مقالات

د. محمود سالم جدّور

الطرف الغائب في معادلة الوفاق الليبي!!!

أرشيف الكاتب
2017/05/27 على الساعة 15:53

تشهد الساحة الليبية منذ سقوط نظام القذافي، صراعاً سياسياً بين عدة أطراف مدعوماً بقوة السلاح بهدف  الحكم والهيمنة على مقدرات البلاد، والمحصلة النهائية التي أنتجها الصراع بعد مضي ستة أعوام، إنقسام السلطاتان التنفيذية، والتشريعية، إلى جانب إنقسام العديد من المؤسسات الأخرى وبخاصة البنك المركزي والمؤسسة العسكرية. ففي الشرق توجد حكومة محمد الثني المؤقتة، والبرلمان الذي يرأسه المستشار عقيلة صالح والبنك المركزي الذي يديره علي البحري والمؤسسة العسكرية التي يرأسها القائد العام للجيش الليبي المشير خليفة حفتر. وفي الغرب توجد حكومة الأزمة التي يترأسها خليفة  الغويل، والمؤتمر الوطني الذي يرأسه نوري ابوسهمين، وحكومة الوفاق الوطني التي يرأسها فائز السراج ومجلس الدولة الذي يترأسه عبد الرحمن السويحلي والمؤسسة العسكرية التي يترأسها وزير الدفاع العقيد المهدي  البرغثي، وكل منهم يدعي الشرعية لنفسه وينفيها عن غيره. أما المؤسسة القضائية فهي تكاد تكون في حكم العدم بسبب الظروف الأمنية

لقد ترتب على هذا الإنقسام  دخول البلاد في فوضى عارمة وانتهاك لسيادتها، وإهدار  لقدراتها وإمكاناتها، وتدمير لمقدراتها وتدني مستوى الخدمات بها، وانخفاض المستوى المعيشي للأفراد إلى أدنى مستوياته، وانتشار التهريب السلعي والبشري، وتراجع العملة المحلية أمام العملات الأجنبية بدرجة غير مسبوقة. وبالرغم من كل المحاولات التي جرت لإنهاء النزاع بين الأطراف المتصارعة والوصول إلى تسوية تقود إلى إتفاق، وبخاصة تلك التي قادتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا من خلال ممثليها آخرهم مارتن كوبلر  إلا أنها باءت بالفشل،   فلماذا ياترى فشلت كل محاولات الإتفاق؟؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب  قراءة واعية وواقعية للأحداث سواء على الصعيد المحلي أم الدولي، وتحليلاً لمجريات الأحداث بعقلانية بعيداً عن الذاتية والتعصب  والتحيز  التي اتسمت بها غالبية التفسيرات والتحليلات  للواقع الليبي الحالي.

دون شك، فإن ثمة عوامل كثيرة أدت إلى حالة الإنسداد السياسي الليبي، غير أنني سأركز على عامل أراه جوهرياً لم يتم الإهتمام به كثيراً والتركيز عليه، وهو في تقديري جوهر هذا الإنسداد والفشل الذي صاحب كل محاولات التهدئة والوفاق بما في ذلك محاولات بعثة الأمم المتحدة، والمتمثل في انعدام الثقة بين الأطراف المتصارعة. ذلك أن العلاقة بين غالبية الأطراف المتصارعة يسودها الفتور، والتوجس، والتخوف، أي تخوف كل طرف من تغول الأطراف الأخرى إذا ما تمكن من السيطرة على مقدرات الأمور في البلاد

وكما هو معلوم أنه وبالرغم من وصول الأطراف المتصارعة إلى اتفاق الذي عرف باتفاق الصخيرات والإعلان عنه في ١٨ ديسمبر ٢٠١٥م تحت إشراف البعثة الدولية، ودخول السراج إلى طرابلس في ٣٠ مارس ٢٠١٦م، والإعلان عن قيام مجلس الدولة على أنقاض المؤتمر الوطني، وتمديد عمل مجلس النواب بحكم هذا الإتفاق، إلا أن الوقائع على الأرض تظهر بوضوح فشل هذا الاتفاق حتى كتابة هذا المقال في تحقيق ما تم الاتفاق عليه

إن عدم تركيز البعثة على هذه المسألة - انعدام الثقة بين الأطراف المتصارعة - وسعيها لإيجاد حلول لها، ومحاولتها تجسير هذه الهوة بينهم وإرسال إشارات مطمئنة للجميع، عزز لدى الأطراف المتصارعة بمرور الوقت مشكلة أخرى تمثلت في عدم ثقة هذه الأطراف  في قدرة البعثة واستطاعتها رسم ملامح اتفاق حقيقي يقود إلى وفاق دائم. وليس هناك دليل أقوى على فشلها من استبدالها لممثليها الذين خلال هذه الفترة الوجيزة. إذن، طالما الوضع الراهن على هذا النحو  فما هو الحل؟؟؟

إن الحل يكمن  في وجود وسيط قوي يحظى بثقة كل الأطراف، ويعمل على عدم تغول وهيمنة طرف على الأطراف الأخرى إذا ما تمكن من السيطرة على الحكم. وعلى هذا الأساس يمكن تقديم صيغة جديدة  للاتفاق الليبي موجزة في المعادلة الآتية: الأطراف المتصارعة + وسيط قوي أو مؤسسة قوية = الوفاق، بدلاً عن الصيغة السابقة : الأطراف المتصارعة + البعثة الدولية = اتفاق.

غير أن الأسئلة التي يمكن طرحها هنا، من هو هذا الوسيط القوي الذي يمكن أن يحظى بقبول الجميع وثقتهم؟ وهل فكرة الوسيط القوي فكرة ناجحة وفاعلة أصلاً؟؟ وهل هذا الوسيط يكون من داخل البلد أم من خارجها؟

إن مجريات الأحداث والوقائع والحالات المشابهة للحالة الليبية سواء منها ما جرى سابقاً أم في الوقت الحالي، تقود إلى تأييد هذا التوجه والتأكيد على نجاعته  وأهميته. فمن الشواهد التي يمكن سردها على سبيل المثال، ما جرى في أواخر القرن الماضي في لبنان.   فالحرب الأهلية التي نشبت في هذا البلد واستمرت لعدة سنوات، والتي دمرت مقدراته وشردت مئات الألاف وقتلت وجرحت الألاف من مواطنيه، لم تنتهي إلا بتدخل وسيط قوي حظي بقبول كل الأطراف المتصارعة وثقتهم والمتمثل في المملكة العربية السعودية. ومن الشواهد الحديثة والمتزامنة مع الحالة الليبية حالتي  تونس ومصر.

ففي تونس التي شهدت إنهيار نظام الحكم نتيجة أحداث ٢٠١١م وما ترتب على ذلك من فراغ سياسي وبروز كتل سياسية طامحة للسلطة ذات توجهات فكرية مختلفة، جعل العديد من المحللين السياسيين والطبقة المثقفة تتوقع حدوث صراع بين هذه الكتل، وبالتالي دخول البلاد في أزمة سياسية تهدد  أمن المواطن والوطن، غير أن شيئاً من هذا لم  يحدث لعدة أسباب منها: أولاً، ترسخ مفهوم  الدولة المدنية لدى المواطن والمسؤول. ثانياً، وعي  المؤسسة العسكرية بدورها وابتعادها عن هذا الصراع. ثالثاً، وجود قدر مشترك من الوطنية والقيم العليا لدى الأطراف المتصارعة. رابعاً، تدخل وسيط داخلي قوي لحل هذه الأزمة والمتمثل في الرباعي الذي حاز على جائزة نوبل للسلام عام ٢٠١٥م الإتحاد العام التونسي للشغل، والإتحاد التونسي للصناعة، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والهيئة الوطنية للمحامين بتونس. إذ استطاع هذا ارباعي بما له من تأثير أدبي واجتماعي أن يجمع الأطراف المتصارعة على طاولة واحدة ويدير الحوار الوطني الذي بدأه في ٥اكتوبر ٢٠١٣م وينجز العديد من الإستحقاقات السياسية وبالأخص منها إنجاز الدستور الذي تمت المصادقة عليه ٢٠١٤م وأنهى بذلك حالة الصراع والأزمة السياسية.

أما في مصر فإن الصراع الذي احتدم بين الأطراف المتنازعة وبخاصة بين الإسلاميين ومن معهم والعلمانيين ومن معهم، وأسفر في النهاية عن هيمنة كل طرف على ميدان من ميادين القاهرة وما ترتب على ذلك من توقف لعجلة الحياة بالبلاد تقريباً وبات الأمر ينبئ باندلاع حرب حقيقية لا يعُرف منتهاها، ما كان له أن ينتهي لولا تدخل  مؤسسة قوية ونافذة في المجتمع المصري ألا وهي المؤسسة العسكرية

هذه الأمثلة تظهر بوضح أهمية وجود وسيط قوي أو مؤسسة قوية تحظى بثقة الأطراف المتنازعة في حل الأزمات السياسية، وهي تعزز رأينا أن الحل في ليبيا لن يكون إلا بوجود وسيط قوي يحظى - كما تقدم - بقبول لدى الجميع، لكن من يكون هذا الوسيط القوي؟ وهل يكون من داخل البلد أم من خارجها؟

فبالنظر إلى الواقع، فإن الحالة الليبية تختلف عن الحالتين المصرية والتونسية، وتقترب من الحالة اللبنانية. ففي تونس ومصر وبالرغم من حالة التردي السياسي  - الاقتصادي وتأثيره على الأوضاع الاجتماعية بالبلدين ووجود مؤشرات تنبئ بحدوث أزمة سياسية في كلا البلدين، إلاّ أن قدراً من المؤسسات الدستورية والمدنية والوعي الجمعي  كانت حاضرة قبل الإنهيار لتقود المرحلة وتُخرج بلدانها إلى بر الآمان على نحو ما تبين، أما في ليبيا فإن الوضع يختلف تماماً، فالنظام السابق  لم يسع إلى ترسيخ مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، ولم يسهم في تشكيل وعي جمعي لدى المواطنين بقيم المواطنة واحترام القانون كما يعلم متتبعي الشأن الليبي، لذلك فعند انهياره عقب أحداث ٢٠١١م لم تكن هناك أية مؤسسات عسكرية أو مدنية  يمكن أن يعول عليها في إنقاذ البلاد. فانهارت الدولة  ودخلت في فراغ سياسي ونفق مظلم، ولم تفد  كل المحاولات الداخلية لإنهاء الأزمة السياسية سواء تلك التي تمت على المستوى الاجتماعي والمتمثلة في لجان وملتقيات المصالحة ورأب الصدع على نحو الملتقى الأول لمجالس الحكماء والشورى بليبيا الذي انعقد في مدينة الزاوية بتاريخ ٢٦-٢٧ نوفمبر ٢٠١١م، أم على المستوى السياسي من خلال الإنتخابات التي جرت، أم التشريعات والقوانين والقرارات التي صدرت عن المؤسسات المنتخبة المؤتمر والبرلمان والحكومات التابعة لهما المتعلقة بالمصالحة وتجميع السلاح منها: قانون رقم ١٧ لسنة ٢٠١٢م المتعلق بإرساء قواعد المصالح الوطنية والعدالة الإنتقالية الصادر عن المجلس الإنتقالي، وقانون العدالة الإنتقالية لسنة ٢٠١٣م الصادر عن المؤتمر الوطني، وقرار رقم ٧ لسنة ٢٠١٤م بشأن حل كافة التشكيلات غير النظامية الذي أصدره مجلس النواب، والمبادرة الوطنية لإنقاذ ليبيا نوفمبر ٢٠١٤م التي  أشرف عليها نخبة من الحقوقيين والسياسيين والمثقفين بليبيا.

ونظراً لتعذر وجود وسيط داخلي قوي - مؤسسات مدنية أو عسكرية - واحتدام الصراع بين الأطراف المختلفة وفشل البعثة الأممية كوسيط  قوي يجمع  الفرقاء الليبيين على طاولة المفاوضات والخلوص إلى اتفاق للأسباب السابق بيانها، فإن الوسيط القوي الخارجي، في تقديري، بات هو الحل للمشكلة الليبية، وفي هذا السياق أقترح أن يكون هذا الوسيط  إذا كان عربياً، المملكة العربية السعودية، وإذا كان أجنبياً الولايات المتحدة الأمريكية. غير أن السؤال الذي أختم به هذا المقال والذي يمكن أن يكون مثار جدل ونقاش في الأيام القادمة، لماذا لم تتدخل هاتان الدولتان حتى الآن في حل الأزمة الليبية؟؟.

د. محمود سالم جدّور
 مدينة الزاوية ١٥ مايو ٢٠١٧م

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع