مقالات

المهدى يوسف كاجيجي

سعادة السفير والأخ الأمين!!

أرشيف الكاتب
2021/09/16 على الساعة 18:17

في أواخر الستينات من القرن الماضي، وصلت إلى روما، وتخلفت حقيبتي في طرابلس، واثناء قيامي بالإجراءات المطلوبة مع شركة الطيران، لفت نظري طفلة في العاشرة من العمر تقريبا، وهى تبكي بحرقة، وفهمت من المضيفة أن تأخر رحلتنا في طرابلس، تسبب في فقدان الفتاة رحلتها إلى الاردن، حيث يعمل والدها، وأن عليها انتظار رحلة اليوم التالي. خلال الحوار، ذكرت اسم قريب لها هو السيد عاشور بن خيال، وكان وقتها يعمل سكرتيرا اول في سفارتنا في ايطاليا، فاتصلت بصديقي السيد عبدالله العريفي، وكان يعمل وقتها في السفارة، واتفقنا أن ترافقني الى المدينة، على أن يستقبلها السيد بن خيال في محطة الحافلات بمنطقة "ستاسيوني تيرميني" الشهيرة، وهذا ما كان. في المساء، وعندما عدت الى فندقي بعد عشاء ممتع، وجدت الشرطة الايطالية في انتظاري، نتيجة ابلاغ من قبل السفارة الليبية في روما، تحملني فيه المسؤولية عن اختفاء الفتاة؟. كانت صدمة، فتماسكت واتصلت بعبد الله، الذي اوصلهم بالسيد بن خيال، فقدموا لي الاعتذار وانصرفوا.

سعادة السفير والأخ الأمين!!

في الصباح دعيت لمقابلة سعادة السفير، وكان وقتها السيد عبدالله سكته رحمه الله، وشرح لي الرجل الالتباس الذى جرى: فوجئ الاب المنتظر في مطار عمان، بعدم وصول ابنته، فاتصل بشركة الطيران التي ابلغته عن تخلف الابنة في روما، جن جنون الاب، فاتصل بالسفارة في روما، التي اتصلت بدورها بالمطار، فتلقت تأكيدا بعدم سفر الفتاة، وانها خرجت من المطار بصحبة راكب تخلفت حقيبته في طرابلس، وقامت الشركة بتزويد السفارة، بكل المعلومات المتوفرة لديها عن الراكب. دعا السفير الى اجتماع طارئ، حضره كل العاملين، باستثناء السيدين العريفي وبن خيال، لانهما كانا في استقبال الفتاة في "الاستسيونى" ولم يعودا إلى العمل. قال السيد السفير: كان المطمئن أن الشخص المعني هو صحفي ومدير تحرير جريدة يومية معروفة، ولكن حسن النوايا لا يكفي، لمعالجة قضايا من هذا النوع والطفلة مسؤوليتنا، فامرت أن لن يغادر أحد السفارة، حتى نجد الطفلة. واتخذنا قرارا بضرورة ابلاغ الشرطة، وعندما اتصل بي السيد عاشور عاتبته على السهو بعدم الاتصال، ودعوتك لأعتذر لك رسميا ومن حقك أن تطالبنا بأي تعويض. للعلم، السفير عبدالله محمد سكته قبل أن يكون سفيرا للمملكة الليبية في ايطاليا ومالطا، كان يشغل منصب وزير الخدمة المدنية، واقصاه نظام سبتمبر عن الوظيف، عن عمر يناهز الواحد والخمسين عاما. وكان هذا إيذانا بنهاية حقبة سعادة السفير، وبداية حقبة الأخ الأمين، وهي ما يؤرخ لها ببداية الانحدار، للدبلوماسية الليبية، ورحم الله الرجال الذين كانوا.

باسم الملك وحق المواطنة تذكرت الحكاية، وانا اجتر ايامي التي مضت. وقمت بتصفح جواز سفري القديم، في محاولة لتنشيط الذاكرة الهرمة، والتأكد من التواريخ. فلفت نظري الأمر الملكي المكتوب على الصفحة الاولي: (باسم الملك المعظم إلى جميع من لهم علاقة بهذا تحية يرجى من موظفي حكومة المملكة الليبية ومن ممثليها في الخارج ومن لهم علاقة بهذا الشأن أن يسمحوا لحامل هذا الجواز بحرية المرور من غير تأخير او اعاقة وأن يبذلوا له كل مساعدة أو حماية قد يحتاج اليهما). هذا الامر الملكي، لم يكن مجرد ديباجة يتزين بها الجواز، بل هو تأكيد حق المواطنة لحامل الجواز، والتزام الدولة بحمايته ومساعدته خارج ارض الوطن، وهذا ما قام بتطبيقه سفيرنا في روما بالفعل. وطرحت على نفسي سؤالا ساذجا: ماهي الجدوى الآن من وجود السفارات الليبية حول العالم؟ والتي يقال أنها تتعدي المائة سفارة، وما هو العائد علينا منها؟ - غير استنزاف الموارد المالية، من خلال جيش جرار من الموظفين، معظمهم بلا خبرة. عجزت الدولة على القيام بتحويل مرتباتهم مما ادى إلى التجاء البعض منهم إلى الاقتراض مقابل رهن مبنى السفارة، وفك الودائع المصرفية، وبيع الكثير من الاصول الثابتة من املاك الدولة الليبية في الخارج. وتقديم عرض بائس بنشر غسيلنا القذر، وخلافاتنا وصراعاتنا في العواصم المضيفة وبدون خجل، والتفنن في اذلالنا عند تقديم اية خدمات قد نحتاج اليها، من تصديقات وتجديد واصدار جوازات سفر الى أخر قائمة السلبيات الطويلة. إن هذه التركة المثقلة بالمشاكل، اصبحت عبئا على الدولة الليبية والشعب ايضا، ولا مفر من تصفيتها وإعادة تنظيمها، تبعا للحاجة وبما يتناسب ومتغيرات العصر الذى نعيشه، ولا ننسى أن الدبلوماسية الليبية لها تاريخها، وكثير من رموزها ممن تم اقصاءهم لا يزالون على قيد الحياة، ويمكن الاستعانة بهم كجهاز استشاري، يقوم بنقل خبراته إلى فريق من الشباب الواعد، لتكوين كوادر جديدة، لفريق عمل دبلوماسي جديد.

المهدي يوسف كاجيجي

•الصورة: السفير عبد الله سكته رحمه الله، مقدما أوراق اعتماده، سفيرا للمملكة الليبية لدى مالطا. يعاد النشر، بمناسبة الغسيل القذر المتداول على صفحات التواصل، بين الخارجية الليبية وسفرائها، وصراع المناصب. حتى نعرف ما هو الفرق ما بين سعادة السفير والاخ الأمين؟

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع