مقالات

وفاء البوعيسي

أنا وأعوذ بالله من كلمة أنا!

أرشيف الكاتب
2021/09/11 على الساعة 20:04

كثيرٌ ممن يعدون أنفسهم مثقفين، يقعون في فخ هذه العبارة المنمطة، يظنون أنها الطريقة المثالية لإظهار التواضع والدماثة، لكن الأمر أبعد ما يكون عن ذلك، إنها أقرب شيء للانحلال في المجتمع، والذوبان في الجماعة، وأكثر ما يمكن أن يعكس الافتقار الداخلي للاستقلالية، والضيق بالذات المتفردة. 

هذه العبارة تنفتح على ميدانٍ فسيح، من التأويلات النفسية والسيسيولوجية والدينية، أما قاعدة هذه التأويلات فتحيلنا إلى المصادر الثلاث التي تخنق روح التفرد بمجتمعاتنا، وهي حسب رأيي:

 أولاً؛ الاعتقاد الديني؛ بأن الكل من آدم، وهنا يتجلى مبدأ إنكار التفرد في أكبر تكثيفٍ له، فمؤدى قاعدة وحدانية الأب، إنما يعني وجوب العودة للقيم الوحيدة التي أسسها ذلك الأب، فلا وجود لقيم أخرى بما يحيل على مبدأ الوفرة والتنوع.

ثانياً؛ منظومة القبيلة؛ فهي لا تقبل بأقل من أن تنضوي جميع الأصول والفروع تحت كلمتها، وأن يأخذ الفرد قيمته وقيمه من الانتساب إليها. هي أصلاً تقدم نفسها على أنها الوحدة العضوية لجميع منتسبيها، فتنتج العلاقات والدلالات الثقافية والاجتماعية التي تحكم سلوكهم، وما على الفرد إلا التبعية لها، وينجر عن هذه التبعية ضرورة الاتباع، فلا يكون للفرد حق مراجعة الضوابط والمعايير التي تضعها له القبيلة أو حتى تعديلها.

ثالثا؛ المناهج الدراسية؛ يكرّس الأدب العربي الكلاسيكي لمبدأ الجماعة لا الفرد، من خلال التركيز على قصائد الفخر والرثاء بالذات، فالفخر يتجلى أكثر ما يبدو في الاعتداد بالـ نحن، حتى لتغيب الذات الشاعرة  وتتوارى خلف الجموع، ولو شاء لها الفخر فستفتخر بانتسابها بالمصادفة لهذه القبيلة دوناً عن تلك، ولعل قصائد الشاعر عمرو بن كلثوم، هي المثل الأكثر فجاجةً على سطوة القبيلة في المخيال الشعري في ذلك الأدب، أما الرثاء فينطوي على التفجع على الكُبراء من القوم، الصائلين بالسيف ذوو الحسب والنسب الرفيعين، ولعل رثاء المهلهل لأخيه كليب هو المثل الأبرز، أما الهجاء فلكي يكون ناقعاً، فإنه يتعرض لوضاعة نسل المذموم، وهوان أمره بين الناس، ولعل هجاء المتنبي لكافور الأخشيدي هو المثل الواضح على ذلك،  فالمتنبي الذي عُرف عنه اعتداده بذاته المتفردة حد التكلف بها، قد وقع في الفخ ذاته، وهو معايرة الخصم بعدم الانتماء لقبيلة ذات شأن.

عودة للموضوع...

قائل العبارة أعلاه، يجبن عن التفكير في نفسه كفردٍ حرٍ مستقلٍ ومسؤول، لأنه يعلم يقيناً أن الروح الفردية مُحاربة، وأنها في قطيعةٍ شاملة مع المؤسسة الدينية التي رتبت حياته من الميلاد للوفاة، والمؤسسة الاجتماعية ممثلةً في العائلة والقبيلة، التي زودته بقيم وتقاليد صارمة، لذا فهو لا يملك الجرأة على التحرر من سلطة هاتين المؤسستين والقيم التي تنتجانها.

للأسف...

الفرد  في مجتمعاتنا العربية، صادر حقه في التمتع بالمركزية الفردية التي هي أساس الحرية، وأساس العقلانية الذاتية المرتبطة بتفكيره في ذاته، ووعيه بوجوده المتميز  ووعيه بالآخر، ما يسمح له بتقرير مصيره، والتحكم به وتحديد خياراته، وحقه الطبيعي في إعطاء "معنى شخصي" لحياته ينبع منه وحده، وسعيه للاعتماد على ذاته في تحديد خياراته لا على العائلة أو الدين أو التقاليد، وبمعنى أكثر وضوحاً، حق الفرد في التمتع بمركزية فردية خالصة على المستوىين القانوني والاجتماعي، وتخلصه من سلطة المجتمع دون قطيعة معه بالضرورة.

خلاصة...

الفردية التي أقدرها في كلمتين، ليست وضعاً، ولا مركزاً، ولا حالة، بل سيرورة تتطلب المراكمة الحياتية، والجهد الجماعي المنسق بين الواعين بأهميتها في صنع الديموقراطية وتوفر العلمانية اللازمة لها، حتى تسمح للواحد فينا أخيراً بأخذ المسافة التي يراها مناسبة من المعايير الجاهزة التي ضختها المؤسسة الدينية والقبيلة بالمجتمع، وتسييج هذه المسافة بقوانين حماية كافية.

وفاء البوعيسي

 

عصام العمري | 12/09/2021 على الساعة 20:02
أحسنت السيدة وفاء
أحسنت الكاتبة المحترمة وفاء، لربما إضافة مقتضبة بخصوص المعتقد الديني ،لربما كان أكثر دقة اذا استعملنا مصطلح" الموروث الديني" عوضا عن المعتقد الديني ،وإن كان فعلا الكثير من الموروث الديني أصبح معتقدا! للأسف ارتبطت كلمة "انا" بوصف الغرور والتعالي ومدح الذات، وبذلك قتل هذا الوصف المجحف، برأيي، الثقة بالنفس، كما تفضلت السيدة وفاء، وكان لذلك مردودات سلبية اقلها انها انتجت اجيالا غير قادرة على تسويق قدراتها، وكان عائقا حال دون الحصول على وظيفة او مركز ما، إذ أظهر المتقدم لها مهزوزا او ليس لديه ما يقدمه كفرد الي الفريق العامل....صحيح ان الفرد جزء من جماعة ولا يمكن إهمال أهمية الجماعة، ولكن الجماعة هي مجموعة أفراد ترتقي بقدر ما يرتقي افرادها..
غومة | 12/09/2021 على الساعة 18:40
هنالك فرق بين نباء الفرد والفرودية!
منذ اواءل التاريخ اختلف الشرق عن الغرب. الاول كرس على الجماعة والثاني على الفرد. فحين نخت الاغريق الجسم الانساني بكل ما فيه، اكتفى المصريين القداماء بنحت الانسان المجرد. كل الموءسسات من الاسرةً الى القبيلة ثم المدينة والدولة مرورا بالمؤسسية الدينية كانت لكبح جماح الفرد خوفا من مخاطر الفرودية . في حين يكون الفرد حجر الاساس في المجتمع الا ان هذا الاخير كبل الفرد بكل ما تراكم من الاعراف والقوانين في سبيل الحفاظ على الموءسسات التين استعبدته الفرد لكونه انسان يجيد ويخطيء. تقترن الحداثة باعطاء الفرد الدور الرءيسي في ادارة شوءنه وانماء عجلة التطور بحرية التفكير والخلق والابداع. ولذلك على الشرق اذا اراد دخول عصر الحداثة ان يعيد الى الفرد ما فقده، اي انً يصبح المسوءول عن نفسه وان يقلص من دور كل الموءسسات من الدولة الى الدين مرورا بالقبيلة والعشيرة وكل ترسبات الماضي. الخطر في المستقبل يكمن في ما يسمى ب “nanny state”
الباحث | 12/09/2021 على الساعة 14:16
نقد الفردانية
صراحة ان مذهب الفردي بهتم بجانب من الإنسان – بغض النظر عن كيفية الاهتمام – وأهمل جانباً آخر , وبالتالي فلن يتوازن الإنسان , ويكتمل نموه , فهو قد أهمل الجانب الجماعي في الإنسان , وهو حاجة ورغبة ملحة فيه.ففي الإنسان هذه الطبيعة المزدوجة : الميل إلى الفردية , والميل إلى الجماعية,وكلاهما أصيل فيه,فلابد من العناية بهما معاً,وإلا حصل الاضطراب في باطن النفس,وفي واقع الحياة. الفردانيون وسعوا من دائرة الفردية حتى خرجوا بالإنسان إلى الأنانية المرذولة , وساهموا في تفكيك المجتمع , وتشتيت طاقات...كما ان المذهب الفردي يري ان المجتمع مفروض على الفرد وهذا خطأ , لأن المجتمع ناشئ من داخل كيان الفرد , ناشئ من رغبته في الاجتماع بالآخرين , ونقصد بالمجتمع : المجتمع الطبيعي الذي ينشأ من تلاقي الأفراد , لا نقصد به المجتمع المنحرف , وهم كذلك لا يقصدونه , وإنما يقصدون أي مجتمع هو مفروض على الفرد , معوِّق لنموه , والصحيح بأنه ما هو إلا تكملة طبيعية للفرد كما إن خروج الأفراد على تقاليد المجتمع الصحيحة دون رادع,وتنازل المجتمع عن تقاليده فانها ستكون نتيجة الحتمية: وهوانهيار المجتمع بالكامل
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع