مقالات

المهدى يوسف كاجيجي

جيل ظلمناه!!

أرشيف الكاتب
2017/04/16 على الساعة 16:16

اول مرة دخلت فيها مستشفى طرابلس المركزي كان فى الخمسينات من القرن الماضي، مريضا بالالتهاب الرئوي (بوجنب) وبقيت فيه لاكثر من شهر. كان معظم الأطباء من الإيطاليين، والممرضات من الراهبات اضافة الى ممرضين ليبين على درجة عالية من الكفاءة. كان مستوى الخدمات لا يختلف عن أي مستشفى فى بلد متحضر. المرة الثانية كانت فى الستينات لزيارة وزير الصحة السيد عمر جعودة رحمه الله، الذى حل به مريضا، وجئته لأقدم له اعتذاري عن خبر نشرته جريدة الحرية، تمت صياغته بشكل ألم الرجل إذ جاء يقول: (الاعمال جارية فى مستشفى طرابلس المركزى استعدادا لاستقبال مسؤول كبير تعرض لوعكة صحية، ندعو الله له بطول الإقامة حتى يستفيد  المرضى من تحسن الخدمات، ومصائب قوم عند قوم فوائد). والحق يقال، كان الرجل يقيم فى غرفة عادية، لا يوجد بها أي مظهرمن مظاهر التفرقة بينه وبين أي نزيل آخر. المرة الثالثة كانت منذ أسابيع، توجهت لزيارة صديق بوحدة العناية الفائقة. لقد تغير الزمان والمكان: اختفت الحدائق وأرتفعت بنايات متنافرة التصميم، وبالرغم من ذلك ظل المبنى القديم بمعماره الفريد، منتصبا شامخا يروي تاريخ المكان. هاجمته الشيخوخة، فاقتلعت نوافذه فتحول الى هيكل، على مدخله نقش محفور مكتوب بخط عربى جميل (قسم المداواة) وترجمة إيطالية  تآكلت ولم يبق منها الا كلمة (MEDICiNO).

اعترف انني، قبل الذهاب، كنت احمل انطباعا سلبيا مسبقا عن المكان، تكوّن عبر ما تناقلته وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي عن الفوضى وانحدار مستوى الخدمات الطبية وتعرض الأطباء والمرضى الى عمليات  الخطف من قبل مسلحين. الزائر للمكان سيفاجئ بمبنى نظيف نسبيا، ولكن بحاجة الى الصيانة، لا يخلو من الانضباط، حتى أنّ شيخوختى لم تشفع لي بزيارة صديقى بوحدة العناية خارج الأوقات المخصصة للزيارة. رغم غياب الدولة وإفلاسها، لا يزال المكان يقاوم من اجل الاستمرار، وأصبح من المألوف ان تشاهد اهل المريض وهم يحضرون من بيوتهم  البطاطين والوسائد وبعض الأدوية، وعلى الحوائط علقت إعلانات من بنك الدم تدعو العاملين بكافة الأقسام بالمستشفى للتبرع بالدم. المبهج والملفت للنظر هو الحركة الدّؤوبة لشباب الأطباء من الجنسين: وجوه باسمة، فرحة تشع عيونها بريق امل، يتحركون بحماس ملحوظ، سعداء بتقديم خدماتهم رغم قلة الإمكانيات المتاحة، لطوابير طويلة من المواطنين البسطاء من المرضى الذين جاءوا يبحثون عن الامل فى الشفاء.

عدوى الابتهاج!!

خرجت من المستشفى، والصورة المبهجة  للشباب من الأطباء والعاملين لم تفارقني على الإطلاق. حضرت للمكان مكتئبا، مثل أي مواطن ليبي ينام ويصبح على وتيرة واحدة من المشاكل المتلاحقة والصراعات التى لا تنتهى، ومستقبل مجهول، ونفق مظلم، وكما يقول أطباء علم النفس: الاكتئاب معدي والفرح ايضا مثل الانفلونزا، فقد أصبت بعدوى الابتهاج، واستطاعت الزهور المتفتحة، ان تضخ الامل فى شرايين شيخ مثلي، ينتمي الى جيل امتد ظله خلفه، وانتهت صلاحيته. كبر جيل "المكياتا" و"البريوش"  و"شنو الجو" وانشغلنا عنه بصراعاتنا. زيارتي المستشفى جعلتني أقول: أيها السادة ! انزعوا الغمامة فقط من على عيونكم وعقولكم، وانظروا حولكم، لتعرفوا ماذا جرى؟!.. ليس فقط فى مستشفى طرابلس، ولكن فى كل ارجاء الوطن، فربما تدرككم عدوى الابتهاج فى هذا الزمن الكئيب. فى طريقى للخروج، اجتزت ماتبقى من المساحة الخضراء، فلفت نظري امتداد النظافة والتقليم للأشجار الموجودة،  وفى الوسط لوحة رخامية عمرها اكثر من قرن ونصف، ترجع الى عهد السلطان التركى عبدالمجيد، منقوش عليها أبيات شعر، يقول اول بيت فيها (تبارك الله دار الطب قد كملت.... محكمة الله نالت فى العلا شرفا) وآخر شطر فيها يقول: (احلها جنده يرجو الرحيم شفا). رفعت راسي إلى السماء متضرعا ومتمتما :نسألك يا رحيم الشفاء لعقولنا.. امين.

المهدى يوسف كاجيجي

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
محمــد محمـد احمـد | 19/04/2017 على الساعة 20:21
لله درك يا شيخ الصحفيين !
شيخ الصحفيين الليبيين:لله درك لقد كفيت ووفيت رغم الايجاز"المسهب".ما خطه قلمك لا يصدر الا عن صدق ووفاء للانسان ابا وابنا وحقيدا وللمكان قديمه وحديثه وللزمن الماضي الذي كنته شابا معطاءا والحاضر الذي تعيشه شيخا حكيما.احسنت فيما قلت كتابة وجزاك الله خيرا ومتعك بالصحة والهناء. لك التحية والتقدير ودمت يخير.
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع