مقالات

د. الهادي بوحمره

غربة في غربة

أرشيف الكاتب
2021/09/16 على الساعة 00:20

تنوعت المجموعات التي ينتمي لها في موطنه الجديد فرنسا، ولكل مجموعةٍ خاصية، تميزها عن غيرها، وتنوعت صداقاته الثنائية، فمن لوران الفرنسي ورفائيل الفرنسية، إلى نعيم المغربي، ومحمد البنيني، وحسين اللبناني، وعبد الله السنغالي، إلى خوسيه الإسباني، وايزابيل الأرجنتينية.

زملاؤه في كلية الحقوق لهم ما يميزهم عن جماعته في المدينة الجامعية، وزملاؤه في المدينة الجامعية لهم ما يميزهم عن جماعته في الجامع، فلكل مجموعةٍ طابعها، وخطابها، وأولوياتها، كسب القدرة على أن يتعامل مع كل منها؛ وفق خصوصيتها، ويجد متعةً في مشاركة كل مجموعةٍ أعيادها، فيتبادل التهاني مع الجميع، ويذوب في رأس السنة في الجميع، ويحتفل بعيدي الفطر والأضحى وبالمولد النبوي، ويشارك صديقه اللبناني أحزانه في عاشوراء.

مضت حياته سلسة بين مختلف أصدقائه ومع زملائه، إلى اليوم الذي تحدثت فيه بربرية، تدثرت بالدين، وقضت على أرواح مئاتٍ من أبرياءٍ ذهبوا ضحية صراعٍ بين بعض من يسعون في العالم؛ ليحكموه، ومن يسعون فيه؛ لكي يلبسوه كرهاً ما يلبسون، جسامة الهجوم وعدد الضحايا ومكانه في قلبِ الاقتصاد قَلبَ كيان العالم، الأمر هذه المرة تجاوز هجمات صغيرة هنا وهناك؛ ليصل لحرب بكافة الوسائل المتاحة، دون أهمية للضحايا وعددهم، فالمهم هو إدماءُ الخصم، ومحاولة إصابته في مقتلٍ قدر الإمكان.

أثرَ الحدثُ في سلوك المحيطين به، لم يستطيعوا إخفاء استيائهم، عمموا الاستياء على كل المسلمين، فعباراتهم تجاوزت الحدث؛ لتصل إلى من ينتمون إلى دين شخوص الحدث، فقد أصبح الأمر لا يتعلق بفعل الفاعلين بل بالفكر الذي دفعهم إليه.

محاكماتٌ صوريةٌ أصبحت تدور على شاشات التلفاز، وفي أروقة الجامعة عن الدين الذي ينتمون إليه، والأرض التي نسلوا منها، إنه امتحانٌ واقعيٌ صعب، بدت له من خلاله صعوبة نظر البشر للفرد كفرد مستقل عن عرقه، ودينه، وبلده. وأصبحت أوصاف وأخطاء من ينتمون لنفس الدين أو الوطن تلاحقه، مهما كان مختلفا.

 

هناك في بلده، ينسب له ما ينسب لذوي قرباه ولقريته من خيرٍ وشر، وهنا في فرنسا ينسب له؛ وأن كان بشكلٍ مستترٍ؛ ما ينسب لوطنه ولمعتنقي دينه، فلا هناك يعيش بشكلٍ فردي، ولا هنا يعيش بشكلٍ فردي. هذا اليوم أرجعه إلى بلده، رأى عقلية أهله تحيط به هنا في فرنسا، فلا يختلف الفرنسيون عن أهل بلده إلا من حيث كونهم بلسان ولباسٍ مختلف، ظن أن ما مر بهم في الماضي قد تجاوز بهم ذلك، ومروا على جسره إلى ضفةٍ أخرى، لكن هذا الحدث جعله يظن أنهم لا زالوا في نفس الضفة.

نظرات الاتهام تلاحقه في الجامعة وفي محطات الحافلة، وحتى داخل المكتبة، كأنهم يقولون له: لماذا فعلتم هذا؟، لماذا تقتلون الأبرياء؟، لا اتهام صريحا ومباشرا، اتهامٌ كامنٌ في النفس، يظهر في عيونهم وبين ثنايا كلماتهم، يشعر بقسوة الاتهام، دون أن يستطيع الدفاع، فهو لم يسمع شيئا واضحاً موجها إليه شخصيا، لهذا؛ ينتابه شعورٌ بأن ذلك قد يكون مجرد أوهام.

تطور الأمر، أصبحوا ينظرون إلى كل شخصٍ مسلمٍ أو له سمات مسلم كما لو أنه فخور بما اقترِف، وكما لو أنه عنيف بطبعه وإرهابي بتكوينه أومجرم بالفطرة.

انعكس الأمر الذي حدث على بعد آلاف الأميال عليهم هنا في جلساتهم في المقاهي وفي مقاعد الدراسة، فنظراتُ الشرطة ليست كما كانت، تعامل الأساتذة ليس كما اعتاد، ومرح الطلبة معهم فيه نوع من التردد ومغالبة النفس، فقد أصبحت النظرة له على أنه الآخر.

وجد نفسه طرفاً في ثنائية المسلم، وغير المسلم، العربي والأوربي، ثنائيةٌ كانت تحتاج لحدث بمثل هذا العدد من الضحايا؛ لكي يراها أمامه، ثنائيةٌ لم يكن يراها من قبل، أو لم يرد أن يراها، أو لم يكن بحاجةٍ لأن يرها؛ لأنه كان يبحث عن بديلٍ لغربته في وطنه، وإذا به يقع في غربة داخل غربة.

فقد عاد إليه الشعور بالغربة من جديد، وتمكن منه أكثر، وأدرك مع هذا الحدث أن معاملته لذاته؛ استقلالا عن أصله، وفصله، ودينه، والبلاد التي جاء منها مجرد وهم، الحقيقة كانت تحتاج لمثل ما حدث؛ لكي يُرفع عنها الغطاء، فيبدو أن لا أحد يمكن أن يعاملك فقط كما أنت، ويتخلص من حكايات التاريخ، ولا أحد يمكن أن ينظر إليك بعيدا عن بلدك، ويفصلك عما يراه في دينك.

كان كثيرٌ من الفرنسيين يبحثون عن كبش فداء، يلقون عليه نظرات الاستنكار، ويُحمِلونه أوزار ما فعله أفرادٌ مسلمون على بعد مئات الأميال، وما هو إلا كبش من هذه الأكباش. بدا له جلياً واضحاً أن نطاق قاعدة (ولا تزرُ وازرةٌ وزر أخرى) لم يتعد قاعات المحاكم، ولم تتشبع بها عقول البشر بعد.

لوهلة، بدت له رافائيل كسالمة، وأدلين كحليمة، وسبياستيا كمسعود، وربما أشد قتامة، فهناك تُلقى عليه أوزار قريةٍ وقبيلةٍ وعائلة، أما هنا فتُلقى عليه أوزار أفعال لملايين البشر، لا لشيء؛ إلا لأنه يشترك معهم في العرق أو الدين.

احتاجت فرنسا لوقت؛ كي تعود كما كانت، وتخفض جناحها لكل ساكنيها، مرت الأحداث الدامية، وُضعت آثارها في إطارها، بعد أن فاضت عليه، وسكبت بعض الحبر على الأذهان، اختفت آثار الصدمة من على الوجوه والألسن.

ربما يكون من المفيد أن تمر مثل هذه الأحداث، رغم ألمها؛ كي تتجذر قيم المجتمع أكثر، وينضج عقل الفرد بشكل أكبر، ففيها تظهر للعيان تشققات للعقل الجمعي؛ يمكن بعد ذلك ترميمها، وبترميمها يمكن للإنسان أن يخطو من مرحلة إلى مرحلة، ويستوعب أخيه الإنسان؛ أيا كان اختلافُ هذا الإنسان.. 

د. الهادي بوحمره

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع