مقالات

محبوبة خليفة

(مشوار)

أرشيف الكاتب
2017/05/03 على الساعة 17:45


 

وقَفَتْ على ناصية الزقاق الصغير- حيث تسكن - هذا الزقاق المطلّ على (البياتسا الحمراء) حيث مدرسة البنين ذات البناء الايطالي الجميل تطل ببهاء على الميدان الصغير حيث مرقد (سيدي امحمَّد بَيّ) ساكنُ المدينة الذي يتوسط مقبرة قديمة مسيجة بسياج قصير بحيث يمكنك مشاهدة شواهد القبور لاطيافٍ من البشر مرّوا على هذه الدنيا وعاشوا بين أهلها وينامون هنا بسلام.

في هذه البياتسا لَعِبَتْ وتأملت جلسات الرجال امام دكان سي (علي) يلعبون (السيزا) يرسمون على الارض مربعاتٍ ويوزعون الاحجار الصغيرة المستوية وتراقب صياحهم وضحكاتهم ثم تعرج على صنبور المياه الجميل على هيأة تمثالٍ دقيق النحت يخرج منه الصنبور وبضغطةٍ بسيطة تنساب المياه فيندفع الصبية والبنات يمدّونَ اكفّهم تحتها فتتناثر قطراتها الباردة على وجوههم وملابسهم فينعمون بسعادةٍ طارئة وبريئة وسريعة حيث سيأتي من ينهر من الكبار فيبتعد الجميع عن الصنبور ويعود تمثالاً مُلفتاً لدقة صنعته وجماله.

هذه هي الساحة التي يتفرع منهاالزقاق الصغير حيث تقف الصغيرة تنتظر رفيقتها القادمة من هناك... هاهي تلوح بيدها وتلقي تحية الصباح إسمها (منى) وهي ابنة قاضيٍ معروف، صغيرة الحجم دقيقة الملامح شقراء، بين الصغيرتين ودٌ قديم قدم طفولتهن وصباهن، وقفن متجاوارت ينتظرن الثالثة (مريم) القادمة من (ستّ استينسا)* ابنة عائلة كبيرة العدد يسكنون هناك، ستمرُ الصبية من البياتسا الصغيرة حيث الشجرة الضخمة التي تظلل مساحة كبيرة منها وحيث الخوف من ابنة الطبيعة الوارفة الظلال هذه، وقد افهم شقيق هذه الصديقة الصغيرات بأن أوراق الشجرة هذه تحمل اسماء سكان المدينة وانه في ليلة (الاسراء والمعراج) يهزُّ الله هذه الشجرة فاذا سقطت بعض الأوراق فإن أسماء اصحابهاسيموتون في العام الذي يليه! فكن يسمعن له ويصدقنَهُ ويُصَبنَ برعبٍ إن مررن بها فما بال هذه المسكينة التي تعبرها كل صباح وكل ظهيرة ذاهبة وعائدة إلى ومن مدرستها!

تجمعنَّ وتشابكت ايديهن واخذتهن الطريق الى المدرسة، كانت المسافة بالنسبة لذلك الزمان الجميل طويلة لكنها ممتعة سيسعدهن مناظر المحلات الصغيرة (دكان سي مفتاح) وامامه زحام لتلاميذ يناولهم سندويتشات التونة من اعداده ملفوفة بحرص، وستعرج احداهن على محلات (بن حليم) فتصعد الدرجتين الى المحل وتحيي وتنتظر تجهيز (سندويتشها) وتراقب يده وهي تقطع دائرة الجبن الحمراء اللذيذة فيسحبُ منها بعض القطع ويفتح الخبز الساخن ويضع الجبن ويلفه بورقٍ خاص ويعطيه لها ويوصيها ان تسلّم على والدها فتهز رأسها مؤكدة انها ستفعل - تعود الصغيرات الى الطريق مسرعات الخطا فيعبرن الجسر الذي يقسم المدينة الصغيرة أو الذي يربط ضفتيها فيرفعن ارجلهنّ الصغيره قليلاً عن الأرض ليستمتعن بمنظر الوادي الجاف الذي يمتلأ احياناً في موسم الامطار- ثم يواصلنّ الطريق بخفة فيصلنَّ الى ساحة صغيرة تطل عليها محلاتٍ متنوعة، بعض الترزية المعروفين في المدينة - التي يشتهر شبابها بالأناقة - ومكتبة كبيرة تعلن عن كتبٍ جديدة بواجهتها، ومحلاتٍ لبيع الملابس والساعات وهكذا يتبادلن على عجل المشاهدة على جانبي الساحة ثم يعرجن الى الشارع الكبير (الفنار)... وعندها تُسرع الخطوات ويعلو وجيب القلب ويساوين هندامهن ويقتربن من السور المهيب ثم البوابة الصغيرة المحاذية للمدخل الرئيسي ويلقين التحية على الخالة (مبروكة) فتُشرع لهن الباب ويدخلن مسرعات حيث التزاحم والاصطفاف وموسيقى الصباح ويعلو النشيد فيرددن معه بنشاطٍ وحبور وبعدها تقف على العتبات المواجهه للصفوف (ابلة سالمة) بهتافها اليومي: يعيش جلالة الملك يا يعيش يا، يعيش يا، يعيش يعيش يعيش...

محبوبة خليفة

* ميدان صغير.
* حي صغير بدرنة.
- صورة لاحدى ساحات درنة للمصور شحات شليمبو.

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
م.ب | 05/05/2017 على الساعة 00:49
مشوار العودة ... سكب سال دمعها !!!؟
...وعند كل بوابة يردد " عايلة نازحة ،عائلة نازحة!؟ " يا لا سخرية الاقدار !؟ أيكون لاجئاً و في وطنه !؟ رجع الي ربّاية الذايح ،اللي خلو هلها ذوايح، لم تبدو لعينيه زاهية وضّاءة كما كانت تبدو له من قبل !انتابه شعور بغربة قاسية في مدينة ولد وترعرع فيها وعشق ترابها، ان تبدو غريبة عنه حزينة ، كأنها لا تعرفه ؟ ولا هو يعرفها ؟ و زاد شعوره قسوة و مرارة من هول رؤية بيتِه أنقاضاً لم تنجُ منه الا غرفة واحدة، كانت قد نجت من القصف ، اما بقية المنزل فقد كاد السقف يلامس الارض ، لم يجد اي قطعة لأثاث ولا أدوات لمطبخ ، كل شيء من المنزل اختفي!؟وبينما هو بين الركام ، قادته رجلاه بين الانقاض الي تلك الغرفة الوحيدة المتبقية من الدمار، لاحت منه التفاتة الي صورة معلقة علي الجدار،كان يعلوها الغبار و قد كُسر زجاجُها،أزاح عنها الغبارالكثيف فتبدت له صورة تلك الحنونة الودودة باسمة ضاحكة،متطلعة اليه كأنها مواسيه، احتضنها وضمها الي صدره المثقل المتعب بشوق وتحنان ،أجهش في البكاء ،وتعالي نحيبه ؛كان بكاؤه بكاءً مراً،لم يبكِ علي وطن ؟ بل بكي التي رحلت ولم يبقي منها إلاّ ذكراها ... فما جدوي وطن بدون ذكري الأحبّةِ فيه !؟
نورالدين خليفة النمر | 04/05/2017 على الساعة 16:30
ـ وهانا نبدأ ـ
مشوار سكب سال دمعها/ علـ الخدود إنهار/ وموج يدلف تيّار بعدْ تيّار /حدف الصغيرة في جنّة النوّار / وفي درنة السهاري / ماقعد سُمّار من ضيم وطننا .
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت موافق على عملية الإفراج على الساعدي القذافي واخرين من عناصر النظام السابق
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع