مقالات

جمال صالح الهنيد

قراءة لحدث نبوي

أرشيف الكاتب
2021/09/01 على الساعة 10:40

هو حدث كلنا نعرفه في الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم.. حدث إذا رأيت الجزء الأول منه ظننت أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- يتوكل على الله سبحانه تعالى كل التوكل ولا يلتفت للأخذ بالأسباب على الاطلاق. وإذا رأيت الجزء الثاني منه ظننتَ أن الرسول يأخذ بالأسباب ولا يلتفت -والعياذ بالله- إلى الاستعانة بالله والتوكل عليه على الرطلاق.

الجزء الأول... 

بيته محاط بأحد عشرة رجل انتخبوا من كل قبائل قريش وسيوفهم في أيديهم ينتظرون خروجه ليشربوه ضربة رجلٍ واحد فيتفرق دمه بين القبائل فلا يستطيع بنو هاشم الثأر له من القبائل كلها فيرضون بالدية وينتهي أمره وتستريح العرب منه.

لم يكن أمام الرسول منفذاً من بيته للهجرة إلاّ باب البيت فيتوكل على الله ويخرج وهو يتلو آيات سورة ياسين {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} فتُعمى أبصار الكافرين فلا يرونه على الإطلاق. وإمعاناً في إهانتهم يضع على رأس كل رجلٍ منهم حفنة من تراب.

الجزء الثاني من الحدث...

إذا تحققت له هذا المعجزة فعُميت أبصار المتربصون به.. أليس له أن يستمر في توكله على الله وينطلق صوب المدينة في اتجاه الشمال معتمداً على الله تعالى الذي أيّده ونصره وأنقذه قبل دقائق من براثن المشركين بمعجزة ظاهرة بينة واضحة. 

لكنه لم يفعل ذلك!!!

كان قد اشترى ناقتين قبل الهجرتين بشهرين، وأختار عبدالله بن أريقط -أفضل خريتاً في الطرق والمسالك- فاستأمنه واستأجره، واتفق معه على الالتقاء بعد أيام في مكان محدد ومعه الناقتين، وخرج الرسول عليه الصلاة والسلام من بيته مقنّعًا إلى بيت أبي بكر الصديق -رضى الله عنه- وأخبره تلك اللحظة بالهجرة، ثم انطلقا معًا إلى غار ثور جنوب مكة واختفيا فيه عن أعين قريش ثلاثة أيام، وكان عبدالله بن أبي بكر يتجسس على قريش فيستمع لخططهم في دار الندوة ثم يجيء ويبات مع الرسول وأبيه في الغار، ويخبرهما بما سمع من قريش، وكان عامر بن فهيرة -راعي أبي بكر الصديق- يغطي أثر أقدام عبدالله بن أبي بكر بأثر الغنم السارحة، أما أسماء بنت أبي بكر فكانت تجهّز لهما جهاز السفر من طعام وتخبئه في نطاقها. 

والتقى بهما عبدالله بن أريقط بعد ثلاثة أيام وبدل من أن ينطلق بهم (معهم الراعي عامر بن فهيرة) نحو الشمال في اتجاه المدينة، انطلق نحو الجنوب في اتجاه اليمن ثم اتجه غرباً وأمعن في المسير حتى وصل إلى البحر الأحمر، وعندما أصبحت المدينة فوقه اتجه للشمال. كل هذا السفر في طرق غير معتادة لا يسلكها المسافرون، وكانوا يسافرون في الليل وفي أوقات من النهار لا يسافر الناس فيها من شدة القيض، وأخذت رحلة الهجرة عشرة أيام بدلاً من الخمسة أيام المعتادة في رحلة السفر من مكة للمدينة.

لماذا أخذ النبي عليه الصلاة والسلام كل هذه الاحتياطات ونفذ هذا التخطيط البديع؟ ألم يُعمي الله أبصار المشركين، فلم يروه عندما خرج من بيته؟. 

ما هو الدرس الذي يريدنا النبي أن نتعلمه؟ 

الدرس ببساطة؛ يريدنا الرسول أن نأخذ بكافة الوسائل والأسباب من الألف للياء ولا نترك شيئاً للصدفة فلا نتهاون ولا نتقاعس ثم نتوكل على الله. وهذا هو المعنى الصحيح للآية {وأعدّوا لهم ما استطعتم}.. فعند خروجه من بيته لم يكن في استطاعته شيئًا فخرج متوكلاً على الله، وبعد خروجه كان في استطاعته وتحت يديه وسائل وأدوات كثيرة، فأخذ بها كلها من غير تقصير ولا تهاون ولا تواكل.

جمال صالح الهنيد

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع