مقالات

محمد نجيب عبد الكافي

حبيبتي (4) الشعر المناضل

أرشيف الكاتب
2021/09/11 على الساعة 20:04

إن قلت إنه صديق قربت من الحقيقة ولكني اقتضبتها، لأنه حسب الترتيب الزمني: الزميل، الصديق، الأخ، المنافس، الضد في النقاش والتحاور فالتوافق. إنه المفكر المحلل، الكاتب، والشاعر باللغتين العربية والفرنسية، إنه الأستاذ عبد العزيز قاسم، ابن تونس الخضراء، التي يحبها ويعمل لها بقلمه وتعقل، لا انتساب له إلا للعقل وللثقافة والعلم. كنا زميلين بالقسم العربي من الإذاعة التونسية، فرنسية المنشئ مستعمرة الغاية، لكن أراد المخلصون من أبناء الوطن، الذين تحملوا مسؤولية إدارتها، إلا أن يجعلوها مرآة تنعكس فيها صورة الوطن التي يجب أن يُعرف بها، فنجحوا، رغم الصعاب، إلى حد كبير. كذلك فعل الإخوة الليبيون عندما أنشأ الإيطاليون إذاعة بطرابلس، أرادوها صوتا لهم، فصيرها المخلصون، كما شرحت ذلك في كتابي " نسالة الذاكرة "، صوت ليبيا الوطني.

داخل الإذاعة إذن، نشأ التعارف بيني وبين عبد العزيز قاسم. تصادقنا، صداقة، ولدت متينة، على ما يبدو، عريقة جذورها، أصيلة، من بذرة سليمة مثمرة. أقول هذا لأنها بليت بابتعادنا، وصمدت أمام الزمن وما يأتيه من غرائب. أجبرت أنا على مغادرة الوطن في ظروف لا مكان لها هنا، وبقي هو يتسلق السلم حتى أصبح، بعد خروج المستعمر، مديرا عاما للإذاعة، بشقيها المسموع والمرئي، كما واصل جولات وصولات، بين أحضان الثقافة ووزارتها، صحبة نجوم آخرين من نجومها، بمعية وزير ركز الثقافة على أسس ومؤسسات قوية، ثابتة، تذكرها له تونس وشعبها مدى الأيام، وهذا الوزير ليس إلا الأستاذ، المربي، الكاتب الأديب الرصين، الشاذلي القليبي تغمده الله برحمته.

ابتعدنا إذن، وبقيت الصداقة الرضيعة معلقة، تطفو على الذاكرة عندما تهدأ همومها. بقيت ساكنة لكنها لم تمت، كأنها كانت منتظرة ما تأتي به الأيام. أتت الأيام فعلا بما لم يكن بالحسبان، وأتت به الإذاعة. بعد ثلاثة عقود بأكملها، بينما أنا قابع في مكمني بآخر قاعدة حططت بها رحالي حتى الآن، اتصل بي سفير تونس السيد البصلي رحمه الله ليخبرني أنه لبّى طلب إذاعة صفاقس، لإجراء حديث معه ومعي، فلم أمانع.

اتصل بي صاحب البرنامج وعرض عليّ إيصالي، على هامش البرنامج، بمن أريد من الأهل والأصدقاء، فكان الشاعر عبد العزيز قاسم، على رأس قائمة من أردت الاتصال بهم وإرضاء شوق وحنين. جاء دور الاقتراب الصوتي، فأول ما قاله لي – قبل التحية على ما أذكر – سي محمد، من الإذاعة إلى الإذاعة – فبوركت الإذاعة إن هي ضمت الشمل وقرّبت البعيد. عاد الاتصال، لكن أبت الأيام إلا أن يتواصل البعاد. فهو على أرض الخضراء، وأنا بإسبانيا، ولا يجمعنا إلا التزاور الذي بدأ يندر. تقابلنا، وتحادثنا، وتشاجرنا، واتفقنا، لأننا متناقضان متفقان. اطلعت على ما كنت أجهل من نشاطاته، وهو كثير غزير، لكني فوجئت بأنه يكثر من الكتابة والنشر بالفرنسية، مقابل إقلال الإبداع بالعربية، حسب تقديري. لم يطل جهلي الأسباب فحوصلتها في مقولة "من تعلم لغة قوم، أمن شرّهم"، وأضيف من جانبي، وقاومهم، وصحّح أخطاءهم، وذكّرهم، وعلّمهم ما لم يكونوا يعلمون. يتابع الأحداث، خاصة ما يدور منها بعالمنا، يكتب ويؤلف لينير ويوضح.

ألف بالفرنسية، أيام الاعتداء على العراق، مجموعة رباعيات أسماها "رباعيات بغداد"، ترجمتها إلى الإسبانية، ونشرت في ملحق مستقل، من خزانة الدراسات العربية – العدد 19-5-16 بمجلة جامعة مدريد العريقة "لاكمبلوتانسي". ألف ويؤلف الكتب، ألقى ويلقي المحاضرات في جامعات ومنتديات معظم بلدان أوربا، وغير هذا كثير، سأترك التعرض إليه في حلقة ثانية من هذا المقال الذي بلغ من الطول قصيّا، كي أشرح ما استطعت نضاله شعرا وتأليفا. لأنه في كل ما كتب ويكتب، غايته الأولى، وهدفه المحدد، إزالة الغبار عن الحقيقة، والتذكير بها لدى الناسين أو المتناسين، خاصة منهم أبناء الضفة الشمالية، أوربا، الذين ينظرون إلينا، أبناء الضفة الجنوبية من هذا المتوسط جامع الحضارات والثقافات، بنظرة مركب الرفعة والعظمة. لعله من المفيد بهذا الخصوص، نقل ما قالته المؤرخة التونسية صوفي بسيس، التي تدين بدين موسى عليه السلام، المعروفة بنضالها الرصين المتعقل، ضد الظلم والتمييز والعنف، أيا كان مأتاه، وقضايا الحريات السياسية وواقع المرأة والعدالة الاجتماعية. ففي كتابها الذي أسمته "الرسالة" موجهة إلى الكاتبة الشهيرة حنّا هاراندت، يهودية هي الأخرى، ألمانية هاجرت الى الولايات المتحدة حيث توفيت، فتقول لها، لا كيهودية فحسب، بل وقبل ذلك، كتونسية، كشرقية، كمواطنة من الضفة الجنوبية، التي لا تقل علما، ولا معرفة، ولا أصالة، ولا كفاحا، عن مواطني الضفة الشمالية: "أكتب إليك من الضفة الجنوبية... إنك، أنت يا سيدتي،" شديدة الأوربية "لم تسمعي قط عنّا، وما هو أدهى تُنكرين وجودنا."

بمثل هذا وغيره كثير، صريح، صادق، موثق، واجهت هذه المؤرخة المخلصة التونسية اليهودية الشرقية، ابنة الضفة الجنوبية، فكالت حقائق وبراهين لأختها في الدين، لا في الحقائق ومفاهيمها، تُعرّي بها تصرّفات، ومواقف، وأخطاء أو أكاذيب، وجهل وقلة معرفة الأوربيين، والقادمين من أوربا غازين بعنجهية وغطرسة وتكبّر، أرض فلسطين ومن وما عليها، فسيطروا، ناكرين غيرهم ولو كانوا يهودا لمجرّد أنهم غير أوربيّين.

بأسلوب آخر، بالشعر ولينه، بالحجة والبرهان هو الآخر، يفند ويوضح المفكر عبد العزيز قاسم، ترهات الضالين، عسى أن يعودوا إلى اليقين.

 للحديث بقية إن طال العمر.

محمد نجيب عبد الكافي
مدريد في 29-8-2021

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع