مقالات

أم العز الفارسي

(النسيان)... لروح إدريس المسماري

أرشيف الكاتب
2017/05/25 على الساعة 14:47

(دعونا نقول إنه لم يكن لآي منا أن يعود سعيدا بمعني الكلمة، ولا حتي للحظات، فما إن نحسب أنفسنا سعداء لوهلة، كنا ندرك أن هناك من ينقصنا، وندرك أن أسرتنا ليست كاملة،... إذ لم يعد ممكنا لسعادتنا أن تكتمل، حتي سماء الصيف الصافية، سأراها وأسرتي دائما مشوبة بسحابة سوداء).(اكتور اباد فاسيولينسي، رواية النسيان، ترجمة: مارك جمال عن الاسبانية)... هنا بيت القصيد وحكمة الرواية التي تجعل الذكرى عصية علي النسيان وأن ادعينا.

كما لوكان محتضنا لطفل وليد أحضر ادريس من رواية (النسيان) ثلال نسخ، منحني واحدة وبعث لليبيا اخري... واحتفظ بالاخرى، وبرغم عدم احتفائه بالروايات ذات الطابع الحزين الا أنه كان محتفيا بالكاتب الكولومبي اكتور آباد فاسيولنسيه في روايته المعنونة ترجمتها عن الاسبانية (النسيان) في يوم وليلة كنت قد اتممتها واذكر انني نزلت ادراجا علي الفيس بوك بشأنها. لم يعلق في ذاكرتي منها الكثير فقط تلك الأجواء التي حاول فيها الكاتب الاحتفاء بذكري والده المناضل، وكيف كان نضال عائلته في مواجهة الحزن النابع من فقد الابنة الواعدة، بالسرطان اللعين، وعجزهم عن مواجهته ودعم الاصدقاء لهم، في ظروف كولومبيا واوضاعها السياسية والعنف الموجه للحريات فيها، كما هو حالنا اليوم. كانت ككل الروايات التي تشدني احداثها ولا تنال اهتماما خاصا مني وسط ركام المشاغل التي تنهال علي حياتي، كما كل الناس في وطني.

اليوم ونا هنا أعيش فقد إدريس، وإنقضاء الشهر الرابع علي الفقدان شاهدا، اجتر ذكرياتي واحاول لملمة حياتي المبعثرة، اعود لصحبة النسيان، لا أعرف ماذا كان في عقله وهو يهدينا نسخ منها، هل كانت دعوة للتذكر أم تذكير كما تقول رضوى عاشور، في ثلاثية غرناطة "هل في الزمن النسيان كما يقولون؟ ليس صحيحا.. الزمن يجلو الذاكرة كأنه الماء تغمر الذهب فيه يوما أو ألف عام فتجده في قعر النهر يلتمع. لايفسد الماء سوى المعدن الرخيص يصيب سطحه ساعة فيعلوه الصدأ. لا يسقط الزمن الاصيل في حياة الانسان يعلو موجه صحيح، يدفع الى القاع، يغمر.. ولكنك اذ تغوص تجد شجيرات المرجان حمراء، وحبات اللؤلؤ تتلألأ في المحار. لا يلفظ البحر سوى الطحالب و الحقير من القواقع, وغرناطة هناك كاملة التفاصيل مستقرة في القاع.. غارقة".

كانت ليبيا علي وشك الانتهاء من الرواية حين تركتها مسجاة علي حافة المنضدة الصغيرة في غرفة نومها بتونس، لتطير صحبتي علي عجل الي جسد ادريس المسجي علي لوح بارد في مستشفي الجولف بالقاهرة، ولنتركه جسداهامدا تحت التراب خلفنا في بنغازي، وتسبقنا روحه وثابة تقتحم أمسياتنا وصباحاتنا وتنشر ظلال الذكريات الجميلة التي عشناها معه علي جدب أيامنا من بعده.

وها هي الرواية بين يدي، أعيد قراءاتها بروح اخري، أحس بكل حرف فيها، تصدمني أحداثها وأعيش حواراتها، فأسترجع حوارات الموت والنسيان والذكرى، أستعيد مزاحنا أنا وادريس عن الشيخوخة والمرض، ومقاومة الموت، وعن الارادة والأمل، وعن الحب والحرب والالم، عن الأمس الذي كان كالنار تتهاوى أمامه جميل احلامنا وعن الحلم الذي اضاعته رعونة الايام، وعن المستقبل الغائم، وعن تضاؤل الرغبة في مستقبل نعيشة كما كنا نحلم به، وعن مخاوف ادريس علي الاولاد، ورغبته في تأمين حياتهم اذ ليس لهم ذنب في الوجود هنا، وعن استلهام القوة من التاريخ ليستعيد جذوة النضال مجددا ضد الظلم، وضد البؤس، والجهل، وضد جحافل التتار الجديد التي تريد ان تطيح بما تبقي من حلمنا في ان يكون لنا وطن.

ترافقني كلمات ادريس وتمتزج بكلمات الكاتب، أحس بصوته حولي، ورائحته التي غابت، ودبيب خطواته التي تتناغم مع طرقات عكازه اليتيم، أستعيد رفرفة قلبي لحنانه، ومراهقتي حين يعرج علي اطرائه لصمودي أمام اطباق الحلوى، او فرحي بنقص كيلو من الشحم الذي يهاجم كبدي نتيجة خذل مرارتي لوظائفها.

هربت الي (النسيان) من حياتي التي شاركني كلها بمرها قبل حلوها، هربت من ذكريات الأبر اللعينة التي انغرزت في كل فتحة من مسام جسده الواهن الذي اكتوى بمشارط الاطباء وسياط التعذيب في المعتقلات التي كانت تلهب الروح، فتتصدى لها الارادة، هربت من أحزان يمنى الصغيرة اليتيمة التي كانت مدللته. هربت من كل شيء يخيفني الي حضن ليبيا التي تحاول أن تسند ضعفها بوهن جسدي وتراكم احزاني،   فاعجب لها حين تقول ليمني وهي تسترجع الصور باكية: تذكرين أحزانك فقط، الاتذكرين الصور الجميلة واين التقطناها واللحظات الجميلة وكيف عشناها، والحب الرائع وكيف عشناه؟... أحاول أن أستجيب لدعوتها للنظر للفقد بعين الذكريات الجميلة، أستدعي ادريس لرفقتي وانا احتسي قهوة الصباح المر كمرارتها، واستدرجه للتخاطر معي كما كنا نفعل عندما يغيب حرا او قسرا، فلا يفعل في الشهور الاربع التي احصي فيها غيابه بالدقائق حلمت به مرتين لاغير، لم نتبادل فيها الكلام، احتاج لان استشيره في كثير من اموري العالقة والتي زادها سؤا غيابه المفاجيء الطويل، لم نرتب لشيء، لم يوصي بشيء، لم ينتظر وصولي وليبيا لنلقي عليه تحية الوداع، لم ترسل جميلة ماء الرقية خلف جثمانه لكي يعود سريعا كما كانت تفعل دوما، غاب الي الابد وماعاد لنا من لقاء معه. وبرغم يقيني هاهو بين السطور يسرق دموعي ويلهب باحزان فقده كياني المرتعش في حضرة غيابه الطويل.

هذه الرواية (النسيان) أعيدها لتلامسَ ندوبا مازالت مثخنة بالصديد وجراحاً عميقة داخلي، مازال أزيز السلاح شاهدا عليها ينزف كل يوم! معاناة عائلة الكاتب ووالده تحديداً في كولومبيا في تلك الحقبة على رغم من أننا عشنا ومازلنا ماهو أكثر رعبا منها، الا أنه نسجها لتبقي شاهدا علي غياب العدالة في عالم الدكتاتوريات، واستحواذ القمع في عوالم الرعاع المنبثين حولنا كالغبار، الذين يزينون للطغاة فعائلهم وان لم يقتلوا الاجساد برصاصهم فهم يقتلون الارواح بظلمهم واهوالهم.ليس لان هذه الارواح وتلك الاجساد التي دفعت الثمن دماء كانت موهومة بما نسميه نضال ولكنها كانت عطشي للحرية التي تسموا فوق كل الاعتبارات.

أم العز الفارسي

بدر | 26/05/2017 على الساعة 17:14
... وكأنها وكأنهم أحلام !؟
فقدت منذاسبابيع قليلة حبيبة ولا كل الاحبة ، كلما أتذكرها تسيل العبرات رغماً عني ، اسمع رنين صوتها ولا اروع موسيقي الكون ، علمتني ان احي لمعناني جميلة رائعة ، تركت فراغاً هائلاً حتي ان الدنيا لم تعد بذاك المذاق كما كانت من قبل وهيهات... لم يستجب لي الله ان احضي بشرف حمل نعشها الي مثواها الاخير فزادت مرارة الغربة مرارة علي مرارتها ، اسأل الله ان يغفر لها ويجازيها عني خير الجزاء ويغفر لجميع الأمهات الطيبات الحنونات ، اللهم آمين
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع