مقالات

سالم الكبتي

يوميات اليوم الخامس

أرشيف الكاتب
2017/06/01 على الساعة 19:22

(شوارع القدس الاْلهيه
تصفر فى اْرجائها الريح الرمادية
وعطر راشيل اليهوديه
.. وتستحم الاْرض بالدماء
حيث مشى الاْنبياء)

محمد الفيتورى

فجر الاثنين الخامس من يونيو 1967 صحا الحاج مفتاح من نومه فى بنغازى. صلى الصبح فى الجامع المجاور ودعا ربه الى اْن تهزم اسرائيل شر هزيمه ثم عاد الى بيته. تنفس الصبح وشقشقة الطيور فى الازقة وحدائق بنغازى الغناء وفقست بعض اليمام فى اعشاشها ولمعت خيوط الشمس فوق السباخ واكوام الملح فى الزريريعيه. قهوة واْدار مؤشر الراديو نحو صوت العرب بدلا من لندن وشعر بالزهو. لقد هزمت اسرائيل بضربة واحدة هذا الفجر. هكذا تنفس الصعداء. هكذا قال بعد ان تمطى قليلا.

فى دمشق نهض الزلمى نزار. فتل شواربه مثل اْبى صياح. شرب من القله جرعات من بردى. تناول زهورات. وصار يستمع الى الاذاعة فى حى اْبو رمانه. كانت تذيع بلاغات الحرب عن الطائرات المغيره المسقطه وصمود الجولان الاشم ونضال الحزب العتيق. وشعر بالانتصار. هيك الحرب مزبوط.

فى عمان استيقظ المواطن هزاع. دخن ارجيلته. ترنم باْغنية وين ع رام الله مع قليل من سنرجع يوما الى حينا. نظر من شرفة بيته القديم الى الضفة الغربية التى صارت سهلة المنال وشعر بروح العروبة تغمر كيانه. اْحس اْيضا باْن اسرائيل سقطت فى الفخ منذ فجر هذا اليوم الخامس من يونيو الذى سيخلده التاريخ والتراث.

فى القاهرة كان المعلم عوضين قد فرغ من صحن الفول وتثاءب بعد الشاى الكشرى ومسح على بطنه وتذكر مافعلته اسرائيل والاسلحة الفاسده وشعر باْنه فى عشية اليوم التالى سيتجول طليقا مع عبدالحكيم عامر واركان حربه فى تل ابيب وظل يعد الطائرات التى لم تكف عن السقوط تباعا منذ الفجر مثل حبات الحمص فوق رمال سيناء.

وفى بغداد وفى الخرطوم. وفى لحج. وفى وهران. وصفاقس وفى كل مكان من الارض العربية كانت يوميات اليوم الخامس تتشابه على حد سواء ولم يكن ثمة فروق سوى فى التوقيت اْو التفاصيل. لكن فى الاعم اتفقت المشاعر والتقت العواطف والحماس على اْن العروبة اليوم الخامس من يونيو اْفضل من اْمسها الغابر. اْنها تعيد مجدها التليد.

ثم بدى الحلم كريها. والواقع مقيتا. لاحت الحقيقة عند الظهيرة لدى كل مواطن. كانت تختلف عن الفجر وشقشقة الطيور. وضح العكس تماما وتغيرت الاكاذيب الى حقائق. وزالت الاوهام. لاح الفخ واضحا وكبيرا فى المنطقة للجميع وشرب المواطن الحالم فى الفراغ - بعد الشاى والقهوة والزهورات والسجائر - شرب المراره من المحيط الى الخليج. مرارة النكسه والهزيمة الجديده. انها لعنة التاريخ. سقط الجميع من كل الادوار.

مرت الاصابع على مؤشرات الراديو على الكثير من المحطات القريبة والبعيدة. الصديقة والعدوه. الحلوة والمره. وتعددت اْقوال الصحف والتعليقات والتصريحات. اْخذت تتجه الى منحى جديد. النكسه فقط دون الاسباب التى ادت اليها وباتت الحقيقة اكثر رعبا. تغير حلم الفجر الملىْ بالانتصار والزهو وانتقل مباشرة الى فجيعة كبرى عندما حل المساء فوق المدن العربية.

وفى بنغازى مع وهج الشمس فى منتصف النهار وانتشار رائحة الملح. اشتعلت الحرائق واللهيب. كانت البدايات يوم الجمعه الثانى من يونيو بعد العصر من امام الضريح. خطب وبيانات وتوعد لاْسرائيل بالمصير المعلوم ثم مظاهرات صاخبه جالت المدينه وطاردها البوليس وخراطيم المياه حتى السيلس. ولم تكن ثمة حرائق فى هذا اليوم سوى الاصوات الهادره والحماس الاجوف

الاثنين حرائق على مد العين وتخريب. اعلنت حالة الطوارىْ بمرسوم ملكى ساعة الظهيرة فى نشرة الاخبار والتزم المواطنون بيوتهم سوى من كان له الحق فى التجول وسكتت اْصوات المظاهرات والمسيرات بعد اْن بحت الحناجر وبقت رائحة الادخنه والسواد تلطخ وجه المدينه وغادر النوم جفون الحاج مفتاح وعيون الكثير من المواطنين واخذ الحزن مكانه فى الصدور. تقاعس عن الصلاة فى الجامع المجاور. اغلق الراديو. امتنع عن قراءة الصحف. لم يعد يحب احمد سعيد او هيكل. شعر بالانكسار وسط بيته. لم يعد لديه مايقوله فى المرابيع والمقاهى والمصلحة والنادى والشارع عن الوحدة العربية والجيوش والخطب والاحزاب والطليعه والنخبة. ظلت الهزيمة مع النكسه تملاْن نفسه المكلومه المهزومة فى الاصل. ظل الحاج مفتاح مسود الوجه كسير الخاطر ومثله اْيضا اْخاه فى النضال المواطن فى دمشق وفى بيروت وفى عمان وفى صنعاء وفى جده وفى كل مكان من المحيط الى الخليج. لم تعد الاناشيد والاشعار تنفع شيئا ولا الخطب ولا التصريحات ولا المقالات. قضم الفخ باْسنانه الكبار والصغار وتضرر اْكثر المواطن العربى البسيط الذى عاش على حلم واه ومات عليه مثل بيت العنكبوت طوال عشرين عاما من التوكيد على دحر العدوان وهزيمة اسرائيل ورميها فى البحر الميت وعودة اللاجئين وتحرير فلسطين الجريحه. اْوصله الكبار الى النكسه المره فى رمشة عين.

خطوات قطعها هذا المواطن العربى فى سنوات واْيام ليجد نفسه فى نهاية المطاف على لوحة يجدف فى وسط البحر وحيدا دون منقذ اْو ملاذ. خبا الامل فى المستقبل لاْن فاقد الشى لايعطيه. فاقد الحريه يظل مسلوب الحرية على طول الخط.

تغضنت وجوه الحاج مفتاح والزلمى نزار والنشمى هزاع والمعلم عوضين واْجيال عربية ظلت تموت كل يوم دون اْن تقتلها اسرائيل ومن وراء اسرائيل. تعددت يوميات اليوم الخامس من يونيو من الفجر الى الظهيره. من الهزيمة الى النكسه. تنوعت التفاصيل المؤلمة والمريرة لتصب فى خانة الكوارث للمواطن العربى المدجن الوحيد اْبدا فى وجه العاصفة فى اْمسه ويومه وغده اْيضا. يوميات الخامس من يونيو بعد نصف قرن من الزمان ستظل كما هى مثل تفاصيل اليوم الخامس من يونيو بعد مائة عام اْو يزيد.

يايوم الخامس من يونيو (نحن ميتون من زمان) قالها رجل ذات يوم ورحل !!

سالم الكبتى

* الصور تنشر لاْول مرة… بنغازى ظهيرة الاثنين 5 يونيو 1967.

 






كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
عبدالنبى المعدانى | 05/06/2017 على الساعة 03:14
الظلم ظلماااااااات
تمنيت من السيد كاتب المقال ان تطرق الى الظلم الذى وقع على جزء من الليبيين وهم اليهود وهو يعرف اكثر من غيره مدى ارتباطهم بهذه الارض التى عاشوا فيها منذ القدم ووطنيتهم واخلاصهم لها فلم يرفعوا علما غير العلم الليبى ولم نسمع انهم طالبوا بمهازل الدستره كما طالب البعض بدسترة رطانات منقرضه !!! ولكن الظلم ظلمات وكما تعهد الله ان ينصر الظالم ولو بعد حين !! وللتذكير وللعلم فقد كان الليبيون اكثر وحشة وفظاعة من داعش فقد ذبح نقيب فى الجيش اسرة يهوديه ليبيه فى طرابلس تتكون من اب وام واطفالهم !! وقد يعث لهم الله من يذيقهم الذل والمهانه والفقر لمدة 42 سنه انتقاما من افعالهم والسيد الكاتب يتهرب من قول ان هذه المحلات التى تلتهمها النيران هى لمواطنيين ليبيين لا علاقة لهم بصوت العرب ولا احمد سعيد ولا عبدالناصر ولاعبدالحكيم عامر وعشيقاته ولا بالسيده جولدا مائير ولا بموشى دايان ولكن سوء حظهم هو من رماهم وسط هولاء الهمج المتخلفين ....
آخر الأخبار
إستفتاء
ما رأيك في “مبادرة السراج” وخطة الطريق التي اعلن عنها؟
عملية وممكنة التحقيق
تستحق التفكير والمتابعة
غير واقعية وغامضة
لن يكون حولها توافق
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع