مقالات

فاطمة غندور

حدّثَ أبي قال… (1 من 3)

أرشيف الكاتب
2017/05/15 على الساعة 10:17

أنا عبد الله الزروق غندور، كنتُ صبيا لم أتجاوز الثالثة عشر من عمري أربعينيات القرن الماضي في واحتي براك باقليم فزان بليبيا، انهيتُ دراستي المقررة بالمدرسة الايطالية - العربية إذ تلقينا مع مواد اللغة الايطالية علوماً ورياضيات، مادتي اللغة العربية والتربية الاسلامية على يدي معلمينا محمد بن زيتون(*)، ومصطفى الاسطى(**) وقد جاءا من طرابلس لواحتنا براك المركز الاداري للأقليم وقتها، والتي حج إليها طلبا للعلم ومحو الامية تلاميذ وتلميذات واحات مجاورة، أتذكر صويحباتنا التلميذات ينزلن من سيارة عجيبة خُصصت لأحضارهن، تلميذات واحة أدري يلتقين عند مدخل مدرستنا مع بنات واحتنا وصفنا: مهاره عبد النبي، وأمنة ددو، والشقيقتان أمباركه ومبروكه عبد الوهاب، في مدرستنا ألبسونا الزي الخاص (مريلة) وحُضرت لنا وجبة في الاستراحة، وخرجنا رحلات للغابة القريبة المليئة بالنخيل، كنا وقتها نعتبرها كشفاً إذ لم يُتح لنا أن نُغادر مُربع الواحة، ومُنحنا شهادات التخرج وبعضنا حصل على تكريم لتفوقه كانت واحدة من عُملة "دورو" التي جرى تداولها، وحين ودعنا الصف رجعنا نتردد على شيخنا بالمحضرة (زاوية الكتاتيب) التي تقع بناحية من الجامع فقد كان بعضنا يُعد نفسه معلما للقرآن، وكما كنا نسوح عملا رفقة أهلنا عند نخيلنا وشياهنا، لاحقا دراستي في المحضرة ستفيدُني عند انتقالي لطرابلس إذ وظفني الشيخ محمد الماعزي في زاويته بالظهرة.

رجل المقاومة: الشريف الذهبي

في أوائل الاربعينيات (1943) كان مجيء الفرنسيين لأدارة فزان قد ألقى بظلال قاتمة كئيبة ساعة استعمروا الواحة عقب المحتلين الايطاليين إذا بادروا بمعاملة تعسفية وزرعوا الرعب في كل أنحاء الواحة، وكان أبي الزروق قد علم بسجن ثلاثة من رفقته تُهمتهم أن جرى كشفهم ساعة ردموا سلاحهم في مخبأ باطراف الواحة وقد أكتشفتهم عيون وبلغت عنهم، وأُعلن عن عقوبة قاسية هي الاعدام لمخالفتهم الاوامر بعدم الاستجابة لنداءات لم تكف لتسليم الاسلحة، مازال مشهد دموية الانتقام من رجل المقاومة: "الشريف الذهبي"(***) ماثلا أمام عيني، حكى والدي عن وفد تألف من شيخ الواحة وبعض رجالات الاحياء الاربع لبراك (الزاويه، المصلى، القصر، العافيه) اذ عرضوا فدية بمقابل أطلاق سراح "الذهبي" لكن مسؤول السجن رفض رفضا قاطعا معيدا عليهم أن لا فصال في معاقبته، من استطاع مقابلة "الذهبي" نقل وصيته بعد أن وصف روحه المعنوية العالية، والتي تمثلت في جملة واحدة بما فحواها: أنا لا أخاف الموت، فقط أحسنوا دفني، وكأنه أحس ببشاعة ما سينفذه الفرنسيون من تعذيب جسدي يومي سجنه ثم التمثيل بجثته، وكانوا عقب اعدامه أخرجوا الاهالي ليشاهدوا درسا لهم بأن لا يتجرؤا على مخالفة الاوامر، كان والدي يوم أُعتقل "الذهبي" قد حملني حبات من التمر وجرة ماء واستطعت الافلات من مراقبتهم اذ ظنوا أنني اتمشى لاهيا، ومع اقتراب ظلمة الليل دفعت باب سجن "دار قوزايا" وكان من سعف النخيل، ودخلت عليهم وبلغتهم سلام والدي وأمانته، أتذكر أنهم كانوا صامتين، وبادرني الشريف الذهبي وربت على كتفي واحتضنني ثم دفعني بعدها مشيرا بيده الى أن أغادر سريعا سرقتُ النظر إليهم متعجلا فوجدتهم يناولون بعضهم ذلك الزاد.

وفي الواحة أخذ المحتلون من الجنود الفرنسيون راحتهم في الحركة والتنقل صباح مساء، وفي استباحة لكل بقعة غير مُراعين لحرمة بيت أو حياض الزرائب والحظائر وجداول الزرع ما عمرت ببعض من الخضار التي اعتاش الاهالي منها فقد تقاسم الفرنسيون كما الطليان جبراً محاصيل أهالي الواحة.

حين كُنا وجيراننا في بعض الليالي نفترشُ الارض ويظللنا قمر الصحراء تحمست راوية الواحة زينب بارينا وبدت تُشيد بشجاعة شقيقتي الكبرى"نفيسة" التي غابت عنا يومها تحسبا لغضب أو ملامة منا أخوتها أو من زوجها، أو ربما لاعتبارٍ مُجتمعي مُحافظ، فقد سربت قريبةٌ للخالة "بارينا" الخبر، وكيف حملت شقيقتي منجلها وتصدت لأحدهم إذ باغثهن المتسكع الفرنسي مُتحرشا وهن يجمعن حبات التمر المتساقطة (النفيض) وقد صاحت أحداهن : يا بنات.. ألحقن ..تعالن.. ما تباعدن... جرت "نفيسة" فقد كانت أرشقهن حركة، وخمنت أن الصراخ اشارة الى ملمة وأمر جلل مس رفيقاتها بغابة النخيل، حملت محشتها عاليا وما إن بان عليها ذلك الفرنسي، حتى صاحت فيه لاعنةً فعلهُ، فما كان منه إلا ان أطلق ساقيه للريح، ما حمس البنات المُرتجفات لرفع ما يقع بأيديهن من الارض ورميه عقبه، وهنا قالت "بارينا" حمسنا فعل "نفيسه"، ولنا مع  بني هلال ميعاد هلموا لنُكمل السيرة.

فاطمة غندور

(*) محمد بن زيتون: المعلم الرائد، والكاتب الذي نشر مقالات في جريدة ليبيا المصورة في نهاية الثلاثينيات وعمل رئيسا لوكالة الانباء الليبية عقدي الخمسينيات والستينيات.

(**) مصطفى الاسطى: ظل معلما بولاية طرابلس وهو والد الكاتبة والباحثة أسماء الاسطى.

(***) هي سيرة  غابت ولم تدون في سجلات الجهاد الليبي "مرويات الذاكرة الشفوية"، ولم يُدرج أسماء هؤلاء الشهداء الابطال (وقد أعلمني الاستاذ  الفاضل زايد أبوبكر فنير أن خاله "السنوسي مرسيط" كان رفقة الشريف الذهبي وأعدم أيضا في ذات اليوم)، كما لم يطالب نظامنا السابق من فرنسا بتعويض عن حقبة من الاستعمار لجنوبنا مارست فيه السلطة الاستعمارية الفرنسية ضيما وعسفا على كل سكان واحات الجنوب.

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
عادل الغرياني | 17/05/2017 على الساعة 08:52
احسنتي
سرد رائع ومشوق ، بالتوفيق ومزيدا من الابداع.
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع