مقالات

منجي المازني

في حرية الضمير والتعبير

أرشيف الكاتب
2017/06/21 على الساعة 23:04

ما فتئ الحداثيون يكرّرون أنفسهم ويتحفوننا من حين إلى آخر بمفاهيم غريبة ينشئونها من عند أنفسهم ثم يحاولون فرضها على المجتمع بحجّة حرية الرأي وحرية الضّمير. وكانت تقليعتهم الأخيرة هي قيامهم بمسيرة احتجاجية يوم 11 جوان استنكارا لمحاولات المجتمع المدني التصدّي للجهر بالإفطار في المقاهي والمطاعم والساحات العامّة ضرورة أنّ هذه المحاولات تتضارب، بزعمهم، مع مبدأ حريّة الضّمير التي أقرّها الدستور بالنصّ.

ولكن لسائل أن يتساءل إن كان ذلك كذلك حقّا؟. فالاحتجاجات توحي للمتابع الفطن بأحد أمرين: إمّا أنّ الإسلام يفرض تعاليمه على النّاس بالقوّة والإكراه أو أنّ بعض المسلمين وبخاصة منهم الدعاة يحاولون فرض مفاهيم وسلوكيات تتعارض وروح ومقاصد الإسلام. إلّا أنّ ما يمكن الجزم به هو أنّ حقيقة الأمر مغايرة تماما وكلّيّا لما يراد ترويجه ظلما وبهتانا. فلا الإسلام فرض تعاليمه على النّاس بالقوة ولا الدعاة أرادوا فرض مفاهيم ما أنزل الله بها من سلطان. فالإسلام هو أوّل من فرض حرية الضمير. قال الله تعالى: "إنا هديناه السبيل إمّا شاكرا وإمّا كفورا". "لا إكراه في الدين". "أفأنت تكره النّاس حتى يكونوا مؤمنين" بل إنّ من أوكد أولويات الإسلام نشر الحرية وفرضها في الواقع حتّى يتسنّى للناس تحديد خياراتهم بكل حريّة وبدون تعسّف ولا جبر أو استبداد من أحد. ويخبرنا التاريخ أنّ كل الأنبياء والمرسلين إنّما بعثوا للتبشير بحرية المعتقد وحرية الضمير. قال عمر ابن الخطاب: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا".

إنّ الذين يطالبون السلطة بالسماح لهم بالإفطار جهرا في المقاهي والمطاعم والساحات العامّة وينادون بتطبيق مفهوم حرية الضمير هم مخطئون في التشخيص. حيث اختلطت عليهم الضمائر وأضحوا لا يفرّقون بين ضمير الفرد وضمير الأمّة. علما، أنّ ضمير الفرد هو ذلك الشيء الخفي والغير مرئي والكامن والمستقر في أعماق الإنسان والذي تقتضي حرّية الضمير، المكفولة شرعا وقانونا، عدم التعسّف عليه ولا على صاحبه  بإجباره على تغيير معتقداته بالقوّة والإكراه. فيما أنّ ضمير الأمّة هو انعكاس لكل الضمائر (الحيّة) في الواقع الحي وهو انعكاس لهويّة وثقافة ومعتقد وقيم البلاد والعباد في الواقع المعيش. فلو أنّ زيدا من النّاس أراد أن يتجوّل في الطريق العام بدون لباس يستره لما سمح النّاس له بذلك ولزجّ به في السجن على الفور. لماذا؟ لأنّه لا يمكن للنّاس أن يعيشوا هكذا بدون قيم وبدون آداب عامّة وبدون مرجعية أخلاقيّة ودينية. إذن فهناك حدّ أدنى من الثوابت الأخلاقية التي لا بدّ من مراعاتها واحترامها وذلك بسنّ الحدّ الأدنى من القوانين والتشريعات لحماية الأخلاق والآداب العامّة التي هي ملك لكلّ الناس ولا يجوز لأيّ كان أن يتخطّاها.

والمطالبون بالإفطار جهرا تحت يافطة حرّية الضمير إنّما يريدون في الحقيقة طمس ضمير وهويّة وقيم وثقافة كلّ الأمّة. وهم متكبّرون ومتسلّطون لأنّهم مهوسون بالسيطرة على الآخر يتملّكهم حبّ مرضي  للتسلّط، لذلك فهم يسعون دوما أن يتسلّطوا ويسلّطوا ضمائرهم على ضمير الأمّة. وهو ما يجعلهم يقعون في تناقض صارخ: فمن جهة يطالبون بحرية الضمير(ضمير الفرد) ومن جهة أخرى يتعسّفون على ضمير الأمّة. وبذلك يمكن أن نقول عنهم أنّهم غير ديمقراطيين ولا يمتّون للديمقراطية ولا للحداثة بأيّة صلة. حيث أنّ الديمقراطية والحداثة وكل بنود إعلان حقوق الإنسان تقتضي أن يلتزم المواطنون باحترام وتطبيق القوانين والأحكام المتعلّقة بسياسة الدولة المنبثقة أساسا من هويّة البلاد ذات المرجعية الإسلامية (الإسلام دين الغالبية العظمى من الشعب التونسي). ومن استتباعات ذلك أن يكون من غير المقبول ولا المعقول أن يتبنى البعض الحداثة ثمّ يناقضونها تماشيا مع أمزجتهم المتقلّبة وشطحاتهم الهستيرية.

منجي المازني

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
sasi | 23/06/2017 على الساعة 01:09
عليكم انفسكم فلستم اوصياء على البشر
لا يضركم و لا يخدش مشاعركم الرقيقية أن ترفعوا الاسعار في رمضان و تسلبوا الفقراء اموالهم ، فحرية التجارة حلال و حرية الربح بلا حدود حلال . و لا يضر الأمة و لا يؤذي ضمير (الأمة) أن يحتكر التجار حاجات الناس و يتحكموا بالاحتكار في معائشم و ارزاقهم و رقابهم . لكن يضركم و يخدش مشاعركم الاسلامية الرقيقة ، كما يضر أمتكم و يؤذي ضميرها الاسلامي ، أن لا يقتنع فرد بالامتناع عن الاكل و الشرب ، فتقيمون الدنيا عليه و تضطهدونه و تحاصرونه بالكراهية و قد تقتلونه لمجرد انه اختلف عنكم فيما تؤمنون به تقليدا لما وجدتم عليه اباءكم . كم انتم رقيقون طيبون مسالمون متحضرون !
سايح خجلان | 22/06/2017 على الساعة 18:29
طغيان الأكثرية
من عجائب الأمور و غرائب الدهور أن الصائمين لا تؤذيهم المطاعم المفتوحة و المقاهي ذات الأبواب المشرعة ساعة الظهر في شهر رمضان إلا في البلدان التي هم فيها أغلبية. أما في البلدان التي هم فيها من الأقلية فلا تؤذىهم تلك المشاهد اطلاقا لا بل أن البعض منهم يعملون كطباخين و نادلين و جراسين بكل سرور و بهجة و في كل أيام شهر رمضان. و لله في خلقه شؤون ...
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع