذهب لأبعد من هذا، وهو إثبات وتأكيد أن طقوس الحب الذي لا يعاش فيه إلا اصطلاحا، هو تقليد لما كان سائدا في النظام الإقطاعي، فهو ليس بعيدا، أو بلا صلة، بعادة عربية عتيقة. كتاب آخر، ديوان شعر، هذه المرّة، كله رباعيات، هو الذي دفعني لتحبير هذه الصفحات، عنوانه تحدّ صارخ من المؤلف، إذ سمّاه "أزجال"، فجاء يزخر، علاوة عن اللغة الرفيعة البليغة، بالتورية، والجناس، والاستناد على الميثولوجيا واستعمالها، ليقينه بأسرها لعقول الغرب اللاتيني اللسان، والفرنسيين خاصة، أي بكل خصائص محسنات الشعر، وما يجعله سحرا نافذا، وتلقينا مفيدا. صدر هذا الديوان عام 2013 فقرأته مرات وفي كل مرّة أكتشف معنى أو نغزا أو فكرة جديدة، تفند الكذب أو تنير الحقيقة. يقول فرنسوا بيار نيزلي، معلقا على الكتاب: "عندما تعود الكلمات إلى منبعها، عندما تصبح المقاطع مجرّد نوتة موسيقى، فهي تحملك إلى أي مكان، في حُلم يغرقك حيث لم تحملك خطاك أبدا، حيث الزمن ليس سوى علامة، إشارة، على جانب درب عبور. عند قراءة، بل عند سماع عبد العزيز قاسم يتلو أزجاله، يبدو كتابه كجولة في حكاية لا زمنيّة، دمج أصوات عديدة لا يمكن الحصول على معانيها المتعدّدة، إلا عند سماع نغمات تنسيقها تميّز الفقرات، تُقرأ كحكاية، لما تصنعه من تخيلات"...

كلـمة

أنا لم أؤمن كإماني بفعل الكلمة

كل أحداث الورى تـذهب طي العتمة

انما آخـر ما يفـنـى نـشيد الملحمة

إن من البيان لسحرا. وهذا السحر هو خلاصة غاية هذه الأسطر، ولو أن الثالوث الذي قُصِد أي الموضوع، والمؤلف، وإنتاجه، يستحق كتابا، لأن طريقة النضال، وأسلوبه، ووسائله، جديرة بأن تُدرَّس وتُلقّن، في عصر ازدهرت فيه مصانع الأسلحة والدمار لكثرة حروب ضحاياها الأبرياء أكثر من المحاربين. لكن ليس في الإمكان أكثر مما كان. فليعتبر هذا المقال مجرّد إشارة وتعريف، لأننا ويا للأسف، لا نكرم ونُشْهر، ونتفنّن فيما أسميه نفاقا، إلا بعد موت المبدع.  فالرأي إذن، هو أن الشعر والشعراء، والأدب عموما، يمكن، بل يجب، أن يكون أداة تربية وطنية وتكوين، وسلاح نضال ومقاومة، إذ هو أنجع وأفيد وأسلم.

محمد نجيب عبد الكافي
مدريد في 31-8-2021.

راجع:

حبيبتي (4)

حبيبتي (3)

حبيبتي (2)

حبيبتي (1)

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع