مقالات

د. فتحي الفاضلي

نوري...

أرشيف الكاتب
2017/05/31 على الساعة 14:53

يوميا، وعلى مدار السنة، ومنذ عدة سنين، صيفا وخريفا وربيعا وشتاء، يستيقظ السيد نوري علي الفاضلي، فيؤدي صلاة الفجر، وبعد الانتهاء من الصلاة، يجهز بنفسه، حقنة الأنسولين، ويجهز بنفسه أيضأ وجبة الإفطار للوالدة الكريمة، يصعد بعد ذلك، إلى بيت العائلة (حوش العيلة) حيث تقطن الوالدة، فيعطيها الحقنة ويفطرها، ويقوم على خدمتها، حتى تنتهي من افطارها، يتبادل معها، أثناء ذلك، حديث يدخل به دقائق من السرور على قلبها، ثم يغادر إلى عمله، كل ذلك والباقون يغطون في النوم.

نوري، يفعل ذلك، وكما ذكرنا، يوميا، نعم يوميا، ولعدة سنين، دون كلل او تذمر او ملل، بل وبكل جد وصبر وإتقان وإحساس بالمسؤولية والواجب والإخلاص، لا يمنعه من ذلك، إلا المرض، بل إذا غاب، أو تأخر يوما، تدرك الوالدة الكريمة، أن فلذة كبدها، يعاني من المرض، الذي لازمه لمدة طويلة، وبالتحديد منذ 1998م، يهاجمه المرض - من حين إلى اخر - ومنذ ذلك الوقت.

جميعنا إخوة وأخوات، نتنافس ونتسابق، كل بقدر جهده ووقته، على خدمة الوالدة الكريمة، والفوز برضاها. لكن من الواضح جدا أن نوري، أنتصر علينا جميعا، وبلغ بره بوالدته مبلغا عظيما، هُزمنا أمامه جميعا، انتصر علينا نوري ببره لوالدته ومحافظته على صلة الرحم، خاصة إذا عما لمنا أن الوالدة الكريمة قد قاربت التسعين عاما، تعاني من السكري، كما سبق لها ان وقعت فكسرت رجلها، ووضع داخلها قطعة معدنية، وما زالت تعاني من جراء ذلك حتى يومنا هذا، وفقدت فوق ذلك بصرها، ولم تفقد بصيرتها، وتعاني ايضا، ما يعاني منه اصحاب هذا العمر، من ألام الظهر وألام أخرى، لكنها لم تفقد حيويتها واهتمامها بعبادتها، ولم تفقد - كما نوهنا - بصيرتها.

لم أسمع أخي نوري، ولسنين طويلة، يغتاب إنسانا، أو يتحدث بسوء عن شخص، قريب أو جار أو صديق أو زميل أو بعيد، ولو لمرة واحدة، وأشتهر بيننا، بالإضافة الى كل ذلك، عمليا، بالصدق والأمانة، نأمنه على الأموال، وعلى كل غال وثمين ونفيس، دون ورقة او كتابة او شهود او وثائق او عقود، ويمكنني، بكل ثقة وطمأنينة ويقين، أن أعتبره، أمين العائلة. نوري أيضا أنقذه الله سبحانه وتعالى من امراض أخرى عديدة، أنقذه من ان يكون بخيلا او ماديا او انانيا او ممن يسخرون من عباد الله او ينظرون إليهم نظرة دونية. كما أكد لي أكثر من زميل له في العمل بمركز البحوث النووية بتاجوراء، ان نوري ممن يتفانون ويخلصون ويبدعون في عملهم. وما شهدنا الا بما رأينا ولمسنا وسمعنا.

انتقل نوري الى رحمة الله سبحانه وتعالى، يوم الأربعاء الماضي، 24 مايو 2017م، عن عمر يقارب الخامسة والخمسين، وترك ثلاثة أطفال، آدم وسجى وأحمد، وزوجة مخلصة محبة لبيتها وزوجها وأولادها. وترك فوق كل ذلك، والدة، فقدت ولد بار، يعتني بها مع مطلع كل فجر، ستفتقده حتما في كل وقت.

لقد كان نوري ممن جاهدوا في والديهم، ففيهما فجاهد، كما قال الحبيب صلى الله عليه وسلم للصحابي الذي استأذن الرسول الكريم في الجهاد، فسأله الرسول صلى الله عليه وسلم "... أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد". ولقد جاهد نوري أيما جهاد.

تغمد الله أخي نوري، برحمته، وغفر له ذنوبه، وأسكنه فسيح جناته، وحشره مع الصديقين والأنبياء والشهداء، وأفرغ على زوجه واطفاله ووالدته، وعلينا جميعا، صبرا. وجمعنا به وبالمؤمنين باذن الله في جنات الفردوس. وإنا لله وإنا إليه راجعون. {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّة فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي}.

أخيك: فتحي الفاضلي
طرابلس- 30 مايو 2017م  

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع