مقالات

د. الهادي بوحمره

التمييز الايجابي آلية للتوازن والانصاف

أرشيف الكاتب
2021/09/09 على الساعة 16:16

إذا كان مبدأ المساواة بين المواطنين والمواطنات من أهم أسس البناء الحقوقي والمؤسساتي في الدولة، فإن من لوازمه حظر أشكال التمييز كافة. إلا أن بناء جميع التشريعات والسياسات على ذلك، قد يؤدي إلى تكريس أشكال من التمييز، ويفضي إلى بعض من النتائج التي تتعارض مع موجبات التوازن والانصاف، الأمر الذي قد يوجب نفي التمييز بالتمييز، واستهداف تكافؤ الفرص بين المواطنين بالتمايز بينهم، وإدراك التوازن وتفادي الاختلال بالاستثناء على مبدأ المساواة.  

ومن ذلك أن مبدأ المساواة في حق الانتخاب يقتضي التمثيل المتكافئ للناخبين، بحيث تكون أصواتهم ذات وزنٍ متساوٍ عند انتخاب الممثلين، وبما أن الاختلاف بين دائرة انتخابية وأخرى في عدد السكان اللازم للمقعد النيابي، هو اختلاف في قدر تأثير المواطنين في العملية الانتخابية، فإنه يُعد خروجا عن  المعيار الدولي الخاص بالاقتراع المتساوي المنصوص في الفقرة (ب) من المادة 25 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (شخص واحد، صوت واحد، قيمة واحدة)، إلا أن الالتزام بذلك، قد يفضي إلى سلطة تشريعية مؤلفة من المناطق والمدن ذات الكثافة السكانية العالية، وإلى استبعاد كثير من المناطق والمكونات المحلية من التمثيل. ومن ثم؛ لا تعكس العملية الانتخابية  الواقع الاجتماعي والسياسي القائم في البلاد. ولذلك، فإنه من أجل أن يكون البرلمان على شاكلة التكوين العام للمجتمع، وللوصول إلى توازن في التمثيل، فإن كثير من الأنظمة الانتخابية تبني ترسيمها للدوائر وتوزيعها للمقاعد على تمييز يخرج على مبدأ المساواة وقاعدة التمثيل المتكافئ للناخبين، وتقبل بانحراف عن معيار السكان يختلف من دولة إلى أخرى؛ ضمانا لتحقيق مستويات التمثيل المختلفة، وتحقيقا لتوزيع النواب على مختلف مدن ومناطق البلاد؛ بما فيها المناطق قليلة السكان والمتباعدة فيما بينها، دون أن يدرج  ذلك من ضمن انتهاكات مبدأ المساواة بين الناخبين؛ ما دام الأمر مبنينا على معايير واضحة، وعلى اعتبارات موضوعية بعيدة عن التحكم والعشوائية (المحكمة الدستورية العليا المصرية 1/ مارس/ 2015م قضية 37 لسنة 18).

 الاستثناء على مبدأ المساواة بين المواطنين في حق الانتخاب يكون أكثر وضوحا في الدساتير المقارنة عند بناء مجالس الشيوخ، ذلك لأن الغرفة الثانية لا تُبنى على التمثيل المتساوي، أو المتقارب بين السكان، وإنما تقوم على أساس المكونات المحلية، أو الأقاليم، أو المقاطعات، أو الولايات، أو المحافظات. ومن هنا فإنه قد تكون لوحدة إدارية لا يتجاوز سكانها عشرات الألاف نفس التمثيل لوحدة ادارية يتجاوز سكانها مئات الالاف. ومثاله الواضح في تكوين مجلس الشيوخ الأمريكي، حيث إن نصيب كل ولاية ممثلان، رغم الفارق الكبير بين الولايات من حيث تعداد السكان.

مما يجب ملاحظته هنا أن معايير تكوين مجالس الشيوخ تختلف من دستور إلى آخر، فكما أن منها القائم على المساواة بين المناطق، أو الولايات، أو المجتمعات المحلية في التمثيل، منها- في المقابل- ما يقوم على التمثيل المتناسب لا المتساوي، ومثال ذلك الغرفة الثانية في بلجيكا الذي لا يتساوى فيه تمثيل المكونات اللغوية (م 67 دستور بلجيكي)، ومجلس الشيوخ في ايطاليا التي نص دستورها على أن الحد الأدنى للتمثيل فيها  لكل اقليم هو سبعة أعضاء مع عضوين لأقليم موليزي وواحد لأقليم داوستا (م 57 دستور ايطالي)، ومجلس المستشارين في المغرب الذي نص الفصل 63 من دستوره على أن ثلاثة أخماس أعضائه يمثلون جماعات ترابية، ويتوزعون بين جهات المملكة؛ بالتناسب مع عدد سكانها، ومع مراعاة الانصاف، لا التساوي بين الجهات. ومن هناك يمكن مقاربة ذلك مع ما ورد في مشروع الدستوري الليبي، والذي  نص على بناء مجلس النواب على معيار السكان مع وجوب مراعاة المعيار الجغرافي (م 68)؛ ما يضمن تمثيل المناطق القليلة السكان، ويحقق نوعا من التوازن في ترسيم الدوائر، وتوزيع المقاعد بين مناطق البلاد. وفي مقابل ذلك، نص على تأليف مجلس الشيوخ على أساس المناطق الثلاث والتوزيع الجغرافي المناسب داخل كل منطقة منها، مع مراعاة الاختلاف في الكثافة السكانية؛ كمعيار مكمل( م75). بمعنى أن مجلس النواب مبني على السكان مع مراعاة الجغرافيا، ومجلس الشيوخ قائم على المعيار الاقليمي مع مراعاة السكان. ولو قام هذا الأخير على المساواة التامة بين الأقاليم الثلاث؛ لأوجب ذلك بناء مجلس النواب- وهو السلطة التشريعية الرئيسية- على السكان فقط، الأمر الذي سوف يفضي إلى مجلس نواب مؤلف بالأساس من المدن الكبرى مع استبعاد كثير من المدن الصغرى التي لا تستوفي نصاب التمثيل، ما يعني إننا سنكون أمام مجلس نواب لا يعكس تركيبة المجتمع، ولا يتألف من كل مناطقه ومكوناته.

الالتزام المطلق بالمساواة بين المواطنين والمواطنات قد ينتهي -أيضا- إلى سلطة تشريعية من الذكور، ودون تمثيل للأقليات، بسبب وجود موانع واقعية تحول دون التنوع في تأليف السلطة. ومن أجل تفادي ذلك، كان من اللازم الخروج عن المساواة ووضع تدابير تفضيلية مضادة للتمييز الواقعي، الأمر الذي ينتهي إلى أن تكون بعض الأسباب التي يحظر بناء عليها التمييز السلبي سببا لتمييز ايجابي يمنع تهميش بعض المكونات، ويمكنها من المشاركة الفعلية في الحياة السياسية، ما يعني أنه تمييز لمواجهة تمييز. ولذلك آليات متعددة، منها الزام الأحزاب بترشيح نساء ومنتمين إلى أقليات، أو النص على مقاعد محجوزة للمرأة والمكونات. هذا النوع من التمييز الايجابي استبعد من نطاق التمييز المحظور في الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري؛ بموجب الفقرة الرابعة من المادة الأولى. كما قررته الفقرة الثانية من المادة الثانية من هذه الاتفاقية كتدبير مناسب، وهي التي نصت على أن: (تقوم الدول الأطراف عند الاقتضاء باتخاذ التدابير الخاصة والملموسة اللازمة  لتأمين النماء الكافي والحماية الكافية لبعض الجماعات العرقية أو للأفراد المنتمين أليها...). وبالرجوع إلى مشروع الدستور الليبي، نجد أنه قد نص في مادته التاسعة والأربعين على وجوب ضمان تمثيل المرأة في الانتخابات العامة، وفي مادته الخامسة والثمانين بعد المائة على حكم خاص بالكوتا النسائية. كما نص في المادة الثامنة والستين على ضمان تمثيل المكونات اللغوية في مجلس النواب، وفي المادة الخامسة والسبعين على مقاعد محجوزة لها في مجلس الشيوخ.

التمييز الإيجابي قد يكون- أيضا- تمييزا مكانيا، إذ إن من صوره المهمة صورة التمييز الانتقالي الذي يُنزِل المساواة الرافعة محل المساواة المجردة بين المناطق والمدن (بإعطاء أكثر لمن يملك أقل)؛ بهدف تحقيق الإنصاف المكاني بين مختلف المناطق والمدن، وإزالة التباين التنموي بينها، والوصول إلى العدالة الاجتماعية، وتمكين المواطنين المقيمين فيها من حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية، والاقتراب أكثر من تكافؤ فرص حقيقي بين المواطنين كافة، وذلك عن طريق تدابير استثنائية رافعة تنعش المناطق المحرومة والمهمشة، منها تقديم حوافز للاستثمار، والتفضيل بمشاريع تنموية، وتجاوز ما قد يكون من معوقات وقصور في الامكانيات. ومن الدساتير التي نصت على التمييز الايجابي المكاني بهذا المسمى، ووصفته بأنه مبدأ دستوري، الدستور التونسي لسنة 2014 م في الفصل الثاني عشر منه.

هذا النوع من التمييز الايجابي نص عليه مشروع الدستور الليبي في عدة مواد، منها المادة الثانية والعشرون، والتي يجري نصها على النحو الآتي: (تتولى الدولة تأهيل القرى والمدن؛ وفق مقتضيات العدالة الاجتماعية، والتنمية المستدامة، والمتوازنة، ومؤشراتها، والاستغلال الرشيد للثروة، وتضمن توزيعا مناسبا للمشروعات، والمصالح، والشركات العامة، والخدمات بين المدن والقرى؛ بما يكفل توزيع فرص العمل، وتشجيع الاستثمار، والأنشطة المناسبة فيها، ومراعاة المناطق الأقل نموا. وذلك كله، بما يضمن إزالة الاختلال، وتحقيق التوازن التنموي.).

الهادي بوحمرة
طرابلس، 7/ 9/ 2021

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع