مقالات

د. نزار كريكش

ليبيا ما بعد الاستعمار والاناركية... وما بعد الحداثة

أرشيف الكاتب
2017/05/01 على الساعة 01:04

ربما كانت ليبيا عبر تاريخها المعقد والحروب التي استمرت على أرضها نموذجاً لتأثير الاستعمار والفكر الفوضوي على بنية مؤسسات الدولة، كما أنها نموذجاً للطريقة التي يمكن أن تنهار بها مؤسسات الدولة ويبقى المجتمع قائماً بذاته، بتناقضاته وتبقى الدولة في حالة من السيولة في المفاهيم والفعل السياسي، وهذا مايؤدي إلى صعوبة تصور أي سلوك منتظم يمكن الحديث معه على قدرة المراقب على التوقع أو رسم سيناريوهات للمستقبل.

مابعد الحداثة هي مرحلة أو فترة زمنية عاشها الفكر الغربي لرفض ماهو قائم من مسلمات عاشت بها أوروبا وعاش بها النظام العالمي في القرن العشرين ولاتزال هذه المسلمات هي الحاكمة رغم تراجعها، وأهم من هذه المسلمات هي المؤسسات التي أسس من خلالها النظام العالمي  سوآء المنظمات الحقوقية أو البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي واتفاقية التجارة الجات وغيرها.

لذا مابعد الحداثة هي رفض للمسلمات القائمة، وهي في جانب تعني تفكيك القائم ورفض البنيوية والنظم القائمة كما أنها تبحث عن المعاني والقيم في عالم رمزي آخر أحياناً يسمى خطاباً وحيناً يسمى سرداً أو رواية... حالة الرفض تلك بغض النظر عن الموقف منها تعني وجود قلق وحالة من الثورة والعدمية لماهو قائم والبحث عن عالم لايحمل فيه الأنسان مسؤولية أعماله أو حالة من النسبية تمكن الإنسان من الرفض والتشكيك في كل ماهو قائم...هذه الحالة ربما عاشتها ليبيا وهي ظاهرة في تاريخها وربما تفسر كونها فريدة في ماحدث لها عبر تاريخها وثورتها ومابعد الثورة.

ينتبه المؤرخ الإيطالي أنا بالدينيتي في كتابه نشأة الدولة الليبية إلى ذلك فيعتبر ليبيا نموذجاً للدولة التي تشكلت من الخارج، وأن الهوية الليبية خيال تشكل لدى المهجرين والناشطين والمبعدين من ذلك الاستعمار. لكنه يعطينا صورة عن دراسات مابعد الاستعمار ويرى أنها قليلة ويعطينا بعض الأسباب لذلك فمنها مثلاً أن المؤرخين الإيطاليين الضالعين في فضائع الاستعمار لايزلون يسيطرون على المؤسسات الأكاديمية، أو يعزوها لصعوبة الوصول لتلك الوثائق المتعلقة بالحقبة الاستعمارية. (Anna (2010)

الأمر المهم هنا أن دراسات مابعد الاستعمار والتي تحاول أن تتبع أثر المستعمِر على الدول المستعمَرة لم تؤثر في تأريخ الاستعمار الايطالي بل كما يؤكد أنا بالدينيتي أن تأثير هذه الدراسات ظل ضعيفاً، والغريب أن هذه الدراسات اتخذت منحىً (مابعد حداثي) بمعنى أن التركيز كان على اليهود والكنائس المسيحية وبعض الذكريات الإيطالية دون أن يُذكر الليبيون كأصحاب أو ملّاك لهذا التاريخ أو حتى ضحايا من ضحاياه.

هذا الانتقاء هو جزء من فكر مابعد حداثي، لكن الغريب هنا هو غياب الصوت الليبي على الأقل إلى السبعينات من القرن العشرين، أي أن مابعد الاستعمار لم يكن حاضراً إنما اعتبر تاريخ ليبيا جزءاً من سياق للدول الإيطالية. بعد ذلك بدأ البحث من عدد محدود من الباحثين ليبيين وغير ليبيين عن نشأة الدولة الليبية، والهوية الوطنية، وهنا بدأ التفكير كذلك بطريقة مابعد حداثية. كيف؟

إذا اعتبرنا أن دراسات مابعد الاستعمار اهتمت بالهوية كعلاقة بين الرمز والمعنى وتأثير ذلك على الهوية أي بين المستعمر بالكسرة والمستعمر بالفتحة لمعرفة تأثير هذا المستعمِر في تشكيل الهوية، فإن الجدل نشأ في هذا المجال حول ماهية الهوية، ففي حين كانت النظرية التقليدية تعتبر قضايا كالدين واللغة هي مصدر الهوية بمعنى أنها قضايا ثابتة إلآ أن الفكر مابعد الحداثي الذي يرى أن المعرفة في جوهرها تاريخية نسبية تنشأ من علاقات السلطة وليس لها دلالة واقعية تمثل الحقيقة، يؤكد دينامية الهوية وأنها مخيال مجتمعي تشكل من المعاناة والظروف التي يعيشها شعب ما في لحظة تاريخية بعينها.

لذا ارتبطت الهوية الليبية بالتاريخ ارتباطاً وثيقاً ربما لاتراه في دولة أخرى، فإنه كماذكرت ليسا أندرسون (عميد الجامعة االأمريكية في القاهرة سابقاً) في دراستها عن الدين والدولة في ليبيا وتونس أن حجم المعاناة التي عاناها الليبيون واستمرار حالة الحرب والدمار التي عاشتها المنطقة في العهد العثماني الثاني 1835 إلى الاستعمار الإيطالي 1911 والحرب العالمية الثانية، كل ذلك منع ليبيا الدولة  من نسق إداري يضمن سلوك منتظم يمكن الحديث معه على وجود دولة آخذه في التشكل، وبالمقارنة مع دول المغرب العربي في حكم الدايات في الجزائر أو الدولة الحسينية في تونس أو دولة الأدارسة التي استمرت في المغرب إلى يومنا هذا نجد أن الإدارة الليبية غاب عنها النمط التكويني المتدرج مع الزمن -لثتبت سلوكيات بعينها- رغم تغير النظم و الحكومات و الاستعمار.

هذا المعنى واضح في كتاب بيتر سينج الذي صدر مؤخراً واسمه "عملية إدريس"، في هذا الكتاب الذي كتبه ريتشارد سينج ابن بيتر سينج أحد والذي كان ضمن البعثة التي أرسلتها حكومة التاج للإدارة العسكرية لليبيا بعدإبان الحرب نجد أن هذا الخراب والدمار المستمر لكل نمط إداري مستقر سمة بارزة في التاريخ الليبي، يقول جايسون باك (المتخصص في الشأن الليبي في جامعة كامبريدج وعنده موقع اسمه Libya analysis يتابع فيه تطورات المشهد الليبي) في  تقديمه للكتاب (آخرون لعبوا دوراً مهماً في الأدارة البريطانية BMA (1942-1951)) ذكر منهم (دينكان كامينج، رديندل رود، إيڤان بريتشارد، نورمان أندرسون...) "لم يكتبوا تاريخاً غير منحاز في مذكراتهم) لأنهم كانوا يكتبون لبيان أدوارارهم وتضخيمها في المسألة الليبية أو هكذا يبدو" ويقول "إن أهمية مذكرات بيتر سينج يأتي من كونه لم يكن دبلوماسياً ولامستشرقاً ولاباحثاً أكاديمياً"، لذا سنجد في هذه المذكرات حديثاً واضحاً عن الصعوبة والدمار الذي لحق البلاد أثناء  وبعد الحرب العالمية الثانية، فيصف بنغازي على لسان صحفي زارها بعد الحرب بأنه لم تكن هناك مدينة بالمعنى الذي نعرفه.. البيوت مهدمة والمحلات مقفلة والسكون مخيف ورائحة الموت في كل مكان... Richard 2015

الاستعمار الإيطالي في ليبيا ليس كغيره من الدول المستعمِرة فقد كانت إيطاليا نفسها تعاني إبان حكمها لليبيا، لذا وكما بين المؤرخ الليبي على عبد اللطيف حميده في كتبه أنها لم تؤسس لإدارة حقيقية بل كانت تحاول السيطرة وتتعامل مع مجموعة من الزعامات لتثبيت حكمها لذا سينحى هو الآخر منحىً (مابعد حداثي) لكتابه التاريخ عبر المعاناة والحرمان والشعر والقصص التي انتشرت عن تلك الحقبة ويؤكد ناقداً بعض السرديات الاستعمارية التي انتشرت عن وحشية القبائل الليبية خاصة من بني سليم وبني هلال والقول الخاطيء الذي انتشر في مقالة ابن خلدون في مقدمته عن هذه القبائل.

يؤكد على عبد اللطيف كذلك دور الاقتصادي الذي لعبه الليبيون والمجتمع ( المدني) من الفلاحين والتجار والمقاومة التي نشأت بعد الاستعمار؛ ذلك المجتمع هو الذي مورست على وعيه سلسلة من العمليات التفكيكية التي لم تسمح له بتجذير هويته الوطنية، وبعيداً عن ضجيج بعض المثقفين الرافضين للهوية الوطنية، فإن وجود نسق ثقافي في مجتمع ما هو الذي يعطي لأي مؤسسة وجودها، وهكذا نجد أن لفظ الوطن ((Nation يختلف بين الأكاديميين في الولايات المتحدة عنه في بريطانيا حيث يرجعه الأمريكان لمعنى بناء مؤسسات الدولة ( وهي النمط السلوكي المستمر لبنية الدولة ) وبين المعنى الهوياتي المرتبط بسؤال من نحن وأي شيء يجمعنا.

هذا المعنى غيّب تماماً مع حكم القذافي، ذلك الجهاد الطويل في المهجر من أجل بناء وطن استقل وبدأ يحبو في بناء مؤسساته تشوه بفعل النفط الذي غير بنية تلك المؤسسات وبدأت معه الأزمات خاصة في العام 1964 والمعروف بالأزمة الدستورية في الحقبة الملكية لنجد أنفسنا أمامم حالة من الأناركي جاءت بفكر فوضوي جذر تلك الحالة من التفكيك المستمر للوطن بالمعنى المؤسساتي وبمعنى الهوية كذلك ليصبح الوطن فارغاً من المعنيين معاً.

الدراسة التي كتبتها الدكتوره أمال العبيدي عن البيئة السياسية في ليبيا إبان حكم القذافي خير دليل على وجود خلل هائل في الانتماء والثقافة التي تجذرت عبر مناهج التعليم التي كانت تابعة لتوجهات النظام، وهكذا نجد أن المملكة وكذلك نظام القذافي مثّلا تلك العلاقة التي ذكرها فوكو بين السلطة والمعرفة، ففي أيام المملكة كانت الكتب المدرسية تتحاشي الحديث عن الاستعمار والمقاومة S.H. Suri,200,pp33-7، وفي زمن القذافي نجد أن السرديات كثيرة وكلها واضحة لإظهار الدور البطولي والاختيار الطوعي للفوضى من  الشعب الليبي، دون إرغام من السلطات؛ ورغم أهمية مركز الجهاد إلا أنه استخدم من قبل النظام لنشر سردياته التي لم يكن النظام  يستحي من تناقضاتها وتغييرها حسب الظروف (مثلاً لما تنادى معارضون للقذافي بأنه النظام الجماهيري لم يكن بإرادة الشعب عرض التلفزيون الليبي انقلاب القذافي بصورة مغايرة تظهر ظهور الناس للشوارع وإقامتهم المؤتمر الشعبية بمجرد وصول القذافي للحكم وليس عبر كتابه الأخضر عام 1977).

غياب النسق، والتفكيك المستمر للتاريخ ولهوية الوطن، فضلاً عن التدخلات المستمرة من الدول الإقليمية والخارجية، وغياب مؤسسات الدولة كل ذلك يؤكد أن الإشكالية الأكبر في ليبيا هي بناء مؤسساتها أي وجود نسق مستمر حتى يمكن أن تتجذر هوية البلد عبر تلك مؤسسسات وليس عبر كتب ومؤلفات، والطريف أن كاتباً كبيرآً مثل فوكوياماً في موسوعته عن النظام السياسية وتحللها لم يجد سوى حادثة خطف  السيد زيدان رئيس الحكومة السابق مثالاً واضحاً لإهمال فكرة المؤسسات في التعامل مع الدول النامية التي يراد لها أن تدخل في مستوى معقد من التنظيم عبر أدبيات الحداثة أي الديمقراطية، يقول عن ليبيا (لهذه اللحظة المعضلة الأساسية في ليبيا هي غياب الدولة) Fukuyama 2013;2:31

الاستمرارية والتغيير تعني وجود نمط مستمر رغم حجم الأحداث التي تعانيها الدولة، وأظن أن عدم الاستقرار والتفكيك المستمر للهوية، والدمار المتعمد للإدارة فضلاً عن الانعطاف الفكري الخطير الذي نشأ مع الفكر الفوضوي لدى القذافي قد جعل البلد عصية على التوقع ولديها حصانة من الاستقرار لذا فإن الثورة كانت تتويجاً لذلك التاريخ الطويل الذي يمكن أن نصفه برغبة في التغيير وغياب الرؤية الواضحة لهذا التغيير والتي يمكن أن تتجذر لتعبر عن حالة من الوعي والسلوك المجتمعي والدولي لدولة اسمها ليبيا.

دكتور نزار كريكش

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
غومة | 02/05/2017 على الساعة 05:40
تجربة ليبيا التاريخية فريدة، تتطلب اُسلوب يتوافق مع هذه التجربة ...؟
جغرافية الصحراء أملت الواقع الاليم، حياة الكفاف((subsistence على ليبيا مدى التاريخ! قلة الموارد، الماء، التربة، حدد عدد السكان الى حوالي مليون او اقل على مدى العصور. اي ان الصحراء، مترامية الأطراف، أملت طرق حياة الناس وتوزيعهم على الارض. انخفاض الكثافة، انخفاض مستوى المعيشة الى أدنى حد قلل من وجود المدن والفائض الذي يسمح بإنشاء الموءسسات وتموينها. الدولة كانت على مر العصور دخيلة ومحصورة في شبه مدينة او اثنتان، طرابلس، بنغازي، مصراته! والبقية العظمى من الليبيين عاشوا في قراهم او ترحالاتهم البدوية لا يبالون او يعيرون انتباهاً، او لهم علم ومعرفة بالدولة ووجودها. اي ان الدولة كانت داءماً دخيلة ومحصورة في المناطق التي وجدت فيها، سوى كانت هذه الدولة العثمانية او الإيطالية. وعندما استقلت ليبيا ورثت هياكل الدولة الاستعمارية المبنية على العنف والاستغلال. عربت الأسماء واحتفظت بالمؤسسات الإيطالية. القذافي حاول توطين الدولة ولكن بمانه لم يكن رجل دولة لذا ترك للجان الثورية والمخابرات إدارة التغيير. التجربة بكل أخطاءها أجهزت فبل ان تثمر اي نتاءج تذكر. على هذا الجيل تاءسيس الدولة تقريبا من نقطة
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت موافق على عملية الإفراج على الساعدي القذافي واخرين من عناصر النظام السابق
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع