مقالات

نورالدين خليفة النمر

يدُ الديمقراطية

أرشيف الكاتب
2021/09/02 على الساعة 14:35

 سعيدٌ بأن أكتب عن تأليف جمعة بوكليب الأول، كاتب المقال الصحفي السياسي. وشغوفٌ لمعرفة أصداء تجاوب القارئ العربي معه، الذي انكفأت به سفينة الصحافة العربية عن الخوض في بحار أخرى، وأن يكون هذا الكتاب شراعه ليقلع به في مغامرة ثقافية مختلفة.

وعنيت في مقالي بحصر الإستعارة في عنوان كتابه في الديمقراطية التي تشغل التاريخ، وبالتركيز على مضمون الكتابة الصحافية. فلم أتطرّق لشكلها الأسلوبي، وخطابيات إبلاغ أفكارها. لم أكتب في التناصات مع طرائق وأساليب الكتابة الصحافية الإنجليزية، التي جاءت إلينا عبر المستلهمات العربية لكتابات الاشتراكيين الفابيين بداية القرن العشرين، وأبرزهم الكاتب جورج برنارد شو، الذي كتب، وكأنه يعني الديمقراطية التي اختارت البريكسيت، بأن:"الديمقراطية تستبدل التعيين بيّد القلة الفاسدة، بالانتخاب بيّد الكثرة العاجزة" فبرنارد شو الديمقراطي الأشتراكي والداعية لديمقراطية سليمة ينبه إلى أن أساس الديمقراطية هو الناخب، وإن عجز هذا الناخب هو عيب الديمقراطية ونقطة ضعفها. أن عدم توفير وسائل العيش والمعرفة للناخب يجعل يدّه مغلولة، وإرادته مكبلة وربما يدفعه للتصويت ضد مصالحه، حيث الناخب الفقير تُشترى إرادته بالمال، والجاهل يتُم تضليله.

مشروع ابوكليب ترافق مع هجرته لبريطانيا، بعد الإفراج عنه من السجن ديسمبر 1978 ـ مارس 1988. وكان الانخراط للحصول على شهادة جامعية بريطانية في العلوم السياسية محفّزاً لإذكاء شغفه، الذي أعاقته الديكتاتورية، بما أسمته بـ "الثورة الثقافية" عام 1973، حيث لم تعدّ في عام 1979 تصدر حتى الصحف الحكومية، التي يكتب فيها صحفيون مقالات تبعدُ بنفسها عن تناول الشأن العام، بل أضحت الصحافة المترافقة مع صدور الجزء الاقتصادي من الكتاب الأخضر، مؤدلجة بخطاب عُنفي يصدرها تنظيم اللجان الثورية الموالي مباشرة لرأس النظام، والبقيّة صحافة مهنية، مقتصرة على شؤون واهتمامات الفلاح والموظف والمنتج والمعلّم، والشرطي.

كانت نقطة انطلاق البداية من لندن، بالنهل من العروض السياسية، التي كانت تقدّمها وسائل الإعلام البريطانية، مؤطرة بتقاليد وأعراف ديمقراطية عريقة، لم يتعودها، أثارت فضوله المعرفي، وشدّت انتباهه إليها، حتى أحسّ نفسه وكأنه رُبط إليها بسلاسل. فمُذ يفتح عينيه صباحاً إلى أن يتوسد تعب نهاره ليلاً، وهو يدور في مدارها، مستمعاً وقارئاً ومشاهداً، متنقّلاً بين ما كان يقدّم من برامج إذاعية في "راديو فور"، إلى قراءة ما تنشره الصحف باختلافها من أخبار وتعليقات وافتتاحيات، وما يقدّم في نشرات المساء من مقابلات ولقاءات على القنوات التلفزية المتنوّعة.

هذا الشغف الكُلي، تناقص بمرور السنوات، فاكتفى بعد تقاعده من وظيفته الآخيرة ملحقاً إعلاميا في سفارة ليبيا في لندن، بالحرص على اقتناء وقراءة الصحف يومياً، ومتابعة ما يكتبه وينشره كتّابه المفضلون من تعليقات. فالكاتب جمعة بوكليب الذي أخذت بيده الصحافة البريطانية، يأخذك بيدها إليه، قبل الولوج معه في مقالته، حيث يكون الشاهد المقايس للغائب في حدثها المخبر عنه، فباب الرأي في الصحيفة مطبخ ساخن. وكتاباته، كما عنوان مقالته، تنضج وجبةً في يدِ الغيب.

مقالة ابوكليب في صحيفة الشرق الأوسط اللندنية تغاير مقالات أقرانه، فهو يقايس الحاضر عندهم "الغرب" على الغائب عندنا نحن في شرق اللامكان. وأن مرجعيتها قراءة شخصية دؤوبة، لسنوات طويلة، في المقالة الصحفية الإنجليزية، التي يشعل أفران مطبخها، منذ أكثر من عامين، عود كبريت "البريكست،" الانشغال السياسي الذي غطت مقالاته تداعيات التصويت عليه في 23 يونيو 2016، ليكون عنوان شغفه معبراً عنه في مقالة "التوهّج والخفوت" عكس فيها مسألة شخصية مررنا بها، وأعنى من أتموا تحصيلهم المدرسي في العاصمة طرابلس التي ترسخت فيها تقاليد الصحافة الليبية حكومية ومستقلة، فجيلنا الذي كان حضّر نفسه جيّداً بالتأهيل الجامعي، والتثقيف الذاتي، ليدلي بآرائه في مسائل الشأن العام، وأبرزها قضايا السياسة، صُدمَ عندما أغلقت الديكتاتورية العسكرية أمامه أفق المجتمع من كل دروبه.

جمعة بوكليب أُلقيَ به مع كتّاب جيلنا 10 سنوات في السجن، حيث كان تسريب راديو لسماع الأخبار جريمة يُعاقب عليها. أنا كنتُ خارج السجن، وفي قلب العملية الإعلامية، مجبراً لأتقاضى مرتبي أن أكون مديراً لمتابعة صحف العالم الخارجي، وكتابة تقارير عن محتوياتها في القضايا التي يهتم بها رأس النظام، وهي كثيرة متشعبة كتوهّماته، وارتياباته، ومتنفّسات قلقه، وبدائيات حلوله لمشاكل العالم التي حرص على وصفها بالجذرية. ولكنّها كانت أخباراً ومقالات وتحليلات عن سياسات تصنعها الدول المؤثرة في العالم. ولكن هذه الدول، ومنها بريطانيا التي يعيش فيها كاتبنا بوكليب، لم تعدْ، في الأعوام الأخيرة، تصنع سياسات انخراط في العالم، بل سياسة واحدة عقيمة اسمها "البركسيت"، أي الخروج.

لقد حاولتُ أن أنأى بنفسي، ولا أشغلها بمايكتبه الصحفي العربي في قضية "البريكست" البريطاني، حتى في الصحف العربية، التي تصدر من لندن. ولكنّي لم أستطع مغالبة متعة التشويق المفيد في مقالة الكاتب جمعة بوكليب، وهي تتنقل بنا في المتاهة اللندنية عبر دروب السياسة فيها. فمقالته أساسها متعة قراءة صباحية في الصحف مع القهوة والسيجارة، وشعورٌ بأنه مازال متواصلاً مع العالم الذي يعيش فيه، حتى بعد تقاعده. إلا أنّه لم يتقاعد من هواية القراءة، ليستمتع ويكتب ليشارك القرّاء متعة قراءته.

يدُ مقالة بوكليب تأخذ بأيدينا لمعرفة السرّ الكامن وراء قوة الصحافة، التي توّجه الرأي العام البريطاني، في قضية مصيره: "البريكست" أي الخروج، كمصير سببه في الأساس مقال كتبه صحفي شاب، هو رئيس الحكومة الحالي بوريس جونسون، الذي أسهمت مقالاته في صحيفة "ديلي تلغراف" التي انتقل إليها أواخر عام 1987، بعد إستبعاده من صحيفة "التايمز"، بتعزيز قناعة لدى اليمين بأن بريطانيا ستصبح أفضل من دون الاتحاد الأوروبي، بعدما كانت هذه القناعة مرتبطة أساسا باليسار. فتصير القضية التي صنعها الساسة والأحزاب والبرلمان على قاعدة الجمهور الانتخابي مع وضد عبر الاستفتاء. لتتدخل الصحافة فتعيد صناعتها من جديد، لتكون محور نقاش مجتمعي يتخذ صبغة ثقافية. وهو النقاش الذي تسبر أغواره، مقالة صحفية رصينة تغوص في الطبيعة الذهنية الإنجليزية وبِنية وعيها السياسي، في حقبة ما بعد الاستعمار، من الحرب الباردة بين القطبين المنتصرين إلى حقبة أحادية القطب الدولي، ومابعدها في تبلور ملامح قطبية جديدة مؤهلة لتملأ فراغا حجزه الغرب بجدارة قيادة أمريكية.

بحكم مهنتي، كأستاذ في علم الفلسفة، أتساءل: هل في مقالة الكاتب جمعة بوكليب فلسفة؟ والجواب نعم، إن اعتبرنا الفلسفة بالتعبير الأرسطي: الجواب المؤسس على سؤال الدهشة: كيف يتجاوز السياسي امتحان التاريخ بنجاح؟ فجميع رؤساء الحكومات البريطانية، كما يكتب بوكليب، وعلى اختلافهم وتمايز شخصياتهم، ليسوا في حاجة إلى التصريح، أو التلميح بما يدور في دواخلهم من قلق وتوتر، وهم يتخطون بأقدامهم عتبة مقرّ رئاسة الحكومة في 10 داوننغ ستريت، ليشغلوا، لأول مرّة، المكتب الرئاسي. ومع ذلك، فإن فرحة تلك اللحظات التاريخية لا تنسيهم، في ذات الوقت، التفكير في اليوم الذي سيحزمون فيه حقائبهم، ويغادرون المسرح نهائياً، وماذا سيتركون وراءهم من إرث وتاريخ تحاول تقييمه مقالة الكاتب جمعة بوكليب، وهي مقالة منخرطة بحكم المعيش والمعاش بالبرّ الإنجليزي، ولكنّها تتعداه إلى مراعٍ مجاورة عشبها مختلف، وأعني مقالته الإيرلندية.

هنا نجد مصير خروج أبدي من التباس تاريخ، يكون "للبريكست" فيه لون هويّة مغايرة. ونقرأ عن ذهنية سياسة أخرى، يصير فيها للتاريخ يدٌ مجازية، تساعد على ارتقاء درجات سلم، نحو أبواب تؤدي إلى دهاليز مرحلة اكتفيتُ بملامسة ملامحها، أما أغوارها العميقة سنسبرها بالقادم من مقالات جمعة بوكليب كاتبها.

نورالدين خليفة النمر

كلمات مفاتيح : جمعة بوكليب،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع