مقالات

د. هاني شنيب

ملاحظات شخصية عن ثورة ٢٣ يوليو و انحراف الذهن العربي

أرشيف الكاتب
2016/07/24 على الساعة 15:23

بطبيعتي كجراح قلب اهتم ان تكون دائرة عملي مفهومة ومنضبطة ومنظمة كي تتصاعد احتمالات نجاح أي عملية جراحية وتنخفض احتمالات الفشل. وجزء أساسي من عملية الترتيب هو مراجعة تفاصيل ونتائج العمليات السابقة وخبرة الطاقم الجراحي والأجهزة المتوفرة. وممارسة  الطب، مثل كل التخصصات المهنية، تتطلب تحديث المعلومات بالتعلم المستمر. اما النطاسي الذي يصر على استعمال واسترجاع معلومات عتيقة صارت بطبيعتها غير مقبولة ف يجني على مرضاه وعلى نفسه قبل كل شيء.
ولفت نظري بالامس مقالات لا زالت تحتفي برومانسية بذكرى ما تسمى ثورة ٢٣ يوليو. فكان سؤالي هو هل تعلم العرب من تاريخهم وأخطائهم كي يتفادوا إعادتها؟ وهل لا زال الذهن العربي عاجزا عن ادراك معادلة بسيطة الا وهي أن الانقلابات العسكرية لا تحقق طموحات و  أحلام الشعوب على المدى الطويل؟
فماذا عن التجربة المصرية؟
بدأت يقظتي السياسية الحقيقية في القاهرة عام ١٩٦٩ بالرغم من ترعرعي كطفل في حضن عائلة سياسية سطرت تفاصيل تأسيس الدولة الليبية ابان الخمسينات وأوائل الستينات. وكانت احدى أولى الأسئلة التي حاولت الاجابة عليها بعد شهر من قدومي الى القاهرة هي لماذا سارت مئات الآلاف من المصريين يتباكون في جنازة الرئيس جمال عبد الناصر في مدينتهم المعدومة المقهورة  والتي تنام نسبة غير صغيرة فيها بين اضرحة الأموات والتي طليت نوافذها بطلاء ازرق حزين  تفاديا لموجات الطيران الاسرائيلي التي كانت تخترق حواجز صوت القاهرة قلعة العروبة  لمجرد الامتهان والتذكير بأنه لم يعد للعرب معزة وكرامة تحت نظام أوتوقراطي فرضه جمال عبد الناصر وأساء من خلاله لمجتمعات مصرية وعربية  أخرى إغترت بخطاباته وشعاراته الباهرة وسارت خلفه اعتقادا منها بان هذا الضابط هومن سينجدها ويخرجها من بوادر فساد ملكهم اللعوب وسيطرة الاستعمار الجديد عليه.
ما استوعبته آن ذاك وملخصا انه مرة أخرى ومنذ عام ١٩١٦ خرجت حركة عسكرية عربية تدعى ثورة ٢٣ يوليو تدعوا للتصحيح ولكنها لم تصحح ولم تنتج التقدم المطلوب بل كان من اهم سلبياتها انها شلت وأبعدت مجددا القوى الوطنية العلمية التصحيحية والتي كانت تتهياء لاستلام السلطة والتصحيح سلميا وبتدرج تاريخي منطقي دون خلق الفوضى  الاجتماعية الخطيرة التي تصاحب الانقلابات العسكرية.
درست في كلية طب القصر العيني في أواخر الستينات والتي كانت تعتبر قبل الثورة المصرية من أشهر كليات الطب في العالم حيث كانت تضاهي كليات طب برلين وباريس ولندن في اكتشافاتها العلمية وخدماتها الطبية وحيث كان طاقم أساتذتها يشمل علماء أوروبيين مثل البروفيسور بلهارس وغيره، كنت حين أسير ممرات المستشفى القديم ومبانيه المتأملة وأسرته المكسورة دائما أتسأل كيف للعسكر ان ينجحوا في تحويل هذا الصرح الطبي الى اطلال مخجلة في ظرف عشر سنوات؟
مما لاشك فيه ان الشارع المصري ان ذاك كان حقل تجارب يزخر بالافكار والمفاهيم السياسية المثالية عن الاشتراكية ورفض الإقطاع والملكية العامة  والتي نادى بها الضابط الطموح جمال عبد الناصر والذي سرعان ما بدأ حملة بالنوعية الستالينيه تخّلص بها من منافسيه كما حدث فيما بعد في ليبيا والانقلابات العربية الاخرى.
وكيف لشباب مصر البسيط الا يتعاطف مع مباديء مثالية مثل الاشتراكية ورفض الإقطاعية ووعود ببناء مؤسسات دولة جديدة ترفض فساد الملكية في مصر وتنادي بما سمي بالعدالة الاجتماعية والمساواة. أما ما حدث بعد ذلك فهومعروف للجميع وواضح في ملامح بنيان القاهرة المهلهلة وعجز غالبية مؤسساتها وفشل اقتصادها حتى اليوم.
فهل لنا ٤٧ سنة بعد انتهاء مرحلة انقلاب جمال عبد الناصر العسكري و٤٧ سنة منذ بداية انقلاب القذافي ومجموعته العسكرية ايضا ان نُقًّيم منجزاتهم وتأثيرهم على شعوب ودول منطقتهم بالعلمية التي نحتاجها للخروج من محنتنا الحالية؟ وهل من الصواب علينا ان نبداء عملية جراحية أخرى  على مجتمعاتنا التي عانت عانت ما فيه الكفاية دون تسجيل ومراجعة عوامل الفشل ومبرراتها التي نوه الى بعضها فريدريك نيتشه حين كتب عن غياب الأخلاق في الاستيلاء العسكري على السلطة ودوافع صراع النفوذ؟
ما رأيته في شبابي هو استبدال الإقطاع ببشوات من طراز جديد ببدل عسكرية وشعارات وكوادر هي ابعد بكثير في قدرتها على خلق تحولات اجتماعية ايجابية بالرغم من مظهرها الوطني.
جمال عبد الناصر في ذهني هو شخصية وطنية مخلصة لأفكارها مظهريا ولكنها فشلت في مضمونها ومسارها لعدة أسباب كانت احداها بلا شك هوتحديه ومواجهته للأطماع النيوكولونيالية في المنطقة ولكن اهم أسباب فشله هو إصراره على فرض تحول راديكالي في هياكل مؤسسات مصر الاقتصادية والفكرية والاجتماعية دون التحضير لذلك. فمثلا كان تحولها من الإقطاع الى المنظور الاشتراكي بتصعيد قيادات نرجسية غير مهيئة متعطشة للسلطة دون تجهيز لتحل محل تقنيين وحرفيين واقتصاديين من الطبقات الوسطى سببا أساسيا لانهيار القطاع الصناعي والزراعي في مصر ثم تدهور اقتصادها.
في أوآخر الستينات وحتى منتصف السبعينات وبعد النكسة عشنا شبابنا نتسأل أين أخطأنا في فهمنا لأحداث مصر والعالم العربي وهزيمة ١٩٦٧. فتأكدت لي ظواهر ثلاث تتحكم في تفاعلنا مع الواقع العربي: أولها انغماسنا الرومانسي لعشق شخصية القائد العربي وتحديه للعالم الذي لا شك انه يستغل سذاجة الشعوب المتخلفة الضعيفة. وثانيها هوتهورنا في السير خلف الحراك العسكري الذي بطبيعته يتحرك لخلق تحول مفاجيء وعنيف لما يراه مختلف عنه ووجب تغيره فورا بدل من تقبل المفهوم السلمي للتدرج السياسي واستلام السلطة. وثالثها هوالتشبث الفكري والثقافي والاجتماعي بالمفاهيم والمعتقدات والممارسات البالية الموروثة لمن يدّعون انهم الطليعة الفكرية في مجتمعاتنا ورفضهم للتمازج مع اصحاب النظريات والخبرات المستحدثة مما يضعف احتمالات نجاح عملية التدرج السلمي لاستلام المسؤولية ويشرع فكرة الاستيلاء الانقلابي على السلطة.
ثورة ٢٣ يوليه بالنسبة لي هي انقلاب فاشل لمجموعة لا أشك في نازعها الوطني. مثلها مثل انقلاب الأسد وصدام والقذافي. ولكنها كالثورة العربية التي قادها الشريف حسين نجحت في شيء أساسي؛ الا وهوسحب فرصة لرواد مجتمعاتنا العربية الحقيقين لخلق تحول تدريجي حقيقي كان بامكانه ان يجعل جنوب وشرق المتوسط دول متحضرة منافسة لدول شمال المتوسط.
كشاب عشت الستينات والسبعينات في القاهرة وأتاني الله الفرصة لمعايشة ومقارنة شخصيات سياسية متعددة ومختلفة الأفكار والمذاهب. واتيحت لي القدرة على قرأة فشل منجزات ما يدعى ثورة ٢٣ يوليوعن قرب بما في ذلك فشل برامجها الاقتصادية والسياسية وتمدد سياسات القمع الأوتوقراطية العسكرية بما في ذلك توسع سجون الواحات الداخلة التي لا تختلف عن سجن ابوسليم في طرابلس والتي اختفى فيها مئات المعارضين لسياسة جمال عبد الناصر، ومن هذه التجربة يمكنني القول انني تعلمت انه من الصعب خلق حلول وبرامج وطنية استراتيجية على أيادي العسكر وبالانقلابات العسكرية وانه يستحيل أن تفرض حلول لشعوب لم تهيأ ذهنيا وحضاريا لما يطرح عليها. وان الدول تتقدم بتدرج طبيعي يبنى على قواعد دستورية واستعداد وتهيئة  شعوبها لذلك  التقدم وبالاستلام السلمي وليس بتغيرات انقلابية جذرية عنيفة. وما لم ندرك هذا... فستتكرر علينا نكبات يوليووسبتمبر وفبراير وسيكون ما هوقادم افظع!
هانيء شنيب
فينيكس، الولايات المتحدة الامريكية، ٢٣ يوليو ٢٠١٦

د. أمين بشير المرغني | 26/07/2016 على الساعة 10:08
الالمام وانتظام التفكير ضروري للتحليل وابداء الرأي في حل المشاكل
الدكتور شنيب غنيٌ عن التعريف ومعروف لدى النخب الوطنية بالجدية والالتزام. ومن الطبيعي أن يختلف معه آخرين فيما وصل اليه فالحقيقة أن الشعوب العربية مدركة للحاجة للتغيير نتيجة لما تشاهده من تراجعات وهزائم ، ومصيبتهم فيمن يدعون قدرتهم على القيادة خاصة العسكر الذين لا يملكون سوى الخطط العسكرية ومسار الامم يحتاج لكثير غير ذلك أو فئات بعقائد غيرها تحاكي دور العسكر. فالجيش وحملة السلاح مكانهم المعسكرات ولا دور لهم في الاصلاح وانتظام مسار الدولة والمجتمع . والاصلاح أمر مدني على يد عارفين. وفي هذا المقام لا شك أن الترتيب الذهني والنظرة الشاملة من صفات الطبيب والمهندس بسبب الحاجة المهنية للتوصل لمعرفة المشكلة بدقة ومسئولية ووصف حلها الذي يتطلب بحث أصل الاسباب والعناصر للوصول الى معرفة لمشكلة واستشراف نتائج علاجاتها. وفي التاريخ عدد كبير من الاطباء خاضوا السياسة وابدعوا في أدائها منهم الدكتور البشتي وزير خارجية ليبيا أيام المملكة والدكتور محمد مهاتير رئيس وزراء ماليزيا الذي غير اقتصاد ماليزيا ومعالمها ومكانتها في وقت وجيز. والامثلة كثيرة. فتحية للدكتور هاني والشكر له .
مشارك | 26/07/2016 على الساعة 02:40
تعليق
1. الصيغة المدرج بها التعليقات هي الاسم و تحته العنوان و بالتالي يكون "تعليق" عنوان و الاسم "مشارك" في تعليقي. 2. "اي وظيفة تمارس في تعليقك" هذا الجملة لا معنى لها. 3. انا فقط اردت التنبيه الى ظاهرة موجودة و حقيقية و هي النظرة الشعبية للاطباء و هي تكاد تصل درجة الخرافة و العجائبية و اردت فتح هذا الموضوع و لكن ربما خانني التعبير، و لذلك اعتذر. شكرا مرة اخرى للاستاذ المحترم دكتور شنيب
هاني شنيب | 26/07/2016 على الساعة 02:01
مللنا التصنيف!
السيد علي الجروشي: ان كنت تصر على تصنيفي فأفضل أن أكون من ضمن الغالبية الليبية التي كلّت مشاهد الجهل و الفقر والاقتتال والدمار ثم اصرار الاطراف المتعادية على تصنيفهم كاتباع لهم او لغيرهم ! السيد "تعليق": اشفق عليك و أرجوا ان تكون قد تحسنت نفسيا بافراغك غضبك الداخلي وامتهانك ذكاء الأطباء و قصورهم عن الكتابة عن الحياة والسياسة! يا ترى اي وظيفةً تُمارس في تعليقك الخارق للذكاء؟
مشارك | 26/07/2016 على الساعة 00:42
تعليق
اود شكر الدكتور على مقاله الذي سيساعد الناس على فهم ان الطبيب عبارة عن شخص قرأ الطب و بالتالي لا يعرف الكثير خارج هذا المجال بخلاف النظرة الاجتماعية الموجودة لدينا على ان الطبيب ذكي ذكاء خارق و يستطيع الالمام بأي شيء بسهولة. هذه نظرة لها تأثيرات جانبية مضرة كثيرة منها ان حلم كل ليبي تقريبا اما ان يكون هو طبيب او ابنه بغض النظر عن امكانياته الحقيقية و بغض النظر احيانا عن رغبة الابن او الابنة وهي مأساة. هيا نتعاون معا لنبذ المظاهر السلبية تدريجيا. و شكرا
Ali Giarushi | 24/07/2016 على الساعة 21:32
وشهد شاهدا من اهلها
كلام ممتاز وانت تعرف ذلك ولكن بعكس ما نعرف انك من داعمي حفتر و شلة النواب الذين يريدون فرض حكم العسكر و تلبية مطلب حفتر شيء غريب جدا
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع