مقالات

سعاد الوحيدي

اللعنة!!!… "بما في ذلك المقابر الجماعية“

أرشيف الكاتب
2021/09/10 على الساعة 18:05

استدرجوها لمقابلة زوجها، ذلك الذي سوف يجدونه فيما بعد هيكلاً متفحماً.. بقايا من رفات رجل كان ذات يوم يتجول بعزّ في ارجاء ترهونة، قبل أن يقبع في حفرة بائسة تحت ترابها. ولن يعرف عنها أهلها، هذه الزوجة الجميلة، بدورها إي خبر، وحتي تكشف عينات الحمض النووي عن هويتها بين جثامين مرمية في حفرة أخرى.. تحت ذات الترب الترهوني المكسور الجناح.

اخبار هذه الحفر، لمقابر جماعية في مناطق ترهونة المتفرقة، وقد جمعت بين الأب والابن والزوج والجار والقريب..والبعيد، (وقد ربط بينهم جميعهم خلاف ما مع الكانيات)، ما فتئت تتفرقع على القلب كشظايا فجيعة. عدد هذه المقابر، وفداحة مضمونها جعل مدينة ترهونة تدخل التاريخ الكالح الوجه للبشرية البائسة. وقد صارت تسبق مدن وفيافي كونية تلحفت بالبؤس قبلنا، إذا ما نُقرت جملة "مقابر جماعية"، وبأي لغة من لغات الارض على أي من محركات البحث. حيث تقفز ترهونة على رأس القائمة كجرح متخثر بعفن الحقد والضغينة. 

ولكن ليس هذا هو الخبر، كما يقول الفرنسيون، لم يعد هذا ما يمزق القلب، وقد تفتت ارباً مع توالي عصف ما يأتي من اكتشافات مريعة في مدينة لا تبعد عن العاصمة اكثر من مسافة ساعة؟!!… بل ما يرعب بحق هو تأقلم مشاعر  الناس مع اخبار هذه المقابر، حتى  أنها صارت تمر مرور خبر عابر.

لم نر إي إستنكار او تهديد او وعيد، لم تخرج مظاهرة واحدة مُنددة في أي من مدن ليبيا.! لم نسمع بخطاب تعبوي واحد يتحدث عن هذا المصاب الجلل لأهل هذه المدينة الجميلة الوادعة. والتي كانت ولازالت تقدم لسكان العاصمة روضة بهية والجمال والماء الدافق، حيث "الشرشارة" التي يقصدونا بحثاً عن راحة البال وهرباً من ضجيج المدن الصاخبة.

وكأن اهل ترهونة كائنات من عالم آخر، إن تم حرقهم او دفنهم أحياء او ازالتهم من الوجود.. أمر لا يهمنا، ولن يزعج وجودنا الليبي/او العربي البائس. اليوم تمخضت الجامعة العربية وولدت جملة يعجز عن وصفها التعبير.. في سياق تنديد متواضع عن جملة مصاب الانسان في ليبيا من انتهاك وعصف وارتهان، تقول جامعة العرب (بما في ذلك المقابر الجماعية).!!!بمعني يمكن لمن يريد ان يضيف ملف هذه الحفر إلى قائمة الوجع الليبي…

هل فقدت الانسانية إنسانيتها؟

أخبار حفر ترهونة طغت عليها لوهلة أخبار مرعبة جاءت من اوكرانيا - حيث يقصدها عديد من الليبين- حيث كشفت حفريات جارية لتوسيع مطار أوديسي في نطاق مكب قديم للقمامة عن كارثة انسانية دون منازع.

حفرة المقبرة الجماعية هنا لا نعد فيها مئات الهياكل العظمية التي تاكلت بوقع الوجع والفجيعة وخذلان الجنس البشري. بل ثمة عشرات الالاف من الهياكل.. يقترب العدد الذي تم حصره حتى الان لعشرون الف قتيل تم العصف بهم علي يد ستالين ايام حكمه الدكتاتوري. منهم دون شكل كل من قاومه من المسلمين في جزيرة القرم.

يعتقد المؤرخون أنهم قد أُعدموا خلال ثلاثينات القرن الماضي في مرحلة كانت تعرف باسم "حملة الرعب الكبيرة" لجوزيف ستالين. وحيث يُعتقد أن مئات الآلاف من الأوكرانيين سجنوا وأعدموا في معسكرات خلال فترة القمع الستاليني في أوكرانيا.

قبل هذا صدمتنا اخبار موجعة عن العثور على مقبرة جماعية في كندا تحتوي على رفات 215 طفلا، في مدرسة داخلية أقامها المستعمرون البريطانيون لجمع السكان الأصليين من الهنود وتغيير هويتهم. وفق ما أعلنت عنه السيدة روزان كازيمير، رئيسة مجموعة الأمة الأولى (تيكاملوبس شوسواب)، إحدى أكبر المجموعات العرقية المتبقية من أمة شوسواب الهندية القديمة، التي كانت تستوطن بريتيش كولمبيا. عن هذا الكشف/الكارثة تحدثً رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو، إن هذا يمثل "تذكيرا مؤلما" بـ "فصل مخجل من تاريخ بلادنا“.

ومع ذلك لن تبقى هذه الاخبار على صفحات الاعلام العالمي لأكثر من هنيهة.. وكأنها اخبار عن اكتشاف اثري، لغواصة بحرية فرخ في تلافيها سمك البحر…

لا شيء ينبي بان الضمير البشري صار يكترث لمصاب المناضلين او لمن يقاوم او لمن يرفض حكم فرد او قبيلة. لقد بات الامر ان لم يصلني سهم الظلم "فدعه يعمل دعه يمر“. 

ولكن…

ماذا يمكن ان اقول اليوم لصديقي أحمد، وهو يحكي لي قصة اسرته في ترهونة. وقد فجعهم خبر العثور على جثامين اكد الحمض النووي انهم من لحمه ودمه.. هولاء الذين بحثوا عنهم طيلة اشهر، وكانت فاجعة اختفاءهم،بعد القبض عليهم في منازلهم في ترهونة بتهمة التآمر على قوات حفتر، قد دمرت حياتهم وعصفت بكيان الاسرة.

يحكي احمد إن عمه، (شقيق والده واقف)، كان قد اقترب فيما يبدو بقطيع الاغنام من منطقة مهبط طيران باحد سهول ترهونة. وشاءت ارادة القدر ان يكون شاهدا على تعرض طائرة شحن حربي لهجوم من قبل طائرة مسيرة. الامر الذي ادى الى انفجار طائرة الشحن وتلف المدد العسكري الذي كان يقصد القوات المحاصرة لطرابلس حينئذ.. وكانت تهمة هذا الراعي البسيط انه من اعطى الاحداثيات لقوات "العدو" الذي كان يدافع عن العاصمة،؟!!!

هكذا القي القبض عليه واختفى، ثم مروا على كل دار من بيوت أبناء القبيلة واخذوا رجالاتها، كمن يسوق الغنم للمذبحة. وانقطع خبرهم…

حاولت الاسرة، وقد نجا احمد من الخطف لوجوده في طرابلس في ذاك الوقت، ان يعرفوا اين انتهى المقام بالموقفين، وماذا كانت تهمتهم….ولماذا يتم الزج بالبسطاء من المدنيين في معارك المسلحين او من يهاجمون العواصم او هولاء الذين يدافعون عن العاصمة…؟!!

خلال الشهر الماضي فقط ستتمكن عائلة احمد من  التعرف على مفقوديهم،  وقد تغطوا بتراب ترهونة في حفرة جماعية بائسة التفاصيل، بعد ان تمت تصفيتهم بطلقات غادرة في أم الرأس.. على ان العاصمة التي تم اتهامهم بالتآمر مع من يدافع عنها، لم تتوقف لانتشال هذه الجثامين…

وأختم…

إن قلبي يتمزق لخبركم شهداء الحفر الموحشة.. هنا وهناك وحيث عبثت أيادي الطغاة. واعتذر إن دمعي.. ولا دموع كل البشر يمكن لها ان تغسل وجع فقدكم.

سعاد الوحيدي

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع