مقالات

إبراهيم محمد الهنقاري

النفط.. والغاز.. هذه الطامة الكبرى..!!

أرشيف الكاتب
2017/07/09 على الساعة 20:25

جاء في الايةً (٤١) من سورة الروم قول الله تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون}. صدق الله العظيم.

يبدو ان الفساد الذي ظهر في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليس سوى النفط والغاز!! اللذين اخبرنا الله تعالى عنهما منذ القرن السابع الميلادي. !! الم يتم اخيراً اكتشاف النفط والغاز في الحقول البرية والبحرية على حد سواء وفِي جميع أنحاء العالم.! اي في البر والبحر.!؟

وللتوضيح اكثر نقول ان الفساد في الارض معروف ومفهوم. والمفسدون في الارض معروفون من قابيل بن آدم الى الْيَوْمَ. ولكن غير المعلوم وغير المفهوم ويحتاج الى التفكير فيه هو الفساد في البحر. اذ لا يعقل ان يكون المقصود بالمفسدين في البحر الأسماك بأنواعها المختلفة رغم المقولة المعروفة "حوت يأكل حوت "!!.  فالفساد في الحالتين إنما ينصرف الى الانسان وحده من بين من وما خلق الله جميعا. قال تعالى {قتل الانسان ما أكفره}.

لم يكن احد من الناس  يعلم شيئا بالطبع وقت نزول القران الكريم عن النفط والغاز الموجودين في قاع الارض وقاع البحر في وقت واحد. ولكن النفط والغاز كانا موجودين حتما في باطن الارض وباطن البحر وقت نزول القران الكريم ونزول تلك الاية الكريمة بالذات. والله وحده سبحانه وتعالى يعلم ذلك. وانا اجزم اليوم والله اعلم بالطبع ان هذه الآية هي احدى آيات الإعجاز العلمي في كتاب الله وأن الفساد الذي تشيراليه الآية الكريمة إنما هو الفساد الذي نشهده اليوم والذي كان سينتج عن النفط والغاز بالذات اللذين سيتم اكتشافهما بعد نزول تلك الآية بما يقرب مِن الف واربعمائة سنة. فسبحان الله رب العالمين.

ولسنا نتحدث هنا بالطبع  عن النفط والغاز كمصدر رئيسي للطاقة الْيَوْمَ ولا عن دوره الرئيسي في حياتنا المعاصرة ولا عن دوره في الطفرة العمرانية التي حدثت في معظم الدول المنتجة والمصدرة للنفط والغاز ولا عن المليارات من الدولارات التي تحصلت عليها تلك الدول من بيع النفط والغاز فذلك كله من متاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وابقى. ولكننا نتحدث عن الاثار السلبية التي نشاهدها ونعاني منها في بلادنا العربية  بسبب النفط والغاز.

وهنا نطرح هذا السؤال: هل النفط والغاز نقمة ام نعمة.!؟

اذا اعتبرنا ان هذه الايةً الكريمة الواردة في بداية هذا الحديث انما تتحدث عن النفط والغاز فلاشك في انهما نقمة وليسا نعمة. لان الفساد لا يأتي باي خير ولا بأية نعمة رغم ما قد يبدو على المفسدين في الارض من اثار النعيم الزائف في هذه الدنيا الفانية. ولاسيما منهم أولئك الذين كسبت أيديهم وبلادهم النفط والغاز ليذيقهم الله بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون.!!

اكتب هذا الحديث من واقع تجربة حقيقية عشت سنواتها المضطربة والغامضة منذ عام ١٩٦٤ حينما كان سعر برميل النفط لا يتجاوز دولارين اثنين وبضع سنتات او اقل قليلا من ذلك وحتى الان وعرفت خلالها الكثير من اسرار هذه الصناعة وتعرفت خلالها أيضا على العديد من اللاعبين في ميدانها الواسع والغامض من وزراء ومسؤولين عن صناعة النفط والغاز في الحكومات العربية والأجنبية الى اصحاب القرار من المسؤولين في شركات النفط العالمية الكبار منهم ومن يسمون بالمستقلين الى المنظمات الدولية المعنية بالصناعة النفطية الى خبراء هذه الصناعة من الأكاديميين والاستشاريين الى اصحاب الصحافة النفطية المتخصصة الى الزملاء العاملين في هذ القطاع. وقد حضرت وشاركت في اكثر من أربعين مؤتمرا واجتماعا دوليا وعربيا في شؤون النفط كرئيس لوفد بلادي او كعضو فيه او كمشارك مستقل.

يقول الشاعر العربي:

مشيناها خطى كتبت علينا...
ومن كتبت عليه خطى مشاها...

وقد كتب الله علي ان اقترب من النفط الذي لاعلاقة لي به لا من قريب ولا من بعيد. ففي الجامعة درست الفلسفة ولم ادرس هندسة النفط. وبدات عملي الرسمي في الحكومة في دار الإذاعة الليبية وليس في وزارة او موسسة النفط. ولم أكن اعرف عنه شيئا حتى بعدما تم طردي من الإذاعة ووضعي على الرف في الادارةالعامة للخدمة  المدنية بسبب توجهاتي القومية والثورية في ذلك الوقت. وقد شاءت الصدف وحدها بعد ذلك ان  تم نقلي الى وزارة شؤون البترول مديرا عاما للشؤون المالية والادارية وكنت اعتقد ان تلك وظيفة غير فنية ولا يختلف العمل فيها عن نفس العمل في اية وزارة او موسسة حكومية اخرى. ولكن سرعان ما تبين لي ان ذلك الظن كان خاطئا. فالبترول كما يبدو شانه كشأن الصحابي الجليل ابي ذَر الغفاري "أمة وحده".!

غير ان بقائي في ذلك المنصب الاداري لم يدم كثيرا فقد تم تعييني بعد أشهر قليلة من انتقالي الى تلك الوزارة سكرترا عاما للمجلس الاعلى للبترول الذي أنشئ في ذلك الوقت برئاسة وزير شؤون البترول وعضوية وزراء المالية والاقتصاد والتخطيط والصناعة ومحافظ البنك المركزي وثلاثة أعضاء من ذوي الخبرة يختارهم مجلس الوزراء.  وكانت مهمة ذلك المجلس هي اقتراح أفضل الطرق والسياسات التي ينبغي ان تنتهجها الحكومة الليبية في علاقاتها مع شركات النفط العاملة في ليبيا للمحافظة على حقوق الشعب الليبي في ثروته من النفط والغاز. ومن خلال عملي في هذا المجلس بدأت علاقتي الجدية بصناعة النفط  والمسؤولين عنه في ليبيا وفِي المجتمع الدولي النفطي ان صح التعبير.

وبعد تلك التجربة التي امتدت لعشرات السنين ايقنت الان ان النفط والغاز  نقمة وليسا نعمة وهما مصدر كل الشرور والآثام التي عانينا ونعاني منها ليس في عالمنا العربي وحده ولكن في العالم كله ولكن الذي يهمنا نحن العرب هو ما جرى ويجري في بلادنا العربية بالدرجة الاولى بسبب النفط والغاز واليكم الأسباب.

١- كيف كان حالنا قبل اكتشاف النفط والغاز.!؟... كنّا نأكل الطعام ونمشي في الاسواق. كنّا نمارس حياة عادية وبسيطة. لم نكن نعرف القصور ولا الطائرات الخاصة ولم نكن نعرف لا الريفيرا الفرنسية ولا ليالي الانس في فيينا ولا بحيرة جنيف ولا التزلج في جبال الالب ولم نكن نعرف لا مونت كارلو ولا نوادي القمار والنوادي الليلية إياها. كنا نفخر ببراءتنا وبعقيدتنا الدينية وكان شعارنا هو "القناعة كنز لا يفنى". كانت لدينا قيم واخلاق. منها الصدق والمروءة والكرم وإغاثة الملهوف وآباء الضيم وتقوى الله في السر والعلن وغيرها من مكارم الأخلاق.

٢- حتى اذا جاء النفط والغاز او جيء به إلينا انقلبت حياتنا رأسا على عقب فانتشر الفساد في البر والبحر في ارضنا وأرض غيرنا وفِي البحار التي تمخر فيها يخوتنا الدخيلة على حياتنا وعلى تراثنا. ودخلنا في متاهة ولم نعرف كيف نخرج منها ولا يبدو اننا سنخرج منها لأننا فقدنا السيطرة على أنفسنا ورهنا ارادتنا وقرارنا الى الأجنبي الذي دلنا على وجود هذا المارد اللعين الذي اسمه النفط والغاز تحت اراضينا وفِي اعماق بحارنا وصار يتحكم في حياتنا ويستعيد منا عوائد نفطنا وغازنا التي تدفعها لنا شركاته وذلك عن طريق تصدير ما تنتجه مصانعه من السلاح الينا وهو السلاح الذي لم يفدنا في تحرير ارضنا المغتصبة في فلسطين ولكنه ساهم في سفك دمائنا على أيدي بَعضُنَا بعضا وفِي تدمير بلادنا على أيدينا وايدي الأجنبي حتى لا تبقى لنا باقية. وعن طريق تصدير الغذاء والدواء والكساء ووسائل النقل والاتصال وكل ما نحتاج اليه او فرض علينا الاستعمار الظاهر والباطن ان نعتمد عليه في حياتنا وفِي مماتنا أيضا. حتى أصبحنا نحن أهل النفط والغاز من العرب عالة على العالم. نستهلك ولاننتج. ننفق اموالنا فيما لا يجدي نفعا. ونضع فائض تلك الأموال في المصارف والمؤسسات المالية للدول التي أعانتنا على اكتشاف النفط والغاز لدعم عملاتها واقتصادها. وجعلناها تحجز على تلك الأموال وتجمدها متى شاءت وتمنعنا من الاستفادة منها. كما لو ان العملية كلها اَي عملية اكتشاف النفط والغاز وبناء شبكات نقله وتخزينه وموانئ تصديره  كانت مجرد مؤامرة علينا قبلناها ورضينا بها دون تفكير وكما لو انها خديعة كبرى انطلت علينا ووقعنا في حبائلها ونحن في غيبوبة ولا ندري بما يجري حولنا.

٣- هذا ليس كلاما عاطفيا فرضه الغضب الساطع على ما آلت اليه احوالنا خصوصا في الدول العربية المنتجة والمصدرة للنفط والغاز كما قد يظن البعض ولكنه تسجيل للحقيقة المرة التي نعاني منها نحن العرب منذ اكتشاف النفط والغاز في بلادنا في عشرينات و ثلاثينات القرن الماضي والى الْيَوْمَ. لقد غير النفط واهله من طباعنا السمحة وأخلاقنا الطيبة وقيمنا الرفيعة وحولنا الى ما نحن فيه اليوم من الكرب العظيم.

٤- اللهم ارفع "مقتك" و"غضبك" عنا. ونعني بالمقت النفط ونعني بالغضب الغاز. لعله يكون في ذلك صلاح امرنا واستعادة قيمنا التي داس عليها النفط واهله.

٥- لا يغرنكم بالنفط والغاز الغرور فتعتقدون انهما السبب فيما تحقق في بلادنا من بعض التغيير وبعض التحسن في مستوى حياتنا وفِي مظاهر العمران الذي نشهده في بعض البلاد العربية فذلك كله ليس اكثر من ذر الرماد في العيون كما يقولون. اما الواقع فان الغالبية العظمى من شعوبنا لا تزال تعيش تحت خط الفقر رغم النفط والغاز.

فماذا فعل بِنَا النفط اكثر من انه أوردنا الى التهلكة.!؟

اللهم أعد إلينا ايّام ما قبل النفط والغاز لعلنا نعود كما كنّا جسدا واحدا اذا اشتكى منه عضو تداعى له بقية الأعضاء بالسهر والحمى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ابراهيم محمد الهنقاري

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
Omar Mohamed Gazal | 11/07/2017 على الساعة 10:52
النفط والغاز هذه الطامة الكبرى
تحياتي لك أستاذ ابراهيم دائما تتناول المواضيع بتحليل قيم وموضوعية من أجل الوطن
د. أمين بشير المرغني | 09/07/2017 على الساعة 22:33
نحن نحيل النعمة الى نقمة بأيدينا
تحية عطرة لك ياعزيزي، مابالك تقول لنا أن النفط والغاز لعنة ونقمة ، والنفط والغاز عند الآخرين نعمة. هو لعنة عندنا فقط. اللعنة مكمنها غياب الرؤية البعيدة الصحيحة والثقة المفرطة في غير موضعها . والوقت اليوم متأخر لرفع اللعنة عنا فالنفظ والغاز اليوم مرهون وبيد غيرنا.
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت موافق على عملية الإفراج على الساعدي القذافي واخرين من عناصر النظام السابق
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع