مقالات

أحمد الفيتوري

مصراته هي مصراته!

أرشيف الكاتب
2017/05/01 على الساعة 03:03

(1)

حدثُتُ صديق من مدينة مصراته وهو شخصية وطنية وابن لمؤرخ وسياسي، الصديق المهموم بشأن بلاده، أنصتَ بإمعان للأسئلة والاستفسارات التي طًرحتُ: أن الخبر في علم الصحافة يستوجب الإجابة عن خمس أسئلة وخبر مصراته يطرح أسئلة خمس، فإن خبرها كما مبتدأ دون خبر، منذ قيام ثورة فبراير 2011م وما يحدث في مصراته هو الخبر لكن أن نعرف ما يحدث في هذه المدينة المركز في حال ليبيا عقب فبراير فالأمر غير متاح، وإن أتيح فكثيرا ما يبلبل العقول ويربك التحليل...

قاطعني: أنت من تريد أن تغمض عينيك والأمر على عقلك، مصراته حالها حال ليبيا وهي مدينة كما أيا مدينة من هذه البلاد و.. فقاطعتهُ أيضا: أما أنها ارادتي فلا، لكن لنقل أنى غير قادر على الالمام بما يحدث وأنه قصور فيَ، أما أنها مدينة كما غيرها فليست كذلك بل أن "مصراته" مركز في الحدث منذ قيام ثورة فبراير وحتى الساعة، وقبل أيضا ففي ليبيا المعاصرة – كما اللحظة الراهنة - هي مدينة الحدث فعقب غزو الامبريالية الإيطالية لليبيا مباشرة أضحت "مصراته" عاصمة في غرب البلاد عاصمة المقاومة المسلحة والسياسية، وقد قلب "رمضان السويحلي" زعيمها آنذاك الموازين فهو قد قبل في البدء بالدولة الإيطالية ثم سرعان ما انقلب عليها، لا أحد مهتم بتاريخ ليبيا لا يعرف أهمية معركة "القرضابية" مثلا، وبعدها فإن "عبد الرحمن عزام" في مذكراته يشير إلى أن المدينة كانت عاصمة للقوى المناوئة لإيطاليا وكانت حليفة للدولة العثمانية اثناء حربها للإيطاليين، وفي الحرب العالمية الاولي كانت ميناء الغواصات الألمانية، إلى أن يقول عزام بالحرف:" كان على نوري باشا –القائد للقوات العثمانية في ليبيا- أن يلتقي رمضان السويحلي للتفاهم معه على عقد الصلح بينه وبين السنوسيين" و...

قاطعني مرة ثانية: أنت تذهب بعيدا، فقلتُ أبحث في الدور التاريخي للمدينة ما هو مستخلص من الجغرافيا، ولهذا فإنه في المملكة الليبية المتحدة وعند تشكيل أول حكومة عقب الاستقلال: 24 ديسمبر 1951م كان رئيس الوزراء محمود المنتصر من مصراته، خرجت مظاهرة حينها ضد الفيدرالية ضد حكومته ضد دولته الاتحادية هذا كان في مصراته، أما عهد الانقلاب العسكري ما امتد لأكثر من أربعة عقود فحدث ولا حرج فإن "مصراته" التي احتضنت "معمر القذافي" كطالب في الثانوية غدت مدينة مشكل: صنفها البعض مدينة النظام والبعض الأخر المدينة الضد، أذكرك بما حدث عقب المحاولة الانقلابية لعام 1975م ومن قادتها المبرز "عمر المحيشي" عضو مجلس قيادة الثورة من هو أصيل مصراته، من ساهم بثقل في تأسيس معارضة "القذافي" في الخارج.

(2)

بدأت ثورة فبراير ضد النظام الفاشي في ليبيا بمدينة "بنغازي" لكن التحاق "مصراته" السريع قلب الموازين لصالح الثورة، وتحولت الثورة الشعبية السلمية على أثر ذلك إلى حرب أعلنها الديكتاتور "القذافي"، مدينة "الزاوية" حوصرت ثم اقتحمت ، أما مدينة "الزنتان" في الجبل الغربي فشكلت الشوكة في خاصرة الدولة الفاشية منذها وحتى الآن، لكن "مصراته" في غرب البلاد منذ لحظتها الاستثنائية في فبراير 2011م غدت دولة في الدولة وقادت غرب البلاد منذها وحتى الساعة، فكيف تسنى لـ "مصراته" ذلكم؟

أولا: أهمية الجغرافيا والتاريخ الذي أشرنا اليه ما أنشاءهُ ووطدهُ الجغرافيا، عليه فإن "مصراته" ليست مدينة وحسب بل إقليم، ليست عشائرية اجتماعيا ومنه ثقلها الاقتصادي في البلاد: إقليم التجارة والتجار، بتمفصلها: بوابة الجنوب، أخر مدن الغرب شرقا وأول المدن عند حافة صحراء سرت لمن مخر فيافيها من الشرق: ثالثة المدن، ثالثة الموانئ...

ثانيا: الإقليم الجغرافي والتشكيل الاجتماعي الاقتصادي حرر المدينة من هيمنة العاصمة "طرابلس الغرب" فجعل منها عاصمة بهذا الانزياح عن التبعية للعاصمة، دائما تمردت بهذا ودائما جعلت من أهلها في كل البلاد وكانوا في الطليعة سلبا وايجابا من شعارهم: مصراته هي مصراته أي أنها هكذا تريد وتفعل في كل الأحوال، ولذا التبس أمرها: الاعلام الغربي يقول عن مصراته قبيلة ،وأهل البلاد يرون في أمرها أنها الممثل للجهوية...

ثالثا: المدينة التي كانت حين "فبراير" قوية اقتصاديا تحولت إلى أيقونة الثورة حربيا: "مصراته غراد" في تذكير بمدينة "ليننغراد" التي واجهت الحصار النازي، واعتبرت القاعدة الامامية في مواجهة النظام فتدفق الدعم من البلاد وخارجها.

رابعا: كمدينة تجارية ومحافظة اعتبرها "الإسلام السياسي" المسلح جبهة متقدمة يمكنه من خلالها أن يُثبت أقدامه على الأرض في البلاد، وأمكن بسهولة وبسرعة -أكثر مما فيها غيرها من مدن ليبيا- خلق تحالف بين التجار و"الاخوان" الجماعة التي من قادتها أصيل "مصراته"، كانت بمثابة "بازار" طهران فحج اليها الملالي...  

خامسا: بما تقدم تمكن أهل المدينة من الثورة ومن انجاحها بإسقاط النظام، كفاعل رئيس ساهم في محاصرة "القذافي" في قلعته "باب العزيزية" بعد أن فقد السيطرة على كل شرق البلاد، وهذا مما قوى الشوكة مدينة "الزنتان" التي بدورها جعلت من دولة مصراته في غرب البلاد ممكنة، حين كان "القذافي" قويا وحين دخلت المدينتان في تنافس على "كعكة فبراير".

(3)

وزيادة في الايضاح طلبت من صديقي أصيل "مصراته" أن يبين لي حال "مدينة مصراته" في الحال الليبي فاسترسل كعارف بـ"الأحوال الليبية": ان ما يبدو من غموض في الأوضاع الحالية بالمدينة قد يكون أصيلا في مدينة تركيبتها الاجتماعية محافظة، زد على ذلك فإن دخولها في حرب، فرضها عليها فاشية القذافي وميلشياته الأمنية، جعل منها في حالة دفاع بكل ما يعني ذلك من انكفاء وتمترس، ولما تمكنت ميليشياتها من فك الحصار، ومن ثم هجومها واندفاعها نحو قلعة القذافي باب العزيزية بالعاصمة الليبية طرابلس، أصيبت بنشوة النصر وبدأ لقادتها أنهم المنتصرين، فاستحوذوا على ما تبقي من سلاح القذافي ومن ماله ومن عاصمته، ودعموا لأجل ذلك تحالفهم مع التيار الإسلامي المسلح.

لكن بالمدينة كباقي البلاد تيارت مختلفة متباينة كالإسلامية والقوى الوطنية التي هي خليط من قوة مدنية وعسكرية ذات مشارب عدة، هذا التعدد في المدينة شكل في وبالحرب كتلة واحدة وتحالفا نسبيا متماسكا، جعله حصار المدينة الأقوى في البلاد بقوة المال والسلاح، وخاصة السلاح الذي فيما بعد سقوط النظام سيطر عليه ميليشياتها تقريبا في غرب البلاد وجنوبها. ولم ينفرط ذا التحالف في تقديري بفضل العجينة المحافظة للمكون الاجتماعي للمدينة، ودعم قيادة ليست واحدة لكنها متوحدة وهدفها موحد جدد وهو مقلوب اسقاط النظام أي وراثته، فهم كما عملوا على اسقاط القذافي رأوا أو قدروا أنهم ورثة القذافي، هذا وحد جبهتهم في مواجهة خصومهم العدة.

(4)

لم أرد مقاطعة الاسترسال لكن أردت توضيحا، فالاستقراء ذا يستنبط منه أن الحصيلة:" الوراثة جهوية"، باعتبار أن القوى النافذة التي رأت في نفسها الوريث بحكم القوة هي بالفعل "مصراته" قلب التحالف ما وضحه الاستقراء.

ان تحالف "مصراته" ما سمى فيما بعد بـ"فجر ليبيا" هو تحالف متعدد المشارب، وأن من رؤوسه الأهم التيار الإسلامي المسلح، تحالف "مصراته/ فجر ليبيا" اتخذ أيقونة لخصامه: "خليفة حفتر" وحلفائه من عرفوا بمعاضدي "معركة الكرامة"، رغم ان "معركة الكرامة" في الحقيقة جاء اعلانها بعد بروز وهيمنة "تحالف مصراته" في ليبيا ما بين أول 2012م وبين منتصف 2014م،  "معركة الكرامة" عرفت وظهر "خليفة حفتر" كقائد عسكري لها في مايو 2014م، ومجلس النواب وحكومته كقائد سياسي ظهر عقب انتخابات يونيو من ذات العام، وأعقب ذلك اعتبار مجلس النواب بـ"طبرق" وحكومته برئاسة " عبد الله الثني" الجهة الشرعية الليبية المعترف بها في الاقانيم الثلاث المحلي والإقليمي والدولي، وقد قاطعت اقلية من النواب المجلس المنعقد في "طبرق" وشككت في شرعيته ولم تستقل وان طعنت في دستورية المجلس المنعقد في "طبرق"، هذه القوى المقاطعة عضيدة "تحالف مصراته/فجر ليبيا، من ثم أعيد احياء "المؤتمر الوطني" ما هو لا وجود له بحكم الانتخابات الشرعية والمعترف بها من الجميع.

(5)

لقد أراد طرف ليبي جعل مدينة "مصراته" قاعدة الاستحواذ على "كعكة فبراير" أي "وراثة القذافي"، وبهذا استمرت "مصراته" كقاعدة وقائدة لفصيل مهم في الحرب الأهلية التي اندلعت في ليبيا عقب ثورة فبراير، "مصراته" هذه تغير خصمها لكن استمرت في حربها منذ فبراير 2011م حتى يوم نشر هذا المقال، ثم دخلت في حربها بصيغة سياسية واجهتها "المؤتمر الوطني" ببعض من أعضائه، على طاولة المفاوضات قادت ماراثون ما عرف بـ"الحوار الوطني" مع الطرف الثاني "مجلس النواب"، عقدت جلسات عدة من "الحوار الوطني" في أكثر من مدينة تحت إدارة الأمم المتحدة، توج في مدينة "الصخيرات" المغربية يوم 17 ديسمبر 1915 بما دعي "اتفاق الصخيرات" الذي لم يحقق الوفاق الوطني بل قسم "مجلس النواب" ومنه البلاد.

(6)

أخر مستجدات الوضع السياسي في ليبيا ان هناك حراك ما في مدينة "مصراته" لم تتضح مستخرجاته، لكن عقد اجتماع بين "عقيلة صالح" و"عبد الرحمن السويحلي" بين الخصمين ممثلا القوى التي تهيمن على الأرض: هل نعد هذا من مستخرجات ما جد في "مصراته"؟، ليس بالإمكان حتى الساعة الإجابة اليقين عن سؤلنا، لكن المعطيات تعطي إجابات أخرى عن الدور الإقليمي والدولي ما وراء هذا الاجتماع، انما "حراك مصراته" لا يمكن استبعاده من الخلفية وان غمضت ما هويته: مصراته هي مصراته في المشكل الليبي ما حله في فك "العروة الوثقي" فيه أي حلحلة "مصراته"، لتخرج من جلباب "الوريث الأحد" إلى أفاق ليبيا وتلتقي في منتصف الطريق مع ما اعتبرته أيقونة العدو، وهكذا كما أن "مصراته" كانت فيصلا في "اسقاط النظام" ليس من بد أن تكون فيصلا في الخروج من عنق زجاجة "فبراير" الى ما بعد "فبراير"... لأنه أولا وأخيرا ليس ثمة "اتفاق صخيرات" دون وفاق وطني، عليه يجب الذي يجب: انهاء الحرب أولا ومنه اعلان السلام، لنبدأ اليوم وليس غدا التسلح بالسلم لإنهاء الحرب، ودون توفر الإرادة يبقي العقل المتشائم المتصدر المسألة الليبية.

أحمد الفيتوري

العقوري | 03/05/2017 على الساعة 10:57
الولاية و الوصاية...
ى أحد ينكر دور هذه المدينة وأهلها وكيف قاومت اثناء احتجاجات فبراير ولولاها لكان التقسيم واقعا وقد كان موقفها تاريخيا ولكنني أقولها وقد قلتها سابقا من هذا الموقع المتميز و مواقع أخري بأن الفهم الخاطيء لبعض قيادات هذه المدينة للمشهد السياسي جعلهم يعتقدون بأن مصراته هي ولية أمر ليبيا وهي الوصية علي الثورة ..؟؟!! ان كل المدن دفعت الثمن ..صحيح الكل دفع ولكن بنسبة ...سرت دفعت الثمن الاكبر مثلا ..بنغازي ومصراته والزاوية والزنتان وهكذا...المعني لا توجد مدينة سواء بنغازي او الزاوية او مصراتة او سرت او طرابلس هي ولية أمر ليبيا او وصية علي الثورة... عليه فقد قام حراك الآ، في مصراته بعد ان شعر سكانها بمدي الكراهية للاسف والحقد ضدهم نتيجة ممارسة بعض ابنائها في المدن الاخري وكذلك مشاكلهم مع تاورغا بني وليد وترهونة و زليتن وطرابلس..كل هذا جعل المخلصين والوطنيين في مصراته من شبابها الخير وعقالها وحكمائها يحاولون الرجوع الي طريق الصواب وان يرجعوا لممارسة عملهم الاصلي وهو التجارة التي تحتم عليهم علاقات طيبة مع الجميع سواء جيران او غيرهم..نتمني الخير والاستقرار للجميع وعودة النازحين والمهجرين اللهم آميين
بشير خليل | 02/05/2017 على الساعة 06:23
الليبيون اللغز
اللغز ليس مصراتة ، اللغز هم الليبيون , فهم يدركون الحقيقة ، الا انهم لا يستطيعون التصريح بها اذا كانت تمس غرورهم ، ويجيدون التزام الصمت ، ربما لأنهم اعتادوا الحب بالصمت والشكر بالصمت والإعجاب بالصمت ( هكذا هم الليبيون الاصالة حاضرة والاطباع حاضرة ايضا)
محمد علي | 01/05/2017 على الساعة 10:53
هذه هي وهذا تاريخها وحاضرها الذي يثبت علو كعبها؛ فلماذا تشيطنونها!
أتفق مع الكاتب في كثير واختلف معه في القليل الذي لم يكن دقيقا في وصفه أو ربما أراد اخراجه بهذه الصورة..السؤال مدينة حضارية بتاريخها وعلمائها وتجارها في بقعة شاسعة من التخلف والبداوة والتصحرلماذا تحاربونها؟..تحالفها مع الاسلاميين ينبع من تقبلها للآخر وفهمها له وقدرتها على التمييز بين ماينفع الدولة ومايضرها..لماذا تلومونها على تحالفها وانتم في الوقت نفسه تتحالفون مع العسكر سوسة وبقية الفاسدين..مصراتة باختصار وبنسبة لابأس بها يحركها عقل التاجر النظيف المحب للحياة والكاره لدولة البداوة والاستبداد..لو ارادت المدينة المال والمناصب والجاه لتحالفت مع القذافي ولكنها خرجت عليه لأنه بدوي ومتخلف وهو على كل الاحوال افضل من متخلفي اليوم ؛ فكيف تطلبون منها أن تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير!
عبدالحق عبدالجبار | 01/05/2017 على الساعة 08:20
اذا اعتبر قتل الشقيق و تدمير مدينته و الاستيلاء علي حقوقه انتصار
ان العدل أقل تكلفة من الحرب، ومحاربة الفقر أجدى من محاربة الإرهاب، و إهانة الإنسان الليبي وإذلاله، بذريعة تحريره، هما بمثابة إعلان احتقار وكراهية له، وأنّ في تفقيره بحجة تطويره ،نهبًا لا غيرة على مصيره، و الانتصار المبني على فضيحة أخلاقية هو هزيمة، وإن كان المنتصر أعظم قوة في العالم..... ليس أمراً سهلاً أن تحقق الانتصار ، لكن الأصعب أن تعرف كيف تتصرف بعد الانتصار بل وأن نعرف ما هو الانتصار ، لذلك كان لا بد من وقفة مع الحكماء ...عندما تتعرف على تفاصيل الانتصار في الحرب ، لا تستطيع تفريقه عن الهزيمة" ...في الانتصار دروس مثلها مثل الهزيمة".
طلال منصور | 01/05/2017 على الساعة 08:15
يا هارب من الغولة......!!
حالُنا ينطبق عليه المثل الشعبي.. (( هاربْ من الغولة ، طاح في سلّال القلوب )) و (( مبهاك يا مرتْ بوي الأوْلهْ ))
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت موافق على عملية الإفراج على الساعدي القذافي واخرين من عناصر النظام السابق
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع