مقالات

ليبيا المستقبل

للحقيقة التي تنفعنا!

أرشيف الكاتب
2021/09/02 على الساعة 14:49

هل ما حدث يوم 1-9-1969م كان انقلابا عسكريا أم ثورة؟، وإذا كان انقلابا عسكريا هل هو بتدبير وتخطيط محلي أم تآمر خارجي؟

الإنسان فردا أو أسرة أو قبيلة أو مجموعة قبائل أو شعبا أو أمة مطلوب منه مراجعة نفسه باستمرار وتصحيح أخطائه التي تبدأ بالمفاهيم، فكل المشاكل والأخطاء أغلبها بسبب خطأ المفاهيم، وليس أخطر على الإنسان من العناد والمكابرة والاستمرار في الخطأ عوضا عن معالجته، هذا العناد والكِبَر وصل أحيانا إلى درجات خطيرة وغير مقبولة تمثلت في معارضة المفاهيم الإلهية ذاتها التي حددها لنا الله عز وجل في شؤون حياتنا ومماتنا ومآلنا بعد الموت، وهو سبحانه وتعالى الذي خلقنا ويعلم عنا ما لا نعلمه عن نفوسنا نفعا وضررا وسعادة وشقاء، وفي هذا السياق سياق المفاهيم وما يترتب عليها أجنح اليوم إلى مناقشة أمر يخصنا نحن الليبيون لأنه مس صميم حياتنا وأثر فينا تأثيرا بينا ومازال كذلك!، ذلك هو فقط توصيف وتعريف الحدث الذي حدث في ليبيا يوم 1-9-1969م هل هو انقلاب عسكري أم ثورة؟

 لماذا المطالبة بذلك الآن وقد انقضى الفعل وتقادم؟

 الجواب على هذا السؤال: لأني أعتقد جازما أن فهم غالبيتنا لحقيقة ما حصل في 1-9-1969م- وهذا محتم - سيقود إلى خروج سليم لما نعانيه اليوم!، وحتى لا يسأم البعض ويضجرون من طول القراءة، لست أريد غير الخوض عموما في مفهوم واحد هل هو انقلاب أم ثورة تاركا تفاصيلا أخرى لأوقات أخرى، وأول ما أبدأ به تصريحات متكررة لمعمر القذافي نفسه يؤكد فيها أن: “السنوات الثلاثة الأولى هي محض انقلاب عسكري ومن يقول غير ذلك جانبه الصواب!“، فالقذافي بكلامه هذا يعلم أكثر من أنصاره أن أكذوبة طرد القواعد لن تنطلي على الناس كثيرا وستنجلي حقيقتها، وأن الشعب الليبي سيعرف بمرور الوقت أن وجود القواعد كان لضرورة ملحة، وأن إدريس رفض تجديد عقود بقائها لمَّا زالت تلك الضرورة الملحة باكتشاف النفط وانتاجه، وأنه خلاف للأكاذيب والأراجبف وبشهادة عبد الناصر نفسه رفض الملك إدريس استعمالها ضد مصر وشكره عبد الناصر في هذا الشأن في تسجيل مرئي موجود لمن يبحث عنه، وأن كل الذي عمله القذافي ومن معه هو تنفيذ ما نصت عليه عقود وجود تلك القواعد من جلائها وتصفيتها بعد حلول الأجل المحدد الذي صادف تاريخه وجود القذافي على هرم السلطة بعد استيلائه عليها عام 1-9-1969م، بل إن انجازات مزعومة للقذافي هي في حقيقة الأمر خططا خمسية معدة وجاهزة من عهد إدريس جرى تنفيذها ونسبها إلى عهده وكانت ستنفذ في ذات الوقت، تماما كالذي سرق بحثا علميا ونسبه إلى نفسه!، وسبحان الله مازالت هذه سمة كثير من أتباعه حتى الآن ممن حظوا عبر مكتب الاتصال والمعلومات بفرص الإيفاد الدراسي الخارجي ونيل المؤهلات العالية!، وصدق من قال: أن القذافي وضع فقط صورته على لافتة كبيرة كتب عليها حي الأكواخ سابقا!، في اشارة إلى عمارات حي الأكواخ بطرابلس التي ظل إعلام القذافي يتحدث عنها كثيرا والتي لو بقى عهد إدريس ما بقى فيها مصعد معطل أبدا كما كان الحال بعد إتمامها في العهد الجماهيري!، بل بعض الخطط الخمسية التي هي من العهد الملكي تأخر تنفيذها حتى الآن كالطريق الدائري الثالث وليس الثاني فحسب!، فقبل استيلاء القذافي على السلطة ومعرفتنا به كان التخطيط لتنفيذ الطريق الدائري الثالث في طرابلس وإتمامه سنة 1980م!، ولو بقى عهد إدريس لكان السير في تجهيز المخططات ولكان لزاما كما هو العالم المتحضر أن تكون مساحة الطرق في كل مدينة هو 35% من مجمل مساحتها ولوجد كل مواطن مهما كان فقيراً وبسيطا وبغض النظر عن انتمائه القبلي وولائه السياسي فرصته فيها في كل المدن كاملة غير منقوصة ولا مهضومة فلا حاجة له ولا لغيره للتزاحم في طرابلس!، ولمَا رأينا العشوائيات ولما تجرأ أحد كبر أم صغر أن يعتدي على غابات الدولة وأراضيها الزراعية ليحولها إلى حيازات شخصية ويبيعها بالمتر المربع بأسعار فلكية يعجز عنها الغلابة والبسطاء لهثا وراء الربح السريع الكبير ويكون قدوة سيئة للآخرين في إجرام واستفزاز لمشاعر البسطاء والمغبونين فاق كل وصف، هذا الإجرام الذي بدأه ضباطه وحاشيته ووجهاؤه واقتدى بهم غيرهم ممن نراهم اليوم!، وكان سيتم تطبيق القانون على الجميع بدءا بمن يرون أنفسهم أوجه الناس وأقواهم نفودا وشأنا لا أن يُستقوى بالقانون على الضعفاء والبسطاء والغلابة!

على أية حال، هذا الاسترسال في نقاش لا ينتهي يتشبت به كل قائل حق بقوله وكل صاحب هوى بهواه أجد أن القذافي بمقولته المتكررة تلك قد أراحنا منه كثيرا وقطع الخلاف فيه، ولا أعتقد أن أحدا من أنصاره يدافع عنه وعمَّا قام به أكثر من دفاعه هو عن نفسه وعمَّا قام به، فإذا اتفقنا على هذا المنطق والعدل في الحوار-الذي لا أعتقد وجود معارض له!- لَزِمَ أن نبحث عن مفهوم وتوصيف لثورة الفاتح العظيم من أين جاء به القذافي وتبعه فيه أنصاره؟

 باختصار القذافي وحسب كلامه هو يعتبر الثورة بدأت بخطاب زواره "التاريخي!" عل حد تعبيره والنقاط الخمس التي جاءت فيه، ولشدة تمسك القذافي بما جاء في الخطاب الذي بدأت منه الثورة حسب قوله فإنه سمى اسم مدينة زوارة بهذا الاسم في وسائل إعلامه الرسمية وفي المعاملات الإداربة فترة حكمه، واستهل نقاطه تلك بالإعلان عن تعطيل القوانين ثم الثورة الثقافية ومحاربة الرأسمالية... الخ، ثم أظهر مقولات الكتاب الأخضر وفرضها هي وتفاصيل أخرى، وهي التي استحقت بها حسب رأيه ثورة الفاتح العظيم اسمها وتوصيفها  بهذا الاسم والوصف، ومنها؛ إعلان قيام سلطة الشعب، والتجارة ظاهرة استغلالية، وشركاء لا أجراء، والبيت لساكنه، والسيارة لمن يقودها، والجامعة يخدمها طلابها، تلك المقولات التي دمَّرَ بها البلاد وأدخلها في فوضى عظيمة فحارب الإدارة وحزمها ورموزها وأهان رجالها الكبار حتى تركوا المجال لمن ليس على شاكلتهم فخربت البلد تبعا لخراب الإدارة عصب كل شيء، وحارب التعليم والصحة وأتي فيهما ما ليس معروفا من قبيل ثورة الطلاب وامتلاك الطلبة لجامعاتهم وقيامهم بإدارتها، وتحويل المدارس إلى ثكنات عسكرية والضابط المعلم والجمهرة، والطبيب الثائر الذي يضع أحمد إبراهيم مثلا أعلى له يحتذى والذي كان في أحد بلدان أمريكا اللاتينية يركب دراجة هوائية ويعالج مرضاه في بيوتهم!

وفي التجارة حارب التجار الشرفاء الذين يجلبون أفضل السلع ويرضون بالربح القليل لأنهم في نظره يجمعون أموالا أكثر من حاجتهم التي هي حاجة غيرهم!، فعند القذافي الادخار الزائد عن الحاجة هو حاجة إنسان آخر!، وفي عهده وضع المزارعون زيت الزيتون في خزانات المياه الأرضية (الفساقي) المعدة لحجز الماء لأنهم إن باعوه بالسعر الموجود بسبب دعم الزيت من الخارج خسروا، فقد رفض قائد الانتاج والثورة الزراعية الخضراء أن يدعم انتاجهم بسعر مشجع وجعل هذا الدعم والتشجيع للإنتاج القادم من وراء الحدود!، ليس هذا فحسب بل منعهم من تصديره والويل والتبور وعظائم الأمور لمن يضبط نقل انتاجه من زيت الزيتون لتونس مثلا التي كانت ستقبله بلهفة بالسعر المرضي للفلاحين الليبيين.                   

 حارب رؤوس الأموال الشريفة وانتاجها ومصانعها الناجحة المتميزة بسياسة الدعم ثم بقانون شركاء لا أجراء فأفشل المصانع والانتاج وخربها وحارب بكل قوته وثقله مبدأ تنوع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على مصدر وحيد للدخل، وحارب الانتاج الزراعي كما ذكرتُ بأفعال تناقض الأقوال ورفض دعم المزارع الليبي وانتاجه خاصة زيت الزيتون في مقابل دعم الإنتاج الزراعي من وراء الحدود رغم أن مقولته "لا استقلال لشعب يأكل من وراء حدوده" تجدها في كل مكان في ليبيا!، وفي عهده وعلى مرأى ومسمع منه قُطعت الغابات العامة التي تعود ملكيتها للمِلك العام ودُمِّرت كل الأراضي الزراعية سواءا كانت ملكا عاما أم خاصا في الساحل وحُّوِلت إلى مقسمات بناء عشوائية بدافع الجشع والطمع وهي من أنسب التربة وأسهلها للزراعة والاستصلاح، وفي عهده أُدخلت آفة حفار الساق وضربت كل المنطقة الزراعية الغربية والمسؤول عن ذلك لم يحاسب ويُعاقب بل زيد تقديرا ومهاما!، وحارب القطاع الخاص الذي كان يتولى معالجة مشكل السكن بطريق الإيجار فأخذ بمقولته الخبيثة البيت لساكنه بيوت الناس وأرزاقها وخلق أزمة السكن التي يتراكم بمرور الزمن بعضها على بعض ويصعب علاجها ولم يأتي ببديل أفضل غير القروض الربوية للبعض التي كرهها كثير من الشباب لعظم خطر الربا فتسبب في خلق أزمة أخرى هي عزوف الشباب الليبي عن الزواج وبنى المدن السكنية بمواصفات عالية وقدمها مجانا لمواليد الفاتح من الشباب التونسي والمصري وكله مرتب ومقصود!، وخلق بسبب مقولته الشيطانية "البيت لساكنه" فتنا ومشاكل عظيمة وقف القضاء عاجزا أمامها بعد عشر سنوات من سقوطه ومازال عاجزا عن إيجاد حلول لها!

 ودمر مؤسسات البلد وأدارها عن قصد ونية مبيتة بطريقة ستنهار لو سقط حكمه وهذا ما حذر منه رئيس الوزراء الليبي السابق في العهد الملكي الأستاذ عبد الحميد البكوش رحمه الله الذي على ما فعله معه تمنى وقبل عشر سنوات من ثورة فبراير عدم سقوطه لا حبا فيه ولكن خشية على الوطن لأن مؤسساته دُمرت وستدخل البلد في فوضى عارمة حسب صفه إن سقط وهذا ما حصل ونراه اليوم بكل وضوح!

 نعم إن هذا وغيره كثير يطول ذكره هو مقتضى  اسم ووصف ثورة الفاتح العظيم الذي يجب توضيحه في كل وقت وحين للمخدوعين والخادعين، فهل كل أنصاره يدركون الآن المفهوم والوصف الحقيقي الصحيح لمعنى ثورة الفاتح العظيم فيرفضونه ويراجعون أنفسهم أم يعاندون وعن الحق يجنحون وفي طريق اباطل يستمرون؟؟؟، نحن نريدهم هم والواقفين على حياد أن يفهموا ويعرفوا ذلك بكل وضوح لننطلق وإياهم إلى مخرج صحيح وسليم !

شرف الدين الزيتوني
الثلاثاء 23 محرم 1443هجري

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع