مقالات

سكينة بن عامر

(سكينة) في المنفى

أرشيف الكاتب
2021/08/15 على الساعة 14:09

قراءة متخيلة في رواية (حياة متخيلة) للشاعر والروائي الاسترالي (ديفيد معلوف)…

(نحن بالكاد نتعرف على البشارة حينما تأتي معلنة، وبالكاد نتعرف على حياتنا حينما نغوص في حياة الآخرين)…

هذه انا.. سكينة.. هل (رأني) أحد؟؟؟ انا تلك التي تقف على رصيف الانتظار في أرض الغير وترتجي البشارة.. انا مثل (أوفيد) في المنفى.. ومثله اعيش حياة متخيلة... 

ومثلما تأسرني الكتب الفريدة.. يأسرني فعل عيش حياة أصحابها.. فأصير مثلهم ولا أملك أمري.. ولأنني لم أستطع أن اتجاهل التغيرات التي غزتني وأنا اطالع رواية (حياة متخيلة) فقد أحببت أن أشارككم حياتي المتخيلة التي عشتها عندما قرأت الرواية في صيف القاهرة اللاذع عام 2005م، وهي الحياة المتخيلة نفسها التي عشتها إبان نزوحنا القسري عام 2014، بل هي ذاتها الحياة التي أعيشها اليوم في عزل احترازي اخترته طواعية بُعداً عن الوباء والبلاء والهباء.

كتاب (حياة متخيلة) هو كتاب غير عادي.. غير تفكيري كثيراً منذ أن قرأته، فصارت صفحاته التي تخيلها (أوفيد) (بطل الرواية) هي صفحات حياتي المتخيلة، فهو كتاب كما تقول عنه الكاتبة (هيلين فريزل) (الكتاب الأكثر تحضرا، والمدون ببساطة وبهاء، فهو من كلاسيكيات عصرنا، وسيظل على الدوام عملا كلاسيكيا).

احببت هذه الرواية حينما تعثرت بها على رصيف غربتي إبان دراسة الدكتوراه، فأسرت قلبي، وأعادتني من جديد الي أيام تسلق الأماكن العالية، والبحث عن التفرد، والرحيل إلى كوكب الزهرة، أعادتني إلى مرح الحياة بعدما فقدت التلقائية المحببة، فقد (كانت السنوات تضاف الي عمري يوماً بعد يوم، فأكبر على غير ارادة مني).

في عام 2003م هاجرت إلى قاهرة المعز طواعية، واخترتها منفى لسنوات محددة في رباط علمي مثير، فاستنسخت فيها حياة أوفيد المتخيلة، وتبعثرت مثله علي ارصفة الاخرين، وبقيت مثله أفتش كل صباح عن وطن يسكنني لا يغادر مخيلتي، ومثله احزن حينما أفشل في العثور عليه، ثلاث سنوات وتسعة أشهر ويوم: هي أيام التيه المتخيلة في القاهرة، بكل ما فيها من فرح، وحزن، وشوق، وحنين، وتشرد، وإنجاز، ثلاث سنوات وتسعة أشهر ويوم: كنت فيها أعتقد بأنني (أعيش الترحال الممتع، وإنني استحضر طقوس التجدد) لكنني في حقيقة الأمر كنت أعرف بأنه ترحال متخيل كترحال (أوفيد) في منفاه، فالعز الذي عشته في القاهرة عز متخيل ليس له حقيقة عز الأوطان، والفرح الذي عشته في القاهرة فرح متخيل يختبئ خلف القلب، فمازلت أذكر ذلك الصباح الذي أتي بعد أيام لا يمكن أن تحصيها أصابع يدي في غربتي، وكيف غمرني ذلك الإحساس الجميل الذي افتقده ( أوفيد) في منفاه وما استطاع تملكه، (إحساس مريح وكأنني اسبح في فيض من الأصوات العذبة التي تهدهدني) وخيل الي انني اسمع نغم صادر من قلب الوطن، (نغم مبهر يطلقه الصبح الشفاف الذي لم يشرق بشمسه بعد) حينها تحولت معه الي (نغمة متناهية في الرقة والحنان، فذوبتني البشارة في الاغنية الكبرى) تلك الاغنية التي اشتهى أوفيد سماعها، وجاهدت أنا في غربتي كي لا تنفلت مني، واستمت كي يظل القلب ممتلئ بها، وحاربت الأيام كي احافظ علي قدرتي علي استعادتها في كل آن، وعندما تردد صدى تلك الاغنية في تجاذب لأعماقي سعياً للانفلات، ادركت بأنني لم افقد السحر الكامن بداخلي، وإنني مازلت احتفظ بالسر الخفي الذي يسعدني، وان كل شوارع مدينتي لم تفارقني، وإن أبوابها مازالت في الانتظار، نسيت مع تلك النغمة العذبة ما حدث معي ذات صباح من صباحات القاهرة الرمادية في بدايات الصراع مع الشوق، عندما كنت اعبر الطريق، رأيت القاهرة يومها وحش مزمجر ينتظرني علي الرصيف الآخر، ولم تجد قدمي موضعا وسط الزحام، ولم يجد القلب فرصة للتنهد، كنت فقط اريد ان اعبر الطريق، لكن الخوف شلني وما وجدت من استند عليه فتسمرت، وفقدت معالم الطريق، يومها امتدت يد من وسط غربتي لتساعدني، فتشبثت بها وعبرت معها الطريق، لكنني أدركت في ساعتها بأنني قد اسلم يدى للتيه، فقررت أن لا اعبر هذا الطريق مرة أخرى، وأن لا أسلم يدي لغريب، خفت أن أكون تكراراً (لأوفيد) في منفاه، (فأتجرع كل صباح الحنين) إذ أن الغريب في بلاد الغير أعمى، ولو كان بصيراً، ولهذا تركت المنفى طواعية، وعدت الي بيتنا الأول، إلى الوطن الأوحد، وغادرت أرصفة الغير.

أردت ان اصبَح كل فجر علي الندى قبل الشروق.. أردت أن أغسل عيني المجهدتين ببياض أزهار (المشماش) ( ) في تفتحها.. أردت أن أهدي الروح قطرات المطر المنهمر.. أردت أن أنسى الحياة المتخيلة التي عشتها بعيداً عن الوطن. فأنا لست (أوفيد).. ولن أكون…

في عام 2014 اندلعت الحرب في مدينتي، واختلطت الأمور مع الأمور، وأُجبرنا بفعل القصف العشوائي، مع من أجبروا على مغادرة الوطن، أنا والأهل والأحباب من سكان (الصابري، وبو عطني، وبنينا، وقاريونس، وطابلينو، والقوارشة، ووسط لبلاد، وسوق الحوت، والزرييعية، والليثي، وشارع الخليج، والهواري، وشارع فينيسيا، وشارع الزيت) ( ) وكل مناطق بنغازي الحبيبة... 

فصار كل واحد منا يحمل المنفى في قلبه، ويتجرع الحنين في أي مكان، أجبرنا علي المنفي مثلما أجبر (أوفيد)، وأجبرنا على العيش في حياة متخيلة مثله، وأجبرنا على تخيل أيام افتراضية فيها نخلق وطن جميل معزز، لكنه وطن متخيل، خلقناه بأوهام متخيلة، تشبثنا بها كي لا نضيع على أرصفة الغير، حاولت في هذا الوطن الافتراضي أن أكون مثل (أوفيد) وأبحث حولي عن كل ما يربطني بالوطن، فصرت أفرح بأزهار (عوينة القطوس والبو قرعون) ( ) حينما (تلوح لي أثناء سيري) فأتخيل أنني أطير في حقول (المرج، وتاكنس، وراس الهلال، وسوسة، والحنية، والمقزحة، وطابية البارود)( ).

اصبحت أنتشي إذا ما رأيت ملامح خريطة الوطن في خربشات فنجان قهوتي، فأمني النفس بعود قريب، وأطير شوقاً لألون يتشابك أحمرها بأسودها وأخضرها، وأبحث في حناياها علني أقابل هلال ونجم منير، وأعانق السماء شوقاً لأحرف تتشابك موحية باسمٍ هو يحمله، وأصيخ السمع لعلني أسمع منادياً بلهجتي كي أجيب.

صرت مثل (أوفيد) في منفاه أتخيل تفاصيل حياتنا اليومية، ففي ذات اليوم من تيهنا بشرتنا ابنة أختي بقدوم حفيد جديد، يومها كنا كلنا مثل (أوفيد) حينما (اجتمع الأصحاب في مخيلته لإقامة طقوس العيد) فتجمعنا افتراضياً، وتخيلنا أننا سوف نجهز متطلبات (اللمة) ( ) فصنعنا (الكعك والمقروض والمورقة) ( ) افتراضياً، وانتقينا هدايا متخيلة، وأكلنا (عصيدة وتمر وحويرة) ( ) متخيلة، و(زلفنا) ( ) للجدة افتراضياً، وحملتنا حين عودتنا المتخيلة (خلوط وسواك ولوبان) ( ) افتراضي، لنعود به لبيوتنا المتخيلة!!!! وعانيت ما عاني أوفيد حينما أصبح ذالت يوم فاكتشف أن (ثمت شيء في انسانيتنا، في الدخول البطيء للمخلوقات من نوعنا، إلى كل ذلك الذي اكتشفناه وصنعناه إلى أنفسنا وإلى العالم من حولنا)، فهكذا (تحدث هذه الأشياء، عميقة في حيواتنا، نحن لا نتحدث عنها، نحن نخفيها حتى عن أنفسنا، لكنها لا تتركنا).

اليوم.. وفي صبيحة هذا الصيف القائض من عام 2021، حيث نختبئ احترازياً خلف مخاوفنا من انتشار السلالة الجديدة من الوباء، ومن تزايد ساعات انقطاع التيار الكهربائي المحيرة، ومن اختلاط الأمور مع الأهواء، ومع ترقب ما سيأتي، وانتظار لجرعة ثانية من لقاح متمنى، رأيتني وكأنني أوفيد نفسه في نصف حياته الثانية، عندما أدرك بأن منفاه هو المصير الحقيقي الذي كان ينشده، وإن حياتي مثل حياته هنا، مهما كانت مؤلمة، لأنه كما هي كانت قدره فهي قدري الحقيقي الذي أمضيت مثله وجودي كله في محاولات الانفلات، فها هي ذي الحياة التي حاولت، وحاول أوفيد قبلي أن ينبذها (باختلاق مائة دور مزيف) و(مائة هوية مزيفة) صارت لنا هي الحياة.. حقاً (قد يبدو للوهلة الأولى مثل الكارثة، لكنه الحق أنه حظ متنكر)، فأنا الآن في عزلتي المنتقاة مثل أوفيد أصبحت ذاك (الشخص الذي قصدت أن أكون) فأنا مثله الآن (أعترف صراحة لنفسي، بما عرفته طويلاً في قلبي: أنا أنتسب إلى هذا المكان الآن، لقد جعلته مكاني) ووطني وسكني ومقصد أيامي، أنا الآن مثله استطيع أن (أدخل أبعاد نفسي) في عزلة عن الناس، وعزلة عن الدنيا، وعزلة عن الداء والوباء، وعزلة عن النميمة والضغينة والخداع، عزلة عن الهم والحزن وجرح الخواطر، عزلة عن الزيف والنفاق والرياء، هكذا أصبحت أعيش كما كان أوفيد ذات يوم (حياة كاملة مخبأة، تتدفق عائدة إلى الوعي) ومثلما عاد هو إلى طفولته، بدأت (طفولتي تعود إلي، ليس كما تذكرتها سابقاً، ولكن بشكل أصفى، كما كانت بالفعل) فأنا الآن صرت، كما صار أوفيد في منفاه (أكثر شجاعة في شيخوختي، مستعدة لكل التغيرات التي يجب أن نمر بها، عندما نسمح وبألم لأطرافنا أن تنفجر في شكل جديد) لا مزيد من الاحلام فقد تجاوزناها أنا وأوفيد معاً، و(دخلنا في الحقيقة الأخيرة).

أواه يا وطن الأحباب ما اعتقدت يوما بأنني سوف أكون (أوفيد) أخر أعيش مثله حياة متخيلة.

سكينة بن عامر

* كتبتها في غربتي الطواعية بالقاهرة يوم 23/ 8/ 2005، وأعدت كتابتها في غربتي المريرة باسطنبول يوم 8/ 5/2015، وأعيد كتابتها اليوم في سجني الاحترازي ببنغازي يوم 14/ 8/2021.

رابط تحميل الرواية

كلمات مفاتيح : روايات،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع