مقالات

د. فتحي الفاضلي

النكب.. النكب.. النكب

أرشيف الكاتب
2017/05/23 على الساعة 15:36

بسم الله الرحمن الرحيم

تجربة مريرة أود أن أشارك القاريء الكريم بها. فقد تصدر ساحة المقاومة والمعارضة والنضال نخبة من خيرة أبناء الوطن أثناء حكم القذافي. وكثيرا منهم، كانوا، وما زالوا يمثلون قمة الوطنية والإهتمام والإخلاص لليبيا. شباب بلغ عطاؤهم بذل الروح في سبيل الوطن. أغلبهم لم يعانوا من مشاكل أو قضايا أو حاجات مادية قبل التحاقهم بركب المعارضة. أغلبهم كانوا ملتحقين بجامعات ومعاهد عالية راقية في الخارج، ضحوا بكل ذلك، وأنضموا إلى صفوف المقاومة او المعارضة. الكثير منهم كانوا يتلقون منحة من الدولة، خاطروا بها وفقدها أغلبهم. الكثير منهم كانوا يحتلون أفضل المناصب عندما تركوها والتحقوا بالمعارضة. بعضهم أعطى في الجانب الثقافي، وغيرهم في الجانب السياسي، وأخرون في الجانب العسكري، وبعضهم الأخر في الجانب المالي. والكثير منهم. الكثير جدا. ما زالوا على العهد مع الوطن. صفحة لا شك مشرقة.

لكن التجربة المرة المريرة تتلخص في مجموعة أخرى من الأقلام والمثقفين والإعلاميين والسياسيين من جميع التوجهات، صدعوا رؤوسنا بفكرة المقاومة والمعارضة، ونبذ العسكر والطواغيت والديكتاتورية والاستبداد والاضطهاد والعبودية والحرية والتضحية والضحايا والقمع وسبعة ابريل والظلم والتعذيب. بعضهم يساري، بل  ينتمي إلى أقصى اليسار، أو هكذا كان يدعي، وأخرون لا إنتماء سياسي لهم، وغيرهم إسلامي، بل من مؤسسي التيارات الإسلامية، ومحرري المطبوعات والمجلات الإسلامية.

خلطة عجيبة من معارضة الأمس، من مقاومة الأمس، من كفاح الأمس ضد الطغاة،  منهمكون هذه الايام في نحت صنم جديد، تناسوا مآتم الأمس، بكاء الأمس، مآسي الأمس،  النفي القسري، الغربة، الظلم، الإعتصامات، المظاهرات، المؤتمرات، الفقر، الحاجة،  المعاناة، التضحية بالنفس والدراسة والمال.

نسوا القمع والذل والتعذيب، الذي تعرض له المواطن في ليبيا، نسوا دماء زملائهم، نسوا المشانق والمقامع، بعضهم نسى معتقداته الليبرالية واليسارية والعلمانية، واستبدلها بأسوأ منها، بعضهم نسى قيمه الإسلامية، وأنهمكوا - جميعهم - في صناعة طاغوت قديم جديد، وتبجيل حذاء جديد، ربما اكبر حجما هذه المرة، أنهمكوا في تبجيل العسكر والحراب والخوذات وأصوات الجنازير والزنازن  والقضبان والدبابات. تغاضوا عن دماء ليبية تُسفك، أمام مرأى ومسمع العالم الأعور الظالم الوقح، أنحازوا إلى السجان، وبرروا للجلاد جلده للناس.   

صمتت ألسنتهم وأقلاهم وصحفهم وأوراقهم ومقالاتهم، عن ممارسات تواضعت أمامها،  ممارسات كانوا بسببها يقيمون الدنيا ولا يقعدوها، تغاضوا عن إقتحامات، عن مداهمات، عن إعتقالات، عن مراكز حديثة للتعذيب، عن سجون ومعتقلات وأقبية جديدة، تغاضوا اليوم عن موتى بالجملة، قضوا، تحت التعذيب، تغاضوا عن إغتصاب، عن تهجير بنات الناس، عن حرق الجثث، عن التجول بالجثث، عن شنق الموتى، عن نبش القبور. ظلم اسود انود، واضح للأبكم والأعمى والأصم، لكنه غير واضح بالنسبة لهم، لم يروه، رأوه بالأمس، بكل سهولة، لكن، طمس اليوم على قلوبهم وعيونهم وعقولهم، تجاهلوا مذابح، وحصارات، وتجويع، وغدر، وإذلال للنساء والأسرى والأطفال والشيوخ والكهول والضعفاء. شرعنوا بأقلام مغموسة بدماء فلذات اكبادنا، المسار الدموي الجديد.   

 نسوا أحزاب وفصائل أسسوها، بإسم الوطنية، كل منها كان يحمل اسم الوطن، وليبيا، والوطنية، لكنهم اليوم، خلعوا جلباب الوطنية وأرتدوا جبة القبلية والعصبية والجهوية والنازية والفاشية، مذاق الظلم الذي سقاه لهم الاله السلف، لم يشعرهم بمرارة الظلم، بل رسخ فيهم حب الإنتقام والتشفي وردود الأفعال.

تناقض، وكيل بألف مكيال ومكيال، وإنحياز للظلم، والقمع، والسلطة، ولهاث أشد من لهاث الضباع نحو الكراسي والمناصب والمكاسب، وتجاهل لجرائم يندى لها جبين الصخرة الصماء، لا وطنية ولا حياء ولا خجل.

لا وفاء لزملاء وسجناء وضحايا وشهداء ودماء الرفاق، لا وفاء لمسيرة شاقة، ضد طاغوت ارعن احمق اهوج، بل إنتكاسة، في القيم، في المباديء، في الوطنية، متمثلة، هذه الانتكاسة الكارثة، في صناعة ومدح ومبايعة ودعم ومساندة طاغوت، أكثر رعونة وحمق وهوج من سيده السابق.

 والتساؤل والإستغراب والسؤال الذي يفرض نفسه على المشهد، هو: هل كانوا حقا يؤمنون بما كانوا ينادون به من وطنية وحرية ومقارعة للظلم والتخلف والفساد المالي والاداري وعبادة الفرد؟ اين ذهب الظلم الذي تعرضت له الطبقة الكادحة الفقيرة والبروليتارية؟ أين ذهبت أسلمة المجتمع (وكأنه مجتمع  غير مسلم) وتحريره من القهر والعبودية والإستبداد؟ أين ذهبت كلمة ليبيا، كلمة الوطنية، كلمة الوطن، كلمة الأم.. إلخ؟ هل كانوا حقا يؤمنون بكل ذلك، بكافة مشاربهم ومذاهبهم ومدارسهم المتقلبة كالزئبق.  

وان كانوا غير ذلك، أي أنهم، لم يكونوا يؤمنون بما كانوا ينادون به، اليس من حقنا – إن صح ذلك - ان نتسأل لماذا اذن المقاومة والمعارضة اصلا؟ اليس من حقنا أن نصفهم بخيانة الضحايا، والمباديء، والقيم، والوطنية، والوطن؟ اليس من حقنا أن نشك في كل شيء؟ هل كانوا من المنافقين؟ هل كانوا من المندسين؟ اليسوا هم أحد أهم أسباب إنتكاسة ثورة 17 فبراير، التي جاءت بعد احواض الدم، منها دماء أقرب المقربين إليهم، صحبة وعشرة ورفقة وزمالة ونضال، وبعد عقود من الظلم والقهر والغدر، وبعد عقود من  الصبر والإنتظار والمعاناة. هل  كانوا يتاجرون بدماء وأموال وأرواح رفقاء النضال؟ ثم من حقنا أن نتسأل أيضا: هل يدركون وقاحة موقفهم اليوم؟

نعم هم أحد أهم أسباب النكسة، مثقف إسلامي، على سبيل المثال، أو هكذا كنا نعتقد، ومؤسس ومحرر لمجلة إسلامية، ومشارك في تأسيس جماعة إسلامية، أحتل صفحاتها، مقالات عن الحرية، ومقارعة الطواغيت، وآيات التمكين، ومحاربة الظلم والظالمين، يريد أن ينشر رأية الإسلام، ويقارع العقيد الظالم الذي حارب الإسلام والإسلاميين، ينتهي به المطاف - هذا النكبة - الى ان يتغاضى عن سفك الدماء ودمار الديار والاوطان وقتل الشيوخ والحفاظ والائمة والأطفال والنساء والأبرياء. وتراه يركض خلف سراب المجتمع الدولي والعسكر الذي أضاع نصف عمره في مقارعته. مثقف أخر يساري شيوعي إعلامي "مخضرم"، أو هكذا يريدوننا أن نعتقد، صدع رؤس الطلبة في الخارج حول البروليتارية والفقراء والطبقات الكادحة والبرجوازية ورأس المال، وجذب العديد منهم وجرهم وراء ترهاته وأبعدهم عن مسارات وطنية أخرى اقرب لبلادنا وتاريخنا ومعتقداتنا، ثم ينقلب الف درجة ودرجة، ويترك أتباعه أو بالأحرى ضحاياه، في اقل من ثانية، نسى الإعلامي المأجور المخضرم الكادح، كل ماضيه، أو بالأحرى تناسى ذلك، وأخذ يبرر لسقوط القيم  والمبادي بالف مبرر ومبرر أخر. السيد الذي رفع لواء البروليتارية والإنسان البسيط المضطهد تحول الى مصاص دماء يقتات على دماء الفقراء والضحايا والعمال والمضطهدين في رحلة لم تنته - حتى يومنا هذا- من التدليس والكذب والتهميش لمعتقداتنا ودمائنا واحلامنا، رحلة لم تنته من المتاجرة بالمباديء والقيم والمعتقدات.

نكبة ثالثة ورابعة وخامسة أنغمسوا في جهوية عفنة نتنة قذرة. وأنغمسوا في بحر من التبرير الأجوف السطحي الغبي، تبرير للقتل للدمار للفشل للتدخل الخارجي لإستباحة سيادة الوطن، لإستباحة كرامة الإنسان، إنقلبوا من معارضين، من مقاومين، من مناضلين إلى مسخ مشوه من التملق والوصولوية والتسلق.

ما أن تتصفح مقالاتهم، قبل ثورة 17 فبراير، وتقارنها  بمقولاتهم ومنشوراتهم على الفيس ومقالاتهم وتصريحاتهم بعد ثورة 17 فبراير، حتى ترى أمامك حرباء ضخمة بشعة مشوهة قذرة، تتلون بالف لون ولون، وترى أمامك عصارة الكذب والدجل والنفاق، وتفوح من مقالاتهم وتصريحاتهم - بعد الثورة - عفونة لا تطاق من العصبية والوصولية والجهوية.

ثورة 17 فبراير حرقت الف قناع وقناع وقناع. أقنعة، كانت تخفي خلفها بشاعة، أشد من بشاعة العقيد.

مرة أخرى، لن ننسى الصفحة المشرقة، فابطال تلك الصفحة، من الذين قاوموا الظلم والقهر والديكتاتورية والإستبداد، داخل ليبيا أو خارجها، من المدنيين والعسكريين، من الشيب والشباب والنساء، من الطلبة، من الائمة، من الشيوخ، من الكتاب، من المثقفين، من العسكريين. أبطال تلك الصفحة، ما زالوا، على العهد، ضد الظلم، مهما كان مصدره، ما زالوا، ضد سفك دماء الليبيين، دون تمييز بين دماء ودماء أخرى، ضد حكم العسكر، ضد إذلال المواطن والوطن، ضد القهر، والظلم، والإستبداد، ومع ليبيا وطن واحد، مع الحرية دائما، حرية وكرامة الإنسان التي وهبها له الله.  

أما لأصحاب، الصفحة المظلمة القاتمة، فقليل من الحياء تبا لكم، وكفاكم دجلا وتسلقا ولهاث خلف حطام تافه على حساب معاناة الوطن وعلى حساب دماء فلذات اكباد الوطن.

د. فتحي الفاضلي
طرابلس- 20 مايو 2017م 

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع