مقالات

سالم الكبتي

لجنة جمع التراث في الجامعة الليبية (2)

أرشيف الكاتب
2021/09/09 على الساعة 16:43

لجنة جمع التراث في الجامعة الليبية (2)

(مسيرة بدأت ثم توقفت) (1972- 1976)

... وإضافة إلى هذه الأهتمامات والمبادرات السابقة وغيرها كان تراثنا الشعبي الليبي وبخاصة الشعر وكل فنون القول يتراكم في صدور الرواة والحفاظ الذين كانوا يروونه في مناسبات مختلفة حيث يقيمون ويلتقون ويتسامرون أو يرددونه للمهتمين ممن يقومون بزيارتهم في أماكنهم البعيدة أو القريبة لأجراء مقابلات أو تسجيلات معهم في هذا الصدد.

غير أن ماتمت روايته ضاع معظمه وفقد مع مرور الزمن وظلت الحاجة ملحة تزداد وتقوى كل يوم بل كل لحظة لتدارك مايمكن تداركه بالجمع والتدوين والتسجيل من أفواه الرواة في مختلف المناطق قبل أن تختفي وتتلاشى قطعة مهمة من تاريخ الوطن وتراثه الكبير. وهذا ما أكد الأسراع بتحويل الحلم إلى منجز على أرض الواقع.. فالتراث بما فيه من فنون وروائع لاينبغي أن تنقطع الصلة به ولاينبغي أيضا أن يهمل أو يتم تجاهله عبر الأعوام التي تمر في عجالة.

هنا ترسخت حقيقة (العناية العلمية بالتراث الليبي) وضرورة إنطلاقها. كانت الخطوة المهمة قد نهضت أمام الأعين بمباشرة تحقيق ذلك الحلم وإنجاز أول فكرة علمية ليبية نحو هذا الأتجاه الوطني من جانب الأستاذ عبد المولى دغمان رحمه الله رئيس الجامعة الليبية. لقد إهتم على المستوى الشخصي بالموضوع وأعتبره واجبا وطنيا ومسؤولية يتعين تحقيقها منذ أن كان أستاذا لمادة المجتمع الليبي في كلية الأداب والتربية التي أدخلها بأقتراح منه ضمن مناهج الدراسة بالكلية فعمل وهو أستاذ الأجتماع القدير_ على توجيه مجموعة من طلبته لكتابة وإعداد البحوث والدراسات في هذا الموضوع وتحسيسهم بقيمته ومكانته.
بمرور الوقت شكل الأستاذ دغمان فرقا أخرى ومجموعات أخرى من الطلبة للقيام بالأتصال المباشر وإجراء اللقاءات مع مختلف الرواة والحفاظ والمعاصرين للكثير من الأحداث والوقائع التي مرت بالوطن في العديد من أماكن تواجدهم وإقامتهم في البلاد. وكانت الخطوة الأولى إيفاد بعض الطلبة من قسم التاريخ وكذا الأجتماع إلى بعض المناطق في الجبل الأخضر والبطنان ودرنة وإجدابيا كبداية تكون توطئة في المستقبل لتشكيل لجنة علمية لهذا الغرض في الجامعة. وبالفعل إنطلقت مجموعات من الطلبة بعضهم صار لاحقا أعضاء في هيئة التدريس بالجامعة (إدريس الحرير واللافي إدريس)على سبيل المثال. إنطلقوا نحو تلك المناطق صيف 1969 وإلتقوا بعديد الحفاظ والرواة وقاموا بتسجيل وتدوين روايات مهمة في جوانب وتفاصيل التاريخ الشفوي لليبيا وحكايات وقصص تراثها العامر في الشعر والطب الشعبي وملاحم المقاومة والأمثال والحكم والأساطير ومايتعلق بالعادات والتقاليد.. وغير ذلك.
وقد تصادف خلال عمل هذه الفرق في تلك الأماكن البعيدة حدوث التغيير في البلاد في سبتمبر 1969 وعلموا به بعد أيام. لأن المجموعات إستغرقها العمل ولم تتابع في الغالب ماحدث في البلاد تلك الأيام.
 
كان الأستاذ دغمان يرى أن للجامعة رسالة وطنية وعلمية ينبغي أن تؤدى وتمتد خارج قاعاتها ومدرجاتها وتجتاز الجانب التقليدي وتغوص في أعماق المجتمع وتتعرف وتقترب من أصوله وتاريخه ومشكلاته. إن تلك الخطوة المهمة التي تابعها بأشرافه ووضع تحت تصرفها كل الأمكانيات وذلل أمامها الصعاب كانت أول خطوة علمية ومنهجية في ليبيا توخت الأفادة من صفحات التراث الشعبي في مناهج الجامعة.. لكنها لم تكتمل لظروف طرأت وأسهمت في تأجيل تواصل المشروع المهم وتدفقه من أجل ليبيا.
 
بعد هذه المداخل السريعة التي عرضت لها وكانت خطوات رائدة على الطريق لحفظ التراث الشعبي والعناية به.. تكاملت تلك الخطوات في النهاية بتحقيق الرؤية البعيدة التي راودت تفكير المهتمين المسؤولين في الجامعة الليبية. صحيح أنها توقفت بعض الوقت بتغير الأمور في البلاد بعد سبتمبر 1969. لقد تبدلت إدارة الجامعة. وتم التحفظ على رئيسها السابق الأستاذ عبدالمولى دغمان من قبل السلطات الجديدة وحددت إقامته في بيته ثم إعتقل في مايو 1970 وإستغرق ذلك الأعتقال له قرابة عشرة أعوام. لكن الحرص العلمي على إتمام الخطوة وتنفيذها لم يخمد فقد نهضت من جديد أواخر عام 1971 وبداية 1972.
 
أصدر د. منصور محمد الكيخيا عميد كلية الأداب تلك الأيام وبدعم كبير من رئيس الجامعة الجديد د.عمر التومي الشيباني.. قرارا بتاريخ 12 فبراير 1972 يقضي بتشكيل لجنة لجمع التراث الشعبي في الكلية تعمل على جمعه ودراسته وتصنيفه مؤكدا بدوره وضع كل الأمكانات من الكلية تحت تصرف اللجنة التي تساعدها على تحقيق هذه الغاية.
 
ضمت اللجنة المذكورة بموجب هذا القرار الأساتذة: د.عمرو النامي، د. علي الساحلي، أ. علي بوزعكوك. كان القرار الذي صدر بعد نقاشات واعية بأهمية الموضوع بين الكلية وإدارة الجامعة يعتبر إمتدادا حقيقيا لأنجاز مابدأه الأستاذ عبدالمولى دغمان منذ عامين سابقين. لابد أن يستمر العمل العلمي وتهتم به الجامعة وتجعله موضع التنفيذ دون تأخير. لقد سر الكثيرون بهذه الخطوة الرائدة ورأوا فيها تحقيقا لشوق قديم يؤصل هذا التراث علميا ويدرسه ويقدمه للناس بمختلف الوسائل.
 
بالفعل بدأت اللجنة عملها وخصصت لها الكلية إحدى القاعات بمبنى معهد الراهبات القديم الملاصق للكليةو الذي أضحى تابعا لها. وتم تعيين أول موظف بها لتولى أمانتها هو سالم حسين الكبتي وكان الأختيار قد وقع عليه ومفاتحته في الموضوع مباشرة من قبل د.منصور الكيخيا والأستاذ بوزعكوك. وكانا في الأصل كما علم منهما قد أخذا في الحسبان خطة الكلية والجامعة بالنظر إلى أهمية العمل ودقته وحساسيته الذي ستقوم به اللجنة ويتعين أن يكون موظفوها من الذين لديهم الأستعداد والمعرفة وتنطبق عليهم كثير من المواصفات لأنجاح العمل وإستمراره... وتواصلت الخطوات بقوة بعد التأسيس والتكوين.
 
 
 
* الصور: (1) الاستاذ عبدالمولى دغمان وقت أن كان عميدا لكلية الأداب والتربية يتابع سير إمتحانات طلبته في الكلية صيف 1966. (2) وثيقة قرار تشكيل لجنة جمع التراث في كلية الاداب بتاريخ 12 فبراير 1972.
كلمات مفاتيح : التراث الليبي،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع