مقالات

محمد العنيزي

ماركوس الحزين.. وكرسي الإمبراطور

أرشيف الكاتب
2021/08/28 على الساعة 09:50

"لقد توجعت..

لأن فؤادي ليس جامدا كالخشب..

إنه يحس الألم

بل يحسه بشدة..

من لم يعرف طعم الحزن

ليس بإنسان..

كيف يكون إنسانا؟

من لم يبك قط…

من لم يذرف دمعة

على العالم القاسي…"

الشاعر/ أنطون بوتجيج

(تلتقي الفلسفة الأخلاقية بالحكم.. فيجلس الفيلسوف الرواقي على كرسي الأمبراطور.. ويجد نفسه حاكما لأكبر إمبراطورية كانت تسيطر على العالم آنذاك.. تدين له الجيوش بالولاء.. ويتسابق القادة على كسب رضاه.. وتجمع الضرائب من مختلف أنحاء الإمبراطورية لتصب عنده.. وهو الحاكم الأعلى المطلق في جميع أنحاء الإمبراطورية والمسيطر على كافة مجريات الأمور فيها)…

اسمه ماركوس أوريليوس انتونيوس من مواليد روما عام121م .. تولى الحكم عام161م وظل يحكم إلى أن أصابه داء الطاعون ومات عام 180. وكانت آخر كلماته قبل أن يموت: (لاتبكوني بل فكروا في الوباء وفي موت العديد من البشر)…

نال ماركوس حظا وافرا من التعليم على يد عدد من أفضل المدرسين الذين تلقى عنهم مباديء الفلسفة الرواقية والبلاغة والآداب والحقوق.. ولعل السبب في تخليد اسمه بين الأباطرة والحكام العظام في تاريخ البشرية على مر العصور هو أنه كان فيلسوفا رواقيا وضع مؤلفا ضخما باللغة اليونانية من 12 كتابا عرف باسم التأملات. وكان قد تأثربالفلسفة الرواقية التي نشأت في أثينا ولكنها وجدت لها صدى واسعا في نفوس المثقفين والكتاب والمسرحيين الرومان.

وقد شاءت الأقدار أن يجلس هذا الأمبراطور الفيلسوف - والذي كان يبحث عن إرساء قيم الفضيلة في الحياة العملية - فوق كرسي عرش روما الذي جلس عليه أباطرة طغاة مثل نيرون ومن قبله كاليجولا وفي التاريخ أمثلة كثيرة على حكام وأباطرة أخذتهم العزة بالإثم.. وغرقوا في متعة الشعوربالتسلط على الشعوب وقمعها وإبادتها..وأصابتهم صدمة الجلوس على الكرسي بجنون العظمة…

ولكن ماركوس أوريليوس كان واحدا من الأباطرة الذين ازدهرت في عهدهم الأمبراطورية الرومانية إذ يعتبر عهده انتصارا للمذهب الرواقي حيث انعكس أثر الاتجاه الإنساني في التشريعات الرومانية وتم تهذيب العقوبات البدنية وتنظيم علاقات الإبن والزوجة مع الأب وتنظيم العلاقة مع العبيد وحق الإرث المتبادل  بين الأم وابنها.

وكان متسامحا حتى مع أعدائه الذين في اعتقاده يمكن أن يتحولوا إلى أصدقاء دون الحاجة للجوء إلى العنف معهم وقد انزعج من مرأى رأس عدوه حاكم سوريا اوفيديوس كاسيوس مقطوعا بعد أن اغتاله اثنان من ضباطه نتيجة إعلانه الثورة على الإمبراطورية.. ورفض مقابلة الضابطان واستنكر هذه الفعلة.

ورغم أن ماركوس كان بداخله يقدس الألوهية ويبجل الآلهة ويخضع لإرادتها ويعتقد بأن رعايتها تشمل البشر في شؤون حياتهم اليومية إلا أن عهده شهد اضطهادا كبيرا للمسيحيين الذين اتهموا بإثارة القلاقل عن طريق إذاعة النبؤات المزعجة.. وبعدم الولاء للدولة والإمتناع عن قسم يمين الولاء للإمبراطور.. ورفض الخدمة في الجيش.

توالت المحن على الإمبراطور.. فقد تفشى الوباء القاتل في أنحاء الإمبراطورية ليحصد أرواح الكثير من البشر.. وأتلفت الفيضانات كميات ضخمة من الحبوب.. فأصابه الحزن من أجل مواطني امبراطوريته وأحس بعمق المأساة التي تعرض لها الناس فراح يبيع المجوهرات الملكية من ممتلكاته ليخفف من محنة رعاياه…

وكان عهده حافلا بالحروب التي قاد حملاتها العسكرية في الشرق والشمال من أجزاء امبراطوريته لردع المتمردين وقد ماتت زوجته فاوستينا أثناء حملته في الشرق فغرق قلبه في الحزن.. وظل الحزن يرافقه طيلة سنوات الحرب التي أنهكت جنوده وأبادتهم رغم أنه كان في موقع المدافع عن امبراطوريته…

تأملات الإمبراطور الرواقي:

كتب ماركوس أوريليوس مؤلفا من 12 كتابا عنوانه (تأملات) باللغة اليونانية التي كانت تعتبر لغة الثقافة آنذاك.. متأثرا بالفلسفة الرواقية التي تدعو لاستعمال العقل من أجل الوصول إلى السعادة الحقيقية وتبحث في السلوك الأخلاقي للإنسان.. وهي مجموعة من الخواطر والومضات الخالية من المصطلحات التي تثقل على القاريء أو تتعبه في البحث والتنقيب عن معانيها والبعيدة كل البعد عن الغموض والإبهام ولذلك فهي تصل إلى قلوب الجميع بسلاسة ويسر مع عمق دلالاتها ومعانيها ومضمونها الإنساني والأخلاقي.

فعن التسامح والشعور بالعلاقة الإنسانية التي تربط البشر ببعضهم نجده يقول: (ابدأ صباحك بأن تقول لنفسك.. سألتقي اليوم بالفضولي  وناكر الجميل والمخادع والحسود والأناني وهذه صفاتهم لأنهم لايميزون بين الخير والشر.. أما عن نفسي فقد عرفت أن الخير جميل وأن الشر قبيح.. كما تفهمت طبيعة الشخص الذي يسيء التصرف.. ولن يملك أي إنسان أن يؤذيني.. لأنه لايستطيع أن يورطني في ما هو مشين. وفي الوقت نفسه لن أغضب من هذا الشخص أو أكرهه.. فبيننا قرابة البشرية وفينا نفس النفحة الإلهية).

وفي نظرته إلى السمو فوق الملذات والرضا بالمكتوب ورحلة الحياة الفانية التي تنتهي كالحلم والانتقال إلى عالم الموت يقول: (في حياة الإنسان الزمن لحظة.. ووجوده في تغير مستمر.. وإحساساته باهتة.. وجسمه ما هو إلا فريسة للفساد.. النفس دوامة.. والغيب عصي على التنبؤ.. والشهرة أمر مشكوك فيه أوباختصار: كل ما ينتمي للجسم فهو كالحلم أو الطيف.. الحياة معركة.. وإقامة مؤقتة لغريب مسافر.. فبعد الشهرة يأتي النسيان.. فما الذي يستطيع أن يوجه الإنسان؟ شيء واحد فقط.. الفلسفة.. فأن يكون المرء فيلسوفا يعني أن يحتفظ بالروح الإلهية في داخله متحررة من العنف.. بعيدة عن الأذى.. بحيث تسمو فوق الملذات أو الالآم.. وهو لايفعل شيئا بدون غاية.. أو يتصرف بزيف أو نفاق.. كما أنه لايعتمد على ما يفعله أي فرد آخر أو لايفعله.. وهو كذلك يتقبل كل ما يحدث له ويرضى بكل ما يقسم له.. على أنه يأتي من نفس المصدر الإلهي الذي أتى هو نفسه منه.. وأخيرا أ، ينتظر الموت بنفس راضية على أنه ليس سوى انحلال للعناصر التي يتركب منها كل حي.. ولأنه يتوافق مع الطبيعة.. وما يتوافق مع الطبيعة ليس شرا).

ويرى ماركوس أن مرتكب الشر إنما يسيء إلى نفسه: (إن من يرتكب خطيئة يرتكبها في حق نفسه.. ومن يجرم يجرم في حق نفسه لأنه يجعل نفسه أسوأ مما كان بفعل يديه).

كما يقول عن السعادة: (كل إنسان يجد سعادته على طريقته الخاصة.. أما أنا فأجد السعادة في احتفاظي بعقلي سليما.. بدون أن أنفر من البشر وتقلبات الأمور عليهم.. وفي قدرتي على ملاحظة كل الأمور وتقبلها بعين الرضا وأن نتعامل مع كل شيء وفق ما يستحقه).

وعن الشرف والفضيلة يقول ماركوس: (مهما كان رأي الآخرين في أو في معاملتهم لي فسأتمسك بالشرف والفضيلة تماما.. كما لو أن الذهب أو الحجر الكريم يقول لنفسه: مهما كان رأي الآخرين في أو معاملتهم سأظل  معدنا نفيسا أو حجرا كريما).

محمد العنيزي

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع