مقالات

سالم العوكلي

هزيمة المنتصر

أرشيف الكاتب
2017/04/15 على الساعة 13:54

كانت عشية يوم السبت الموافق 22 فبراير 2011م، بعد يومين من بداية انتفاضة الليبيين على النظام السابق، وكنت خارجا بسيارتي في أحد شوارع درنة حين صدم سائق تاكسي مرآة سيارتي ومضى مسرعا في الاتجاه المعاكس، وما كان مني إلا أن وبخته بزمور سيارتي المبحوح. بعد أمتار وقفت أمام كشك سجائر لاشتري علبة، وحين رجعت وجدت شابا واقفا بجوار سيارتي، وهو يبدي أسفه، ويعرض علي دفع ثمن المرآة، فقلت له: لا أريد تعويضا ويكفي أنك رجعت واعتذرت، فرد وفي عينيه تعبير عن امتنان بحجم ضحكته: تأكد لو أن هذا حدث قبل 17 فبراير ما كنت رجعت.

ملأتني هذه الحادثة بقدر كبير من التفاؤل ومن الأسئلة، وصرت أسردها في كل مكان كدليل على أن هذه الثورة ستنجح بكل المعايير، وإن أهم ما في الثورة الحقيقية كونها تستفز الخير الكامن في قلوب الناس، فالناس بعد الثورة هم أنفسهم قبلها، لكن ما سيظهرونه من دواخلهم هو المختلف.

الفرح بأنك تقرع باب الحرية، والأمل في تجاوز قهر الماضي، يجعلانك أوفر استعدادا لإبداء المنسي من إنسانيتك، وأكثر حبا للمحيط، وأكثر قدرة على امتصاص كل آلام التغيير الصعبة، وبمعنى آخر؛ ثمة قيم عليا تفرضها رغبة الناس في التمرد على عقود من الظلم، وهي قيم ثورية نبيلة يحاول الناس توزعها، كلٌّ في مكانه وفي مجاله، ويصبح أي عمل سيء في ظل هذا التحول وكأنه خيانة للأمل في عيون الناس، وكنت وقتها، مثل الكثيرين، في قلب الاعتقاد بأن الثورة على الظلم فعل أخلاقي بامتياز، من شأنه أن يوقظ القيم الإيجابية التي عادة ما يردمها القمع بشروره.

هكذا كانت الشهور الأولى من الحراك الليبي، خصوصا في المناطق والمدن التي تخلصت مبكراً من سلطة النظام. تولد لدى الناس طاقة كبيرة من الحب والود المتبادل، ومن الإيثار والتعاون والصبر على مصاعب التغيير. كان المجتمع برمته يتغير أمام أعيننا وكأن أناسا آخرين يولدون، فأكثر الرجال تحفظا كان يأتي مع زوجته للمظاهرات، والبعض ينشئ مطاعم سريعة على أرصفة الميادين تقدم الطعام مجانا، وحتى طوابير الخبز والوقود كان يملؤها الفرح والصبر والإيثار، وكان الواحد منا يتساءل: هل هؤلاء هم نفس البشر الذين كنا نعرفهم قبل أيام أو أسابيع أو أشهر؟!. فمن فترة بسيطة كان الليبيون يعلنون، تقريبا، استسلامهم لسلطة هذا النظام الذي فشلت كل محاولات تغييره من الداخل ومن الخارج، وكان النظام الذي أحس أنه ثبت أقدامه يحاول بشكل مراوغ أو مصلحي التصالح مع الناس، مبشرا بجيل جديد ومختلف من العائلة الحاكمة، ولم يكن ثمة خيار أمام الليبيين إلا انتظار الوعود والدعاء اليومي : ربنا لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.

لكل ذلك وجد الليبيون أنفسهم فجأة أمام الخيار المستبعد، وشبه المستحيل؛ القضاء فعلا على هذا النظام حتى وهو في ذروة محاولات تصالحه واعتذاره عن جرائمه السابقة التي بدأ يجزل التعويضات المادية بشأنها، وتوقيعه لآلاف المشاريع بمئات المليارات، وحديثه المعتاد عن إصلاحات سياسية وحقوقية، لكن الليبيين لم يكن لهم وقت ومكان للمغفرة أو المصالحة أو الانتظار، ولم تكن هدنتهم مع هذا النظام أو اندماج البعض في مشاريعه الإصلاحية إلا نوع من البراغماتية أو إدارة العجز. فبدءوا، وهم الآن  جزء مما تسميه ميديا الكون "الربيع العربي"، يحسون بأن خارطة هذه السلطة القوية تتقلص، وبدأ التعبير عن حماسهم يأخذ مسارين. المسار الأول متعلق ببناء علاقات مختلفة فيما بينهم داخل المدينة نفسها وداخل الحي وما بين المدن في ربوع ليبيا بل ومع الليبيين المنفيين وحتى مع العالم برمته، علاقات يؤسسها الفرح بالخلاص ملؤها المودة لدرجة الغزل المتبادل، كان الليبيون في حالة شوق فعلية لبعضهم لبعض، وكان تلمظ مذاق الحرية بمساحة الوطن. والمسار الثاني كان يتجه إلى حالة مفرطة من الانتقام وتصفية الحساب مع النظام السابق ورموزه وكل ما يمت له بصلة، حالة شاملة تبدأ بما يكتب على الجدران، ومن ثم عبر الصحافة ووسائل الإعلام الجديدة، وصولا إلى جبهات القتال المتعددة . هذه الرغبة الشديدة في الانتقام جعلت الليبيين يتغنون بالناتو، وبرؤساء الدول الغربية، ويرفعون أعلام تلك الدول علانية، كانوا جاهزين للتحالف مع الشيطان نفسه، ومستعدين لفعل أي شيء ضد قناعاتهم في سبيل الخلاص من هذا النظام. فهم يدركون أن التراجع أو التراخي يعني نصف ثورة، ونصف ثورة يعني الانتحار.

ووسط هذا الخضم من الحرب الأهلية، ومن تدخل حلف الناتو، ومن اكتظاظ الساحة الليبية بمخابرات العالم، كان يملؤنا تفاؤل وحيد بكون الليبيين يتغيرون إلى الأفضل، وأن ليبيا التي تطلق عليها عبارات دارجة مثل النسيج الواحد والمجتمع المتجانس ذو المذهب الواحدتقريباً، هذه الليبيا التي نعرفها جيدا ليست العراق ولا اليمن ولا سوريا ولا الصومال، وأنها بمجرد نهاية النظام ستعود أسرة وحدة، وسيرجع السلاح إلى مؤسساته الشرعية، وسنختار طريق المسار الديمقراطي الذي طالما حلمنا به . في غمرة أو سكرة تلك البهجة العارمة كنا نعتقد أن القوى التي تساعدنا ستقلع الشوكة وتعود إلى شؤونها تاركة لليبيين تقرير مصيرهم، ولم يكن الأمر يخلو من سذاجة مأتاها الحماس الغامر والثقة في نوايا عالم أصبحت المصالح ضميره.

كتبت على صفحتي في الفيس بوك بداية هذا الحراك: "هذه الثورة يجب أن تكون من أجل ليبيا ـ وليس من أجل القضاء على نظام القذافي، بمعنى أن الليبيين يتحركون من أجل ليبيا وأن القذافي ونظامه مجرد عقبة يجب إزالتها من الطريق".

واعتقد أن هذا ما كان يشكل الفارق فعلا، وللأسف كانت الثورة في أغلبها تتمثل في غاية واحدة وهي الانتقام من عائلة القذافي ومن ثم كل ما يمت للماضي بصلة، لذلك بمجرد أن انتهى النظام اختفت ليبيا كنشيد للحراك، وتحولت فقط إلى تركة خلفها النظام وراءه، وكل ما حدث، خصوصا ممن تصدروا المشهد، هو الصراع على هذه التركة: الثروة والسلطة والسلاح، ثالوث القذافي الذي عمل طيلة عقود ليجعله بديلا لمفهوم الوطن الواحد، فالسلاح مباح لكل أحد ومنتشر، والثروة تُسيل اللعاب في الداخل والخارج، والسلطة شاغرة لأول مرة منذ عقود.

قرر الثوار، أو ما يسمون أنفسهم ثوارا، الدخول إلى طرابلس يوم فتح مكة، وأذكر أنه في حديث مع بعض الأصدقاء قلت لهم من الممكن أن تدخل العاصمة في ذكرى فتح مكة، لكن من الصعب أن نفعل ما فعله أولئك الفاتحون حين انتصروا، أو نعيد تلك القيم الإنسانية التي صاحبت ذالك الفتح، من السهل أن تختار موعد النصر لكن التحدي هو ما سوف تفعله بعد النصر.

وما حدث أنهم فعلا دخلوا طرابلس في ذكرى فتح مكة ولكن بعقلية المغول، فبدأت مباشرة تصفيات الحسابات والانتقام والسطو على الممتلكات. لقد كان الرسول وأصحابه يغزون يوم الفتح القلوب لا الجدران، بينما الثوار يوم الفتح كانوا يغزون الجدران لا القلوب، وهذا سر تراجع تلك القيم الاجتماعية التي اكتسبها الناس إبان الحراك، وبمجرد أن أحس المتربصون بأن ثالوث القذافي، الذي حكم به ليبيا أربعة عقود شاغراً، بدأ الجزء الثاني من الملحمة وبانتصار المسار الثاني المتمثل في رغبة هستيرية في الانتقام وتصفية الحساب، استُهل مع قانون العزل السياسي الذي أرسى بيئة قانونية ووجدانية خصبة للانتقام، ولا شيء غير الانتقام، حيث بدأ بالعزل الإداري للكفاءات، ولم ينته بالاغتيالات التي طالت النخب بكل أنواعها، وصولا إلى تهجير مئات الألوف من المواطنين الليبيين، ليضع بذلك البلاد في أتون حرب أهلية وعلى شفير التقسيم.

لقد انحرفت (الثورة) عن مسارها بمجرد أن اخترعت ثنائية فساد الثورات: الثوار والأزلام. وذهبت تلك القيم التي انبثقت مع بداية الحراك أدراج الرياح، لأن من تصدروا المشهد لم تكن غايتهم ليبيا، ولكن هدفهم كان القضاء فقط على القذافي وتمشيط مواقعه بهستيريا ثأرية ما عادت تفرق بين الدولة والنظام، ولا بين المجتمع والسياسة، ولا بين الماضي والمستقبل.

وبدأ النصر يتحول تدريجيا إلى نوع من الهزيمة الشاملة، وعلى كل الأصعدة، لأن القيم التي تتولد بعد النصر أهم من التي تصاحب السعي إليه. لقد أرسى فاتحو مكة، بقيادة النبي عليه الصلاة والسلام، في أول نصر حاسم لهم، قيمةً واحدة وأساسية كانت وراء تحول هذا النصر المرحلي إلى مشروع أمة تدخل التاريخ والجغرافيا من أوسع أبوابهما، هذه القيمة الأساسية هي التسامح، أو ما سمي العفو عند المقدرة.

وإذا ما جردنا القرن العشرين، الذي شاهد أكبر حروب عاشها الكون، فإننا سوف لن نجد سوى انتصارين حقيقيين، مَثلّهما شخصيتان يعتبرهما العالم أهم شخصيات القرن، المهاتما غاندي ونيلسون مانديلا، حيث لا فخر للبشرية في هذا القرن سوى بهما، وكان سر ربطهما بالنصر، هو أيضا قيمة التسامح وسياسة اللاعنف التي صاحبت أهدافهما الكبيرة. ذهب طغاة القرن جميعا إلى مدونة الهجاء التاريخي وبقي غاندي ومانديلا رمزان للتسامح وقصتين من قصص النجاح الإنساني.

وهو الأمر الذي جعل مانديلا يُذكّرنا في رسالته إلى الربيع العربي بأن نتأسى بنبينا  محمد، عليه الصلاة والسلام، حين قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء. لكن لا أحد ممن اختزلوا التاريخ في ما تبقى من أعمارهم وفي مصالحهم، لا أحد ممن قرروا دخول طرابلس يوم فتح مكة استلهم القيم النبيلة التي جعلت فتح مكة ذكرى سنوية نحتفل بها حتى الآن، لا أحد منهم قرأ رسالة مانديلا التي تذكرهم بقيمة التسامح التي أرساها نبينا في أول نصر حاسم له. وكانت الغاية من اختيار هذه الذكرى لدخول طرابلس والغاية مما صاحب الحراك من شعارات إسلامية إصباغ الهالة الدينية على ثورة أهدافها سياسية حقوقية، وهذا ما حصل في النهاية أمام ظهور تيارات تتاجر بالدين وميليشيات ترفع رايات غير الراية الوطنية، وتعتقد أن ما قبل 17 فبراير 2011 نوع من الجاهلية التي يجب اجتثاثها بكل ما فيها، ولأنهم يستخدمون الدين فقط للوصول إلى غايات خاصة نسوا ما صاحبه من روح تسامح ومن قانون شامل للعفو بعد النصر، ليتحول النصر إلى هزيمة فعلية وعلى جميع الأصعدة.

سالم العوكلي

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
غومة | 15/04/2017 على الساعة 17:43
مع الطلقة الاولى تحرق كل الاستراتجيات وتمحى كل الخطط...؟
لقد أخذت من الحماس وبوادر الأشياء التي تصاحب عادة الانتفاضات الاجتماعلية في الأيام الاولي كاءساس لاحكامك على الانتفاضة وتطوراتها. ما لم تشير اليه ان ما سمي بالانتفاضة حاد عن الطريق الوطني منذ الأسبوع الاول عندما ارتفع الصراخ بان جيش معمر كان ينوي تدمير بنغازي واهلها. لقد رهنت شلة المجلس الانتقالي للجامعة العربية ومجلس الأمن وحلف شمال الأطلسي مصير البلد. لم يوضع السوءال مدى قدرة تلك الشلة على التاءثير في المواقف والاحداث. فكما يقال البحري عنده حساب والقبطان عنده حساب اخر! الحقيقة المرة ان الحركات الاسلامية كانت تسيطر على الساحة واستغلت ما يسمون أنفسهم مستقلون في الواجهة لاقناع الغرب في القضاء على عدوهم الأساسي، القذافي! التغيرات الساسية وحتى الاقتصادية ربما تحصل بسرعة نسبية ولكن التغيرات ذات الطابع الثقافي والاجتماعى تاءخذ مدة أطول. شكراً. غومة
سامح | 15/04/2017 على الساعة 14:10
فبراير ثورة لكل الأحرار
فبراير ثورة حقيقة خرجت ضد ظلم دام أربعة عقود وليس من العدل تلبيسها ملبس السذاجة, فكما دام التخريب أربعة عقود فالأصلاح سيأخد فترة طويلة ولنا في ثورة فرنسا خير مثال, وأهنيء كل الليبيين بثورتهم المباركة وأحثهم على الصبر الجميل وأتمنى الشفاء العاجل لجرحانا والرحمة لشهداء فبراير
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع