مقالات

سالم الكبتي

لجنة جمع التراث في الجامعة الليبية (3)

أرشيف الكاتب
2021/09/16 على الساعة 18:17

لجنة جمع التراث في الجامعة الليبية (3)

(مسيرة بدأت ثم توقفت) (1972- 1976) - تجربة شخصية

..والواقع أن الأدارتين في الكلية والجامعة وضعتا كل الأمكانات العملية المساعدة لأنجاح عمل وجهود لجنة جمع التراث. كانت الحجرة التي خصصت مقرا للجنة في معهد الراهبات السابق تكاد فارغة ولاشية فيها. يعني بصريح العبارة (على بلاطه). فأضحت عامرة بالأثاث.. السجاد والمكاتب وأدراج الحفظ ومعدات العمل والمقاعد وأجهزة التسجيل الكبيرة والصغيرة (الكاست) وأشرطتهما ذات النوع الجيد وكل الأدوات اللأزمة للأنطلاق.

شرع في تنظيم العمل بدقة منذ البداية. أعدت السجلات والملفات الأدارية وتلك الخاصة بأنشطة اللجنة الميدانية وأخرى تتعلق بالشعراء والرواة في مختلف المناطق وعناوينهم وكافة المعلومات عنهم وبطاقات الفهرسة والتصنيف للأشرطة وترقيمها بطريقة علمية وفقا للمحافظات التي تنتظم البلاد. إضافة إلى مكتبة صغيرة إحتوت مجموعة من المراجع والمصادر عن التراث الشعبي في ليبيا والبلاد العربية.

من جهة أخرى تم حصر وتدقيق كل السادة في جميع المناطق المتوقع تعاونهم وإستجابتهم للتعاون مع الفكرة من أساسها ليكونوا نواة أولى لمجموعات الرواة والحفاظ الثقاة لمخاطبتهم والأتصال بهم لأجراء المقابلات والتسجيلات والتدوين المباشر منهم في مواقعهم القريبة والبعيدة أو بدعوتهم للحضور إلى بنغازي حيث مقر اللجنة في الكلية لأنجاز ذلك.

وتلك كانت خطة البدء في العمل. كانت الرواية هي القاعدة المهمة في الموضوع برمته وظل الرواة هم السند الحقيقي لعمل اللجنة على الدوام فبدون رواة ليس هناك تراث يجمع ويلتقط من الأفواه مثلما.. لاتاريخ بلا وثائق أو أسانيد.

إستلمت من الأستاذ الدكتور عمر التومي الشيباني رئيس الجامعة الذي كان سندا رائعا للجنة منذ إنطلاقتها.. إستلمت مجموعة من الأشرطة ذات الحجم الكبير التي قام فريق الطلبة بتسجيلها صيف 1969. وبقت موجودة في مكتبه منذ أيام الرئيس السابق للجامعة الأستاذ عبدالمولى دغمان. كان عددها بالضبط ثلاثة عشر شريطا تحوي تسجيلات كثيرة في جميع أوجه الشريط الواحد. ربما أغلب التسجيلات ضاع تلك الفترة في زحام الأيام فقد واصلنا عملنا بعد التوقف الذي دام حوالي ثلاث أعوام. ثم كانت الحصيلة الثانية من أسرة المرحوم ياسين أبوسيف ياسين إستلمتها من إبنه الأستاذ ياسين في مقر عمله الخاص بشركة بشر. وقد كان في منتهى التعاون والتجاوب وتقدير مهمة اللجنة ولم يبخل عليها بما تركه والده رحمه الله. حدث هذا بسهولة ويسر بحكم العلاقة الشخصية المتينة التي ربطت الدكتور علي الساحلي والأسرة المذكورة. كانا صديقين وتشاركا رغم فارق السن بينهما في عديد المحاورات والمساجلات الشعرية الشعبية.

كانت الحصيلة في مجملها وعلى مدى فترات مجموعة قيمة من الأشرطة الكبيرة بصوت المرحوم بوسيف نفسه وسجلا كبيرا دونت فيه الكثير من الوقائع والأشعار والروايات في فترة تعود إلى الأربعينيات الماضية. كان يقوم بأملائها على السيد مصباح نشاد الذي يتولى تدوينها بدقة ونظام في ذلك السجل التاريخي المهم (قام السيد ياسين لاحقا بنشره وطبعه في القاهرة أواخر الثمانينيات الماضية). والحقيقة أن جهد المرحوم بوسيف ياسين في هذا السياق ووفقا لمعايشتي لتجربة العمل في اللجنة يعتبر عملا رائدا ومهما في تجميع تراثنا الشعبي وتفاصيله وعدم ضياعه بتقادم الأعوام.

ثم قدم الأستاذ عبدالسلام قادربوه بدوره إسنادا للجنة مجموعة من الأشرطة والتسجيلات التي أنجزها لصالح الأذاعة الليبية وهي من مكتبته الخاصة وشملت تجميعات مختلفة لروايات مهمة أيضا قام بها في فترة سابقة وقابل فيها العديد من الشعراء والرواة في مناطق إجدابيا وسلوق ومسوس وغيرها.

وكان الأستاذ قادربوه عندما تواصلنا معه قد عاد من دورة قضاها في مصر للدراسة في الفنون والأدب الشعبي بأشراف الدكتور عبدالحميد يونس. وفي كل الأحوال تم تصوير ونسخ هذه الأشرطة والوثائق وإعادتها مع شكر وتقدير اللجنة لأصحابها الذين لم يتوقفوا عن الدعم والمساندة الحقيقية وظلت هذه الحصيلة مع تسجيلات فريق الطلبة ملك للجنة والجامعة وحجر الأساس الأول في إرشيف اللجنة ومحفوظاتها. ولابد لي أن أشير هنا للتاريخ بأن الأساتذة أعضاء اللجنة (النامي والساحلي وابوزعكوك)لم يكونوا متفرغين بالكامل للعمل بها فقد كانوا في الأصل أعضاء بهيئة التدريس في الكلية وظل عملهم في اللجنة مصاحبا لذلك الواجب دون أية مكافأت. لقد قاموا بهذا الجهد تطوعا ولم ينالوا أي مكافأة مالية عنه تلك الأيام.

ظل الحرص لدى اللجنة كما بينت سابقا يتوجه بالدرجة الأولى إلى (الجمع) ولم شتات المبعثر والضائع أو شبه المفقود من أوجه التراث وفنون القول. (الجمع أولا) كان شعار اللجنة ودأبها قبل أي شي أخر. فبالجمع يتحقق الكثير.. الحفظ ثم التدوين وفي الخطوة الأخيرة بعد التحقيق والتدقيق سيكون متاحا للنشر عن طريق الجامعة ويوضع أمام الباحثين والمهتمين لدراسته والبحث فيه والأستفادة منه.

كان الحماس لايتوقف في تدارك مايمكن تداركه. وصار مقر اللجنة يشهد الحصول على المزيد من التجميعات والروايات المختلفة وظلت أصوات الرواة والشعراء تصدح عبر الأجهزة في تلك الحجرة قريبا من أقسام الفلسفة والأجتماع والجغرافيا. سيكون للتراث شأنه العلمي وشكله المفترض بعد أن كان مهملا أو ينظر إليه كأحد عوامل الترفيه أو التسلية.

لم يكن الموضوع سهلا في واقع الأمر بل كان يحتاج في مجمله إلى الصبر والمتابعة علاوة على الحماس الشخصي وحين أقبلت العطلة الصيفية في العام 1972 قررت اللجنة الأنطلاق في عمليات الجمع الميداني في ليبيا. فأختارت مجموعة من الطلبة بنفس الكيفية السابقة التي وضع خطتها الأستاذ عبدالمولى دغمان وزودتهم بالأجهزة والأمكانيات مع تغطية مالية مناسبة لنفقات تنقلاتهم وإقامتهم ومكافأة لجهودهم. تحدد العمل في الفترة من أول يوليو إلى نهاية اغسطس 1972. وهنا توجه الطلبة: أحمد عبدالله كريد وسعد ظاهر زامونة وسليمان علي بوستة إلى الجبل الغربي ومناطقه فيما توجه الطالب سالم الشريف عبدالسيد إلى مناطق البطنان والطالب خالد بلال خالد إلى منطقة الواحات.. جالو وماجاورها. كانوا في مراحل دراسية مختلفة بالكلية وكذا على مستوى الأقسام التي يدرسون بها. تجربة ميدانية واصلتها اللجنة ذلك الصيف حققت الكثير وكان حصادها طيبا.

كلف عضو اللجنة د.عمرو النامي بالأشراف على هذا الفريق فيما توجه عضو اللجنة الأخر أ. علي بوزعكوك إلى الكفرة وقام من جهته بأجراء العديد من المقابلات والتسجيلات مع الشعراء والرواة في المنطقة. وتصادف وجوده في الكفرة مع مجئ باحثة من الولايات المتحدة وهي كيم كريمر لدراسة مجتمع التبو هناك ألتي أقامت أياما مع إحدى الأسر المعنية بالدراسة وقد مرت بنا في الكلية واللجنة. كانت الكلية في الأصل قد ذللت لها الصعاب ووفرت لها كل الأمكانيات لأنجاح خطوات دراستها العلمية. وبهذا أدركنا أننا أيضا لانقل شأنا عن غيرنا في الدراسة الحقلية والعمل الميداني إذا ماتوفرت النية والسبل لتحقيق أحلامنا العلمية والوطنية.

وشرعت من جهتي في مواصلة إجراء التسجيلات والمقابلات والحصول على الكثير منها داخل بنغازي. التقيت الراوي إكريم الجقوق. ثم في بنينا سجلت من الراوي محمد عبدالحفيظ المغربي ثم كانت الخطوة التالية والمهمة في نظري التي تمثلت في لقائي بالسيدة فاطمة محمد الشيلابي العبار أو (داروها) في بيتها في سيدي مهيوس وسجلت بصوتها للمرة الأولى (لم يسبق لها مقابلة أحد للتسجيل منها) قصائدها وأقوالها التي كانت ترثي بها شيخ الشهداء عمر المختار لحظة إعدامه في سلوق في سبتمبر 1931 إضافة إلى ماتحفظه من شعر أخر لرفيقاتها فاطمة الثقيبية وصالحة العقوري على سبيل المثال. وإلتقطت لها صورا للتاريخ (إنتقلت إلى رحمة الله في بنغازي عام 1982 في بيت قريبها الأستاذ محمد العبار).

والواقع أن هذا العمل الذي قمت به وقام به كل الزملاء لم يكن بناء على خبرة سابقة أو نتيجة للمشاركة في دورة أو تدريب على العمل الميداني ولكنه كان مبنيا على الأخلاص بالدرجة الأولى وتقدير الأهمية للواجب الذي نقوم به. وصرت مع الأيام أكتسب الكثير من المعرفة بهذا الجانب وتعلمت التدقيق والتحقيق والتوثيق عن طريقه والحصول على المعلومات. كان حرصي في الواقع يستمد رؤيته من أهمية تراثنا وتاريخنا مما علق في تفكير فقد كنت أسمعه وأقترب منه من خلال جلساتي مع والدي رحمه الله الذي كان يحفظ الكثير وينظمه أيضا ومع الكثيرين من أصدقائه وغيرهم الذين يستشعرون أهمية ذلك التراث. كما أنني نشرت مايتعلق بالأهتمام بالعناية بتراثنا عدة مرات في صحيفة الحقيقة في يونيو 1970. وكنت من خلال تجربتي في الجمع والتوثيق أهتم بالذهاب شخصيا إلى الرواة والشعراء في مناطقهم النائية والحرص على لقائهم والتسجيل منهم والتدوين. أغلبهم كانوا عند حسن الظن. إستقبالهم كان رائعا وأسهموا في إنجاح العمل. البعض تحفظ لأنه بلغ من السن مستوى لايسمح له بأن يعيد تاريخه الماضي!! ومع ذلك كانت التجربة ناجحة. سجلت ودونت الكثير. وكانت الجلسات عامرة مع هؤلاء في كل المناطق. وأستغرقت أياما في النهار والليل. كنت حريصا على تقدير وإحترام الراوي أو الشاعر في الجلسة وأشعره بأهميته وبأنه يملك ثروة للبلاد بأسرها. وكنت حريصا أيضا على أن لايضيع شئ من الرواية فمثلا أحيانا تتواصل الرواية ويكتمل الشريط في وجهه الأول. فأضطر إلى طلب الراوي إعادة الجزء الأخير من الرواية في بداية التسجيل في الشريط الثاني . وكنت حريصا أيضا على إعطاء كل شريط رقما معينا وأدون في بطاقة الشريط المعلومات المختصرة المفيدة.. إسم الراوي أو الشاعر والمنطقة واليوم والتاريخ وإشارات سريعة إلى أهم المحتويات التي يضمها الشريط المذكور.

كانت تجربة تلك الأيام مفيدة على المستوى الشخصي من كل الوجوه.

سالم الكبتي

راجع:

 لجنة جمع التراث في الجامعة الليبية (1) (مسيرة بدأت ثم توقفت) (1972- 1976)

 لجنة جمع التراث في الجامعة الليبية (2) (مسيرة بدأت ثم توقفت) (1972- 1976)

كلمات مفاتيح : التراث الليبي،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع