مقالات

يونس شعبان الفنادي

قراءةٌ ليبيةٌ لإبداعاتٍ أُردنية

أرشيف الكاتب
2017/07/02 على الساعة 21:54

قراءةٌ ليبيةٌ لإبداعاتٍ أُردنية: "أنثى تشبهني" للدكتورة نهلة الشقران.. نموذجاً

وأنا أتصفحُ مجموعة الإصدارت الأردنية التي أهدتها إليَّ مشكورةً الدكتورة نهلة عبدالعزيز الشقران أستاذة اللغة العربية بالجامعات الأردنية، تذكرتُ مقالةً للأديب الأردني الراحل عيسى الناعوري والتي نشرها على صفحات جريدة "الجهاد" الأردنية خلال شهر ابريل 1966 حول هدية صديقه الأديب الليبي الكبير الدكتور الراحل خليفة التليسي، ويقول فيها:

(... في فورة العاطفة القومية نصرخُ كلنا مطالبين بالوحدة العربية "ومن الخليج إلى المحيط"، ولكننا نجهل، أو نتجاهل أن العربي لا يعرفُ العربي بعدُ معرفةً كافيةً، ومن بين كلِّ قطرٍ وقطرٍ في بلادنا فروقٌ غير قليلة في كل شيء، وما لم نتعارف تعارفاً صحيحاً يتيح لنا التقريب بين المتخالفات والمتناقضات من شؤون حياتنا، وأمور بلادنا، فإننا سنظل نباعد بيننا وبين الوحدة التي نصبو إليها بكل قلوبنا وآمالنا. أقول هذا وأنا أتساءل حتى عنا نحن فئة المثقفين: ماذا يعرف المثقف العربي في المشرق عن أخيه المثقف العربي في المغرب؟ وماذا يعرف المثقف العربي في المشرق عن أخيه المثقف العربي في المغرب؟ وماذا يعرف أديب المشرق عن زميله أديب المغرب؟ بل ماذا يعرف أديب الأردن عن أديب السعودية والكويت والعراق واليمن وليبيا؟ وماذا يعرف أديب السعودية والعراق ولبنان ومصر عن أديب الأردن؟..).

رحم الله الأديبين الكبيرين اللذين أعادا ذات الأسئلة إلى ذهني فأطلقتُ مثيلاتها بكل أسى، لعل أبرزها كم ديوان شعر قرأته لشاعر أردني؟ وكم رواية أردنية قرأتها؟ وكم قصة قصيرة أردنية طالعتها؟ وبالمقابل كم من الأدباء الأردنيين قد طالعوا الإنتاج الأدبي الليبي بأجناسه المختلفة؟ وبكل اليقين أؤكد بأن الإجابة مخجلة جداً من الطرفين.

الدكتورة نهلة عبدالعزيز الشقران أديبة وأكاديمية مميزة من المملكة الأردنية الهاشمية الشقيقة، وأستاذة جامعية متفوقة في علوم وآداب اللغة العربية التي أسهمت بتدريسها في الجامعات الأردنية وجامعة القصيم بالمملكة العربية السعودية. وقد حققت إبداعاتها القصصية، منذ بواكيرها الدراسية، العديد من الجوائز المتقدمة سواء على مستوى الجامعات الأردنية أو على مستوى الوطن العربي الكبير. فقصتها "الوجه الآخر" فازت سنة 1988 بالمركز الثاني، وفازت قصتها "لا شيء يهم" سنة 1999 بالمركز الثالث في مسابقة كتابة القصة على مستوى الجامعات الأردنية، كما نالت الترتيب الثالث لجائزة دبي الثقافية للإبداع التي نظمتها مجلة دبي الثقافية الصادرة بدولة الإمارات العربية المتحدة، وفي سنة 2013 فازت قصتها "صرّة البرتقال" بالمركز الثاني ضمن مسابقة "تجمع ناشرون أنا عربي" في المملكة الأردنية.

هذا قليل من كثير حققته الدكتورة نهلة الشقران خلال مسيرتها التعليمية الحافلة بالعطاء العلمي والنشاط الأدبي والعمل الدوؤب والإبداع القصصي الذي تمثل في إصدارها خلال سنة 2015 مجموعتين قصصيتين هما "الوجه الآخر للحلم" ضمن منشورات وزارة الثقافة، و"أنثى تشبهني" الصادرة عن "الآن ناشرون وموزعون" بالمملكة.

جاء عنوان مجموعتها القصصية "أنثى تشبهني" مقتبساً من قصة نشرتها ضمن نفس المجموعة بجانب عشرة قصص قصيرة أخرى وردت متسلسلة كالتالي (خفايا صوت، حصيرة، زيت وزعتر، رِجعْ أيلول، حين يتألق الصدأ، أنثى تُشبهُني، وجهٌ كمعطف، صفير النّاي، ذاتُ الظفيرة، وأصبح له غيري، ظلٌّ من رماد). وقد أهدت القاصة هذه المجموعة إلى جدتها (فاطمة .. أنيسة تراتيل الدمع المعتق) وهو ما يوحي بتأثر الكاتبة بروايات الجدة التي أحبت حكاياتها وأمضت معها أوقات ممتعة، فعاشت مع شخصياتها وحلقت مع أحداثها العذبة، ومن ثم استلهمت منها جماليات السرد الشعبي أو الفلكلوري فنسجت قصصها العصرية وكتبتها وأطرتها بتقنيات وفنون وأساليب القص الحديثة. وهذا التأثر الوفي والجميل يبدو جلياً واضحاً من خلال اللغة البسيطة التي صاغت بها الدكتورة نهلة الشقران مواضيع قصصها المستحضرة من روح وأنفاس فضاءات التراث الأردني الزاخر بالحكايات ذات المضامين الإنسانية وكذلك التقاطاتها للصور الحياتية المعاشة في حاضرنا اليومي.

وأبانت القاصة عن إجادة تامة وإتقان مبهر في استخدام المفردة اللغوية المعبرة بدقة متناهية عن معناها ومدلولها ورسالتها- وهذا ليس بغريب على متخصصة متفوقة في مجالها- وتلك بلا شك أسهمت إلى حد بعيد في زيادة تشويق القاريء وتحفيزه لمتابعة وإتمام تفاصيل السرد ومعانقة مسارات أحداثه وتطوراتها المختلفة، بل في بعض القصص ارتقى الإحساس بالقدرة الفائقة للصياغة اللغوية وتجسيدها وتمثلها للصورة الحكائية الجميلة إلى حد الانصهار في ثنايا النص والتفاعل مع شخصياته والتضامن والتعايش معها داخل الفضاء القصصي، مثلما حدث في قصة "وأصبح له غيري" التي نسجتها القاصة بروح تغوص عميقاً في الذات الإنسانية، وتشرع نوافذها لسيل من التساؤلات الفكرية والاجتماعية، والأجمل من كل ذلك أنها في عمومها تجاوزت فيها أنانية الذات الشخصية وقدمت عملاً ينال كل الاحترام والمحبة لأنه يستمد خصاله من الينابيع الوجدانية والقيم الروحانية والوجدانية النبيلة للساردة والتي لا يمكن أن تغيب عن خصال الذات المبدعة نفسها تمشياً مع مبدأ علاقة وارتباط النص الأدبي بسلوك وشخصية مبدعه.

أما قصتها "صفير النّاي" فقد سجلت صورة تكاد تكون نمطية لصمت ومعاناة الفتيات الصغيرات منتشرة في المجتمعات العربية كافة، والبدوية الريفية على وجه الخصوص، وظلم العادات المتخلفة التي لا تضع في حسبانها أي اعتبار أو تقدير للمشاعر والأحاسيس والرغبات الشخصية الذاتية للفتاة، بل تصر على استمرارية إجبارها على الولاء لعقلية منظومة الأعراف المتوارثة والظالمة حيث لا يسمح فيها للبنات أو النساء بالمشاركة في الرأي، ومن ثم مصادرة حقهن في مناقشة الاختيار سواء بالقبول أو الرفض. فموضوع تزويج بطلة القصة ابنة الحادية عشرة سنة وعقد قرانها على ابن عمها "علي" الذي اختارته العائلة لها ظل أمراً محسوماً وغير قابل للنقاش، ولا يتطلب مشورة الطفلة الضحية صاحبة الشأن، رغم أنه كان صادماً لها ومحطماً لحلمها العذري بالارتباط مع "سمير"، ذلك لأنه وفق المنطق العشائري الاجتماعي المتخلف يجب أن تذعن الفتاة تماماً لذاك الاختيار، وألاّ تفكر إطلاقاً في الاعتراض أو النقاش بأي وجه من الوجوه حتى وإن كانت لازالت طفلة في بداية سني مراهقتها وعمرها الفكري لا يستوعب الخوض في مثل هذه القرارات ولا جسدها يستجيب لمتطلباتها البيولوجية، بل ذهب التخلف الاجتماعي بعيداً حين ربط هذا الإذعان ببر الوالدين وتعاليم الدين الاسلامي وحتى تحديد نوع المكافأة الربانيّة مقابل ذلك (.. سكتُّ كما أرادتني أمي دوماً، وقد علّمتني مراراً أن البنت لا يسمعُ صوتَها أحد، حينها يرضى الله عليها وتدخل الجنة..).

وإن جاءت قصة "صفير الناي" حزينة في معظم مشاهدها القاسية المؤلمة وشجن مونولوجها الداخلي النازف بالأنين وهي تسرد نعي وتحطم الأحلام البريئة الجميلة، إلاّ أن القاصة في خاتمة نصها استطاعت أن تبدّل تلك الأجواء وتبعث في بطلة قصتها روح التحدي وعدم الاستكانة أو الاستسلام لإرث فكري ماضوي يمس مستقبلها وحياتها وأحلامها الوردية، ومكّنتها من البوح بعذابات النفس وأمنياتها بعد أن تحصنت بالعلم وواصلت دراستها الجامعية في مجال علم النفس، ليهتف بعدها صوتها مدوياً (ما استطاع أحدٌ أنْ يرغمني عليه، وما وقفَ شخصٌ في طريق اختياري، تجشأتُ يومها، وأفرغتُ ما في جوفي).

وفي القصة العنوان "أنثى تشبهني" نجد أنفسنا أمام نص سردي مفتوح تنسجه خيوط راوية حالمة تغزل بمفردات لغتها الرشيقة فضاء بوح داخلي يكتظ بالأسماء المتفاوتة في مجالها وزمنها التاريخي مثل يعقوب، كافكا، مي زيادة، عنترة، عبلة، شهرزاد ودلالاتها المتباينة التي استطاعت القاصة توظيفها بشكل يثري ويعزز فكرة نصها، وينقل لنا جانباً من مطالعاتها ومعارفها وذخيرتها الثقافية والفكرية. كما ازدانت "أنثى تشبهني" بالأسئلة المباشرة (.. من قال إنه ودعني يوماً؟ من قال إنه سافر بصحبة شبابي وعاد محتجباً برداء وقاري؟!) وهذه بدورها تفتح الشهية للمزيد من الأسئلة الأخرى التي تدير محركات التفكير والتأمل في ثنايا النص والإبحار في أعماقه سواء وفق ما خطته مسارات القاصة أو عبر دروب أخرى غيرها. وفي كل الأحوال نجد أن القاصة قدمت نصاً ثرياً بالحوار الذاتي أو المونولوج الداخلي الذي تجوّل بنا بشكل انسيابي رقراق داخل فضاء قصصي آخاذ يلامس شغاف الروح ويطرق أجراس العقل ليضيف إليها الكثير من المتعة الأدبية والإستنارة الفكرية التي ترتقي بمستويات القاريء وتترك بصماتها واضحة في وجدانه وفكره.

وفي الوقت الذي كررت فيه الدكتورة نهلة الشقران نشر قصتها "حصيرة" في المجموعتين القصصيتين الصادرتين لها، فإنها للأسف لم تنشر أياً من قصتيها "لا شيء يهم" و"صرّة البرتقال" في هاتين المجموعتين، رغم أنهما قصتان فازتا بجائزتين جامعيتين، وهذا في تصوري تجني على القاصة نفسها، وانتشار قصتيها بين القراء وحرمانهم من مطالعتهما كقيمة إبداعية قصصية تستحق العناية والاهتمام.

وقصة "حصيرة" تألقت فيها القاصة بأسلوبها السردي الجميل الذي تمكنت به من تأثيت فضاء القصة بالعديد من العناصر المادية التي استعدت بها بطلة القصة "خديجة"، الشخصية الطيبة، لاستقبال ضيفتها الصديقة القديمة "رغدة" بإحدى القرى الأردنية خلال أحد نهارات أيلول الصيفية، والتي من بينها فرش الحصيرة التي تبسطها للجلوس عليها أمام عريشية بيتها القروي المتواضع. وقد زرعت الساردة بمفرداتها دفئاً عظيماً في المتلقي من خلال بساطة الفضاء المكاني ومكوناته وعناصره المنزلية، وكذلك روح الحوار الداخلي المنبعث على لسان البطلة "خديجة" سواء حين كانت تهيء عريشتها وترش أرضيتها بالماء، أو حين كانت تستبدل ثيابها، وهي تسترجع في أعماقها حديث ذكريات الكثير من المواقف والأسماء والتساؤلات الغارقة في العذوبة والمسرة والانتشاء كمن يدندن بلحن موسيقي وهو ينتظر قدوم حبيب بكل الشوق واللهفة والترحيب!

وأسبغت الساردة على "خديجة" بلغتها البسيطة التركيب والعميقة الدلالة الكثير من الحميمية والمحبة والنبل فزادت درجة تشويق القاريء للتعلق بها ومتابعتها والتضامن مع أفكارها وأسئلتها، وتقمص شخصيتها وبالتالي محاولة تصويرها في ذهنه بتلك المرأة الأردنية الأصيلة المحبة للخير بكل معانيه الإنسانية العميقة.

وقد ظل نسق القصة مرتفعاً وتتابع بشكل تصاعدي جذاب، ولم يعكره سوى تلك المقارنة المؤلمة بين الحصيرتين، وهديتي عيد الميلاد "الحصيرة الذهبية" و"برواز سورة الفاتحة"، وهي إشارة واضحة إلى التفاوت الكبير بين "رغدة" و"خديجة" فكرياً وطبقياً حتى وإن كان الماضي قاسماً مشتركاً جمعهما إلا أنه ظل باهتاً حتى مشهد مغادرة "رغدة" للعريشة وتوديعها لصديقتها القديمة.

وبنفس الدفء السردي غمرتنا قصتها (زيت وزعتر) التي نقلتنا فيها إلى عوالم البراءة الطفولية اللذيذة حتى وإن جاءت غير متكافئة في تصوير شخصية الطفل الولد التي ظهرت سلبية ومنحرفة قاسية حين صورته سارق "شلن" من بطلة القصة، عكس الطفلة ابنة الحارة التي كانت صورتها إيجابية جداً ومفعمة بالود والعطف والحنان والطيبة التي جعلتها تتقاسم معها رغيف الزيت والزعتر بكل رضى وامتنان.

أما قصتها "رِجعْ أيلول" فقد استلهمتها من إحدى أغنيات الفنانة العربية "فيروز" وسجلت كلماتها الرقيقة حرفياً في متن النص القصصي (رِجَعْ أيلول، وذكّرني فيك) و(رِجَعْ أيلول وأنْتَ بعيدْ، بغيمة حزينة قمَرْها وحيد..) وكذلك (ونبقى حبيبي غريبة وغريب، أنا وأيلول..) و(ذهبْ مشغول ذكرني فيك). وقد عبقت القصة بالعديد من المشاعر المفعمة بالحب والحنين التي تناجي شهر "أيلول" الخريفي بفرح غامر تتراقص فيه عدة صور تتماوج موسيقياً مع أخيلة جميلة تطل منها عبارة (أبوسعد وراك الريح) التراثية المكثفة التي تختصر العديد من الأحاسيس والتمنيات الطيبة وتربط عالم القصة المعاصر بالماضي العريق والثري بالقيم الإنسانية. ونلاحظ أن شهر "أيلول" الخريفي قد تكرر ظهوره عدة مرات في قصص الدكتورة نهلة الشقران، بل برز مباشرة في واجهة عنوان إحدى قصصها، مما قد يوحي بأنه يحظى بمكانة خاصة لديها أو يرتبط بمواقف معينة في حياتها فأحبت تحيته وتكريمه بهذا الظهور الأدبي والتوثيقي الأنيق.

تتوقف جمالية النص القصصي على الإخراج الفني الذي يعتمده خطابه السردي. فشعرية النص لا تحددها الأحداث أو الوقائع المروية، إنما تحددها قبل أي شيء آخر طريقة الرواية، وصيغ العرض والإخبار وأسلوب الحكي والتشويق. وإجمالاً يمكن القول بأن تقنية السرد عند الدكتورة نهلة الشقران تتأسس على عدة عناصر جمالية أجادت توظيفها تقنياً في إخراج وصياغة وسرد قصصها القصيرة فجاءت معبرة عن أفكار الذات المبدعة بكل بساطة ويسر وبلاغة، لتعكسَ أبعادها الإنسانية العامة والأنثوية المرهفة الخاصة، وقد زادتها غلبةُ التكثيف السردي عذوبة ووضوحاً ومتعةً من خلال تميزه بدقة المفردة اللغوية وبلاغة الصورة القصصية وتتابعها الحكائي، وتوازن النفس التعبيري المحافظ على مساحة ورسالة القصة وصونها من الارتماء في أوحال الترهل والإفراط اللغوي والتضخم النصي، أو توريط المتلقي في سلسلة جمل عنكبوتية متشابكة وطويلة تشتت تفكيره وتسحبه أو تحرره من أسر جاذبية النص القصصي. ومن ناحية المضمون القصصي فقد ابتعدت الدكتورة نهلة في مواضيع نصوصها القصصية عن القضايا الجدلية التقليدية التي تطرحها غالباً معظم الأديبات العربيات في نصوصهن السردية والتي تستعرض مواجهة العلاقة الجدلية بين المرأة والرجل وصراعهما الفكري داخل الفضاء الاجتماعي بكل صوره وأنماطه، واختارت بكل فطنة وذكاء أن تجعل قصصها فسحة روائية ورسالة إنسانية شاملة لا غاية لها سوى التعبير عن الذكريات والقيم التراثية والعصرية النبيلة، التي تسجلها بأفكارها وتنقلها بكلماتها إلى عقل ووجدان القاريء من خلال لغة تأسست على المفردة الشاعرية البسيطة الواضحة المفعمة بالدفء والجاذبية، وكذلك من خلال استنطاق وتحريك شخصياتها الودودة داخل إطارها وفضاءها القصصي المحدد، تارة باستخدام أسلوب الوصف الدقيق المعزز بالتفاصيل والخيال الخلاب الواسع، وتارة أخرى بالحوارات القصيرة المباشرة، وثالثة بالإبحار في أعماق المونولوج الداخلي والخطاب الذاتي للساردة أو السارد الذي تطلقه على ألسنة الشخصيات وتنقل به بعض أفكارها وأحاسيسها.

أما الإيقاع القصصي فقد ظلت تعزفه ظاهرياً انسيابيةُ اللغة بمفرداتها وجملها وعباراتها الشاعرية الرقيقة المتراقصة التي اتسمت بقصرها ووضوحها وبلاغتها المكثفة، إضافة إلى ذاك الجرس الموسيقي الخفي كالإحساس بمشاعر الغبطة والفرح والسعادة أو الشجن والأسى والحزن والأنين المنبعث من ثنايا الصورة القصصية الشاملة، والذي لا يكاد يغيب أو يتوارى متخفياً إلا في سياقه القصصي الذي رسمته القاصة بكل إحكام واقتدار في تناغم هارموني مع انسحاب الشخصية أو تبدل الحدث أو المكان أو الزمان في المشهد القصصي.

وقد أدى السؤال في النص القصصي عند الدكتورة نهلة الشقران وظيفته كاملة للارتقاء بدرجة تشويق القاريء أو التعريف بالحدث أو فاعلية شخصياتها وفق المنهجية التي اعتمدتها منذ بداية التفكير في الكتابة. وكان الأبرز هو السؤال الجدلي والفلسفي العميق المثير للكثير من التساؤلات المتوالدة الأخرى التي لا يمكن أن تسكتها إجابة قاطعة واحدة، بل تظل مشرعةً ترحب وتقبل الكثير من الإجابات المتعددة كحديقة غناء تحتضن ألواناً وأشكالاً مختلفة من الورود والأزهار مثلما ظهر في قصة (زيت وتمر) حين تسألت الساردة: (هل يُسرق الضوءُ منا عندما نُريده؟) و(هل يسطو عليه منْ يجلسون في المقاعد ويتركوننا واقفين؟)… وكذلك في قصة (حين يتألق الصدأ) عندما وجهت زينب للساردة سؤالها المباغث: (لماذا تعشقين الصيف؟ وأنا أعشقُ المطر؟) (لماذا أعشقُ المطر؟).

وهذه النماذج من الأسئلة الفكرية العميقة الدلالة والمثيرة للجدل لا تنتهي أو تختفي بمجرد معرفة إجاباتها عند إنتهاء النص القصصي، بل يظل صدى رنينها محركاً ديناميكاً للتأمل والتدبر ليس في كيانها وأسلوبها الإستفاهمي فحسب، بل في كل إجاباتها المحتملة المتعددة، وهو ما يتيح تواصلاً مستمراً مع المتلقي ووجدانه وعقله في إثراء النص وجعله لا ينتهي أو يتوقف تأثيره بعد الانتهاء من قراءته، ولا شك فإن هذا التأثير يكسب القاصة حضوراً وتميزاً لدى القاريء سواء على الصعيد الشخصي أو الإبداعي.

بعد قراءتي لأول مجموعة قصصية أردنية وهي "شبابيك" للقاص محمد عارف مشّه والتي كتبتُ عنها مقالة بعنوان ("شبابيك" محمد عارف مشّه.. التقاطات حياتية مباغتة) تفضلت صحيفةُ "الرأي" الأردنية مشكورةً بنشرها بعددها رقم 16771 الصادر بتاريخ 29 تشرين الأول 2016 على الصفحة التاسعة، وكذلك هذه المجموعة "أنثى تشبهني" للدكتورة نهلة عبدالعزيز الشقران يمكنني القول بأن الأدب الأردني مثل غيره من الآداب العربية والعالمية الاخرى يحوي العديد من الدرر والأعمال الإبداعية الزاخرة بالأفكار والمضامين الإنسانية التي يجب ألا تفوت قراءتها عن المتلقي العربي أو تغيب عن دارسي المشهد الأدبي العربي، لأنها تمثل إضافة ثرية لكل هذا الإرث الإبداعي. وانطلاقاً من هذا الإساس أوكد بأنني قد وضعتُ عدداً من الأعمال التي أهدتنيها الدكتورة نهلة عبدالعزيز الشقران في قائمة القراءة المستقبلية من بينها المجموعة القصصية "دم الكاتب" للقاص الأردني باسم ابراهيم الزعبي، ورواية "خبز وشاي" للكاتب أحمد الطراونة، وقصص "ضيوف ثقال الظل" للقاص جعفر العقيلي وغيرها كثير، وإني على يقين بأنها ذخيرة ثرية تحوي الكثير من العذوبة والجمال والمتعة والمعرفة التي سأنالها من كل هذه الفيوض الإبداعية الأردنية الجميلة، مع وافر الإمتنان لجميع مبدعيها وللدكتورة نهلة عبدالعزيز الشقران كل الشكر مع التمنيات بالتوفيق.

يونس شعبان الفنادي
* أديب وكاتب وإعلامي مستقل من ليبيا
[email protected]

* إقرأ لنهلة الشقران: ثنائيه الحياة والموت في "شبابيك" لمحمد مشه

سعدون السويح | 09/07/2017 على الساعة 17:41
بوركت
بوركت وبورك قلمك عزيزنا يونس. سعدنا بالتعرف على هذه الأديبة الاردنية ومن خلالها الأدب الأردني. مزيدا من الإبداع والتالق
هاجر الطيار | 03/07/2017 على الساعة 11:37
بسم الله ما شاء الله
يسرني جدا ان اجد مثل هذا التلاقح الفكري والادبي بين مثقي البلدين . ابدعت استاذ يونس في قراءتك لما تمخضت عنه قريحة اديبتنا الدكتوره نهله الشقرام
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع