مقالات

عبد الرحمن الشاطر

نواقيس دقت... لكنها لم تسمع

أرشيف الكاتب
2017/05/02 على الساعة 19:44

كلما ذكرنا كلمة الحرية تقفز مقولة الفاروق عمر ابن الخطاب الى عقولنا (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا). اليوم 3-5-2017 نحتفي باليوم العالمي لحرية الصحافة.. وكأننا نحتفي بانتفاضة الشعب الليبي يومي 15 و 17 فبراير من العام 2011 وهو يصدح (حرية.. حرية.. حرية)  وبالتأكيد فان المقصود هو مفهوم الحرية بصورة عامة. التحرر من القيود والحكم الشمولي.. والانطلاق الى ممارسة حرية التعبير وحرية العمل وحرية التنقل وحرية الملكية الخاصة  وحرية الاعتقاد السياسي وحرية التنوع الاثني وخلافها من الحريات.

بعد ست سنوات من انطلاق الحناجر وهي تطالب بالحرية كمفهوم عام.. نجد أنفسنا محصورين ومحاصرين من عدة جوانب تقلل من حريتنا وتحد من ممارستنا لها. فأصبحنا نخاف أن نتكلم كي لا  تلصق بنا التهم السياسية جزافا.. هذا اخواني وهذا ليبرالي وهذا علماني . كما أصبحنا غير قادرين على ممارسة حق العمل لأن أبواب الرزق وفرصه تنكمش يوما بعد يوم ليرتفع مؤشر البطالة بين الشباب الى حد قياسي.. وأصبحنا لا نستطيع أن ننتقل بحرية لزيارة أهلنا في منطقة أخرى غير المنطقة التي نقطنها خوفا من الاختطاف على الهوية.. وأصبحنا غير قادرين على الاقامة في ممتلكاتنا لأنها احتلت من خارجين على القانون مطالبيننا بدفع الجزية. وبذلك أجبرنا على الاستسلام الى الأمر الواقع وانتظار ما لا نرى أنه قادم في وقت قريب.

احتل السلاح الساحة واقتحمها بعنف.. فعطل القانون والمنطق و المفروض والمتوقع.  فلا عاقل يسمع كلامه.. ولا قاض ينفّذ قراره.. ولا سياسي يتخذ قرارا فيضمن تنفيذه. غابت حرية تأسيس الدولة المدنية.. وحضر بامتياز تأسيس دولة الغنيمة للقوي الذي يحمل بندقية.

هناك خلل جعل صيحة المواطن العادي أيام الانتفاضة مطالبا بالحرية تأخذ منحى آخر غير المقصود والمستهدف.

ساد سلوك الفوضى وطغى على الفهم الحضاري لمفهوم الحرية.. وشوه مفهوم حرية التعبير وحرية الصحافة والاعلام واختطف لخدمة أجندات خاصة. بل ان المفهوم العام للحرية اختطف وبدأنا نشاهد من  يعتدي على القانون باسم الحرية.. ومن يعتدي على حرية الآخرين انتصارا لحريته.. ومن يعتدي على أملاك الدولة ويعتبرها (رزق حكومة رزق بيليك).. ومن يقفل مصادر الطاقة التي تمثل قوت الليبيين انتصارا لمطالبه الخاصة.. ومن يتاجر بالتهريب على كافة أنواعه من باب حق العمل أو هكذا يتصورون. غاب الاحساس بالوطن كوعاء يجمعنا جميعا كشركاء فيه. وحلت محله الممارسات الأنانية على مستوى الأفراد والقبائل والمناطق والأقاليم.

هذه الممارسات الخاطئة لمفهوم الحرية نمت واستفحلت في غياب مؤسسات الدولة أو بالأصح منع قيام مؤسسات الدولة بالقوة. هذا ما تعرض له المؤتمر الوطني العام كتجربة أولى لممارسة العمل الديمقراطي بعد غياب امتد لأكثر من ستين سنة. حيث تعرض منذ شهره الأول لاعتداءات أحدثت تشويشا وتشويها لأدائه من خلال أكثر من مائتي اعتصام واقتحام واعتداء بالسلاح على مقره وخطف أوقتل بعض من أعضائه المنتخبين انتخابا صحيحا. واستفحل الأمر بما شاهدناه يحدث لمجلس النواب.. وما رصدناه من اعتداء على ارادة المواطنين الليبيين الذين انتخبوا مجالس بلدية بارادة حرة  فاذا بخطوات واجراءات تتخذ لعسكرة الدولة بتعيين أمراء عسكريين ليحلوا محل ارادة الناخبين.. أي أننا شاهدنا اغتيال العمل الديمقراطي بغلق صناديق الاقتراع وفتح صناديق الذخيرة والسلاح والرعب.. أي أن الاتجاه يسير بنا لتكريس حكم شمولي عسكري خلفا واستنساخا لحكم قال الشعب في انتفاضته أنه يريد أن يتخلص منه نهائيا ولا يريده أن يتكرر بأي شكل من الأشكال.

اليوم نحتفي باليوم العالمي لحرية الصحافة.. وأنا لا أريد أن أنغص عليكم بكلمتي هذه وكأنني أفتح سرادق مناحة نتقبل فيه عزاء وأد الحرية والدخول الى المجهول.

في يوم 16 من الشهر الماضي أصدر المركز الليبي لحرية الصحافة تقريرا صادما رصد فيه ما آل اليه الخطاب الاعلامي في أهم فضائيات توجه خطابها للرأي العام الليبي.. رصد ممارسة كافة وسائل الاعلام المشمولة في التقرير وتبنيها خطاب الحقد والكراهية والتضليل وشحن الأنفس والدعوة للقتل والتقسيم والتخوين والتكفير مع الفارق في الغلو في هذا الخطاب بين فضائية وأخرى. تقرير صادم ومرعب بالنسبة لي كمواطن وكاتب صحفي وسياسي. لا أقبله كمواطن ولا أؤيده ككاتب صحفي وأرفضه ولن أتعامل معه كسياسي.

خطاب الكراهية هذا نشأ ونما وترعرع بفضل عدم اعطاء الاعلام حقه من الاهتمام. نبّهتُ أول رئيس للوزراء في أول حكومة بعد التحرير بضرورة اعطاء الاعلام والثقافة اهتماما خاصا لأننا نتحول من ثقافة عهد سابق الى استحداث ثقافة مرحلة جديدة لبناء دولة المؤسسات الدستورية.. ولم تلق دعوتي قدرا ولو بسيطا من الاستجابة أو الاهتمام.. وسعيت من خلال تواجدي في المؤتمر الوطني العام بما قدمته من مذكرات سواء للمكتب الرئاسي للمؤتمر الوطني العام أو الحكومات التي أنشأها بأن يحظى الاعلام والثقافة باهتمام خاص. لست وحدي الذي استشعر الخطر القادم.. هناك وطنيون كثر كانوا يكتبون ويقدمون الدراسات في هذا الصدد وكنت أتفاعل وأتواصل مع الكثيرين منهم لنقل آرائهم الى المستويين التشريعي والتنفيذي.. نواقيس دقت.. ولكنها لم تسمع. واليوم هناك استباحة وانتهاك خطير للفضاء الليبي لينشر سموم الفرقة بين أبناء الوطن الواحد.. خطاب الكراهية يتنامى.. وخطاب العقل والموضوعية ينحسر. والحكومة التي بيدها قرار ووسائل تنفيذ ما تقرر لم تقرر ولم تنفذ. لم تسع لمنع هذا العبث ولم تفكر في حماية الفضاء الليبي من أن يستغل لبث سمومه بين أبناء الوطن الواحد. كل من هب ودب يمطرنا بنظرياته عبر الفضائيات محشوة بوابل من الاستياء من غيره أو تخوينهم وبالقدر البسيط التقليل من قيمتهم.

ما نعانيه جميعا اليوم هو حصاد متوقع لخطاب الكراهية الذي يمارس ضد الدولة الليبية ولا انتباه للمسؤولين التنفيذيين الموكولة لهم ادارة شؤون الدولة.

هل نحتفل بالعيد العالمي لحرية الصحافة.. أم بذكرى اغتيال الحرية بصورة عامة؟ بتشويه حرية الكلمة والتعبير بكم هائل من الشعارات البراقة التي تبث كالسم في العسل. والمستهدف تضليل الرأي العام وتصوير الحبة قبة وتضخيم مشاجرة بين عائلتين وتوصيفها بما يوحي بخلاف سياسي عميق وخطير. توظيف سيء للأخبار البسيطة . بل ان الأمر تعدى هذا كله بالتركيز على اخبار الحكومات الغير معترف بها والمنتهية بموجب الاتفاق السياسي وتصويرها كما لو أنها لا زالت تحكم البلاد بشرعية وقبضة من حديد.

كذلك فان الحروب التي تشن بدوافع سياسية للسيطرة على البلد وانهاء انتفاضة فبراير تصور على أنها حرب ضد الارهاب.. شماعة جديدة يعلق عليها الواهمون بالسيطرة على البلد لأجل استقطاب الرأي العام الى جانبهم. ألم يحدثنا جظران مثلا على أنه يحمي قوت الليبيين من تصديرالنفط بدون عدادات وهو ادعاء ثبت بطلانه .فاذا بالكثيرين يصدقونه.. واذا بالحكومات المتعاقبة تكافأه بمنحه مئات الملايين من الدنانير الليبية جزاء له على توقيف انتاج وتصدير النفط بما حققه من خسارة للبلد تقدر بأكثر من مائة مليار دولار فضلا عن التداعيات السلبية التي تتفاقم على رؤوسنا حتى هذه اللحظة.

كان هناك خطابا اعلاميا يناصر ويدافع ويبرر ما يقوم به جظران حتى خيل للبعض منا أنه الفارس القادم لانقاذ ليبيا من الانهار وهو الذي يتسبب فيه.

هذه صورة مبسطة بخطوط عريضة لناتج حرية الصحافة والاعلام التي مورست ووظفت بشكل خاطئ لتعطيل قيام الدولة المدنية العصرية لتنشأ دولة الغنائم والمحاصصة ومن ثم دويلات المدن بقيادة الحالمين بأن يكونوا أولياء أمر هذا الشعب وهذا البلد وفي أقل تقدير يتحولون الى أثرياء ووجهاء هذا الوطن التعيس.

وبالرغم من ذلك كله.. لن نيأس.. سوف يتواصل احتفالنا بهذا اليوم العالمي بارادة قوية. بارادة اصرارنا على صنع السلام.. بارادة حقنا في تأسيس دولة مدنية عصرية.. دولة  الحق والقانون والمواطنة والتداول السلمي على السلطة. أحيي كافة الاعلاميين والكتاب الذين قلبهم على الوطن ولم يهنوا أو يتقاعصوا عن التنبيه من المخاطر التي تحيق بالدولة بسبب خطاب الكراهية والحقد.

عبد الرحمن خليفة الشاطر

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
عادل | 06/05/2017 على الساعة 14:20
لقد عرفناكم
لقد تعبنا من الافاقين والمراوغين والمدعين واشباه المحللين الم تكن عضو المؤتمر الذي قاد البلاد الى الهاوية وغيرك ادرك فترك المؤتمر وجلس في بلد الضباب ، ماضل في العمر قد ما مضى فمتى التوبة ؟ ربي يحمي ليبيا
علي عبد الله | 03/05/2017 على الساعة 08:52
كل عام وانتم بخير
تحليل دقيق. هذا فعلا ما حدث .. شكرا للكاتب المخضرم
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت موافق على عملية الإفراج على الساعدي القذافي واخرين من عناصر النظام السابق
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع