مقالات

محمد بن نصر

وحدة الوجود عند هيجل

أرشيف الكاتب
2017/04/13 على الساعة 16:12

هذه مقدمة ضرورية للحديث عن بعض النظريات التي يجمع بينها انتسابها لفكرة "وحدة الوجود"، وهي فكرة قديمة قدم الحضارة الأورو- متوسطية، وتظهر بشكل مؤثر في أفكار هيجل.

في هذا السياق، ماذا تعني وحدة الوجود عند هيجل؟

الله والعقل والتاريخ شيء واحد؛ هذه هي وحدة الوجود عند هيجل! و"الدولة" هي المظهر الأخير لهذه الوحدة! لشرح ما سلف سأبدأ بادراج الفقرات التي جاءت بخصوص وحدة الله والعقل والتاريخ في كتاب "فلسفة التاريخ"، ثم الفقرات التي جاءت بخصوص وحدة الله والعقل والدولة في كتاب "فلسفة الحق" - سأدرج الفقرتين باللغتين العربية والانجليزية حتى لا يكون هناك محل لسوء الفهم أو سوء التأويل.

أولاً: وحدة الوجود في "فلسفة التاريخ"

"العقل الكوني الإلهي ليس قضية تجريد صرف، وإنما مبدأ حيوي قادر على تحقيق ذاته. هذا الخير، هذا السبب/العلة، في شكله الملموس، هو الله. الله يحكم العالم؛ العمل الفعلي لحكمه، تنفيذ خطته، هو تاريخ العالم".

ثانياً: وحدة الوجود في "فلسفة الحق"

"أساس الدولة هو قوة العقل الذي يحقق ذاته كإرادة. عند بحث فكرة الدولة يجب عدم تركيز النظر على دول بعينها أو مؤسسات بعينها. عوضاً عن ذلك علينا النظر إلى الفكرة، إلى الله متحقق في الواقع بذاته".

في هذه النصوص، هيجل لا يرفع العقل أو التاريخ أو الدولة إلى مقام الألوهية، وإنما يقول الله والعقل والتاريخ شيء واحد - بدون تعدد - هكذا يقول في كتابه "فلسفة التاريخ"! أما في الكتاب الأخر: "فلسفة الحق" فيقول  الله والعقل والدولة شيء واحد - وبدون تعدد كذلك! والنتيجة هي: الله والتاريخ و العقل شيء واحد، والدولة هي المظهر الأخير/النهائي لهذا العقل، لهذا الاله، لهذا التاريخ الذي ما انفك يتطور (= يكشف عن ذاته) حتى يستوي في شكل الدولة الليبرالية. فـ"الدولة الليبرالية" هي غاية/نهاية التاريخ عند هيجل، وفوكوياما من بعده.

عندما يتحدث هيجل عن "مكر العقل" أو "مكر التاريخ" فأنه يعارض حديث القرآن عن "مكر الله"، فهل يجوز للمسلم أن يفكر بذات الطريقة الهيجيلية، ويقول التاريخ هو الله وبالتالي مكر التاريخ هو مكر الله، أو يقول العقل الكوني يكشف عن نفسه تدريجياً في التاريخ حتى ينتهي في صورة "الدولة"، فالدولة هي الله؟

بالطبع لا..! هيجل غير مسلم و بإمكانه أن يقول ما يشاء فليس بعد الكفر ذنب، لكن المسلم لا يسعه أن يقول التاريخ هو الله، أو أن الدولة هي العقل الذي يحقق ذاته كأرادة فهي الله إذاً!

ويؤلموني أن زخرف هيجل، ومن لف لفه وسار على دربه، يحتل عقول الكثير من أبناء المسلمين اليوم، مثلما كانت بريطانيا وفرنسا تحتل أرضهم بالأمس، وهو ما يجعل الحديث عن استقلالنا وسيادتنا مجرد ثرثرة لبشر غير منضبط على منهج فكري ولا يملك خطاب أصيل. لقد تطور الإحتلال ليصبح للعقل بدل الأرض، ومن هنا أفهم ما أوصى به مالك بن نبي، وهو "ضرورة خوض حرب التحرير على جبهة الأفكار"، فما فائدة إخراج قوات الاستعمار العسكرية من أرضنا إذا كانت قواته الفكرية (الناعمة) تحتل عقولنا وتبلبل أفكارنا؟!

ولما كان هذا الكلام مما يكتبه مسلم للمسلمين، فلابد أن أبين للقاريء بنية الضلال على مستوى الأصول، لأن هيجل ينطلق من الفكرة المهيمنة على الفكر الأوربي منذ أيام الإغريق، (ولا زالت تمثل جوهر الفكر الأوربي الحديث، بالرغم من أن تيار "التفكيك" Deconstruction يحاول هدم الأساس الذي قامت عليه وهو فكرة الـ"لوغس" المحايث للطبيعة الذي يترجم عادة إلى مقولة "العقل يحكم العالم" أو "العقل هو الله"!).

عندما تسربت هذه الفكرة إلى النصرانية خربتها، وقلبت البقية الباقية من أنصار المسيح من موحدين إلى مشركين وكفار يقولون "المسيح هو الله". ومن بعد انتقلت الفكرة إلى الاسلام فانحرفت به/عنه في عقول بعض المسلمين، وقد عُرف هذا الانحراف تحت عناوين شتى أهمها "الحلول" و"الاتحاد" و"الفناء"، وهي كلها تفريعات للفكرة الأصلية: وحدة الوجود!

لابد إذن من رد الأمر إلى المحكم من القرآن؛ فالله على العرش استوى، والاستواء معلوم، والكيف مجهول، والايمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. والله في السماء لقوله تعالى: "ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور؟ أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير؟" ويتنزه جل وعلى عن الشبيه والشريك والولد: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير"، سبحانه أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا. أما الادعاء بان الله يحل في بشر أو شيء أو يتحد مع هذا أو ذاك، أو هو المسيح، او هو التاريخ، أو هو الدولة، فهذا كله باطل، ومن أقوال غير المسلمين الذين يقيمون عقائدهم ونظرياتهم على "وحدة الوجود"!

ولما كانت هذه "النظريات" قائمة على " لا شيء"، أي قائمة على "الباطل"، سماها نيتشه أصناماً، وقرر أن الأصنام أكثر مما يظهر في واقع العالم، ثم خصص في كتابه هكذا تحدث زرادشت فصلاً لـ"الدولة"، وعنونه بـ"الصنم الجديد"! سبق وأن أشرت إلى ما تقدم في كتابات سابقة (لا سيما رقم 1 و2 من سلسلة أصنام الحداثة)، لكن بعض القراء ظنوا ان جمعي لمصطلحي "الأصنام" و"الحداثة"، كعنوان لتلك السلسلة، صادر عن رغبة عندي في فتح باب التنابز بالألقاب مع فرسان الحداثة، وأنا أعذرهم لأن البعض منهم لا يفقه شيئاً إلا إذا اتخذ شكلاً مادياً، وأصنام الحداثة ليست كذلك!

الأمر إذن أخطر من مجرد رغبة في ثلب فكرة أو حقبة؛ الأمر يتعلق بأن نكون أو لا نكون (مسلمين)! وهذه الخشية مبررة لأن العالم اليوم محكوم بأفكار ونظريات غير المسلمين، فإذا كان صانعوا النظام العالمي يقولون عالمنا مملوء/موبوء بالأصنام، وأن الأصنام أكثر مما يظهر في واقع العالم، فهل يكون المسلم قد ارتكب خطيئة إذا نبه المسلمين إلى حقيقة وجود أصنام غير مادية/مرئية؟!

وإذا كان القاريء من متتبعي سلسلة أصنام الحداثة فسيرى في رقم 7 من السلسلة، العلاقة المباشرة بين تأليه الدولة (عند هيجل وغيره) والممارسات القمعية الممنهجة اثناء الحقبة الاستعمارية وما بعدها - "ما بعد الاستعمار" - لأن مصطلح "الإستقلال" لا يحمل من الاستقلال إلا ما يحمله مصطلح "البصير" كوصف للأعمى. الاستقلال إما أن يكون فكرياً أولاً أو لا يكون؛ ولذا أحاول جهدي كنس أصنام الحداثة من عقل إنسان جنوب المتوسط. والجهد الذي أبذله - صدقوني - ليس به أدنى رغبة في التنابز باللألقاب مع الذين لوثت عقولوهم نفايات الحداثة!

محمد بن نصر

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
من الكاتب إلى الممتعض | 16/04/2017 على الساعة 17:18
المسيري و نهاية التاريخ
لم تكن لي معرفة بأن المسيري له كتاب بهذا العنوان، و قد أصبح الآن على قائمة قراءاتي المستقبلية.أنا مدين لك بالشكر، و مهما شكرتك فلن يكون في ذلك ما يكفي لرد جزء من هديتك المعرفية. جزاك الله خيراً.
ممتعض | 15/04/2017 على الساعة 15:17
سم الأيديولوجيا 2
( ... من قبضة الاكراه تحت المسميات كافة ، والتأسيس لميثاق التحرر على الرشد البائن عن الغي والطاغوت ، ودعوة لحرية التفكير والاعتقاد وتحريك للإرادة الفاعلة نحو التعاقد الأفقي بين الإنسان وأخيه الإنسان ، وهو تحذير من أن الطاغوت يبزغ عندما يتحول العقل الحاكم على التاريخ والدولة وأبنية المجتمع السياسية والثقافية إلى سلطة إكراهية من خلال احتكار السلطة المنافية للتوحيد ، وكذلك حين يصبح الدين شبكة سلطوية كابحة ومعطلة لإرادة الانسان الحر تسخر الانسان لغايات من يفسر الدين ) من كتابه ( القصص القرآني : قراءة معاصرة ) الذي نطالع فيه شأن كل مؤلفات الدكتور شحرور ، فكرا مستنيرا تنويرياً متحررا من الملوثات العدمية الظلامية ، وبريئاً من سموم الأيديولوجيا .
ممتعض | 15/04/2017 على الساعة 13:28
سم الأيديولوجيا 1
رغم ثراء المنهج الجدلي وتميزه عن المنهج أو المنطق الصوري الجامد ، وذلك بالحيوية والديناميكية التي تجعله متوافقاً من سنن التطور الوجودي والفكري ، فإن إخضاعه في إطار فلسفة هيجل للنظرة الأيديولوجية السارية في أوصال الثقافة التي صدرت عنها تلك الفلسفة ،، انتهى بهيجل إلى السقوط في هوة أوهام وحدة الوجود ، التي تلقفها فوكوياما ليعلن عن نهاية التاريخ ، التي لا جديد فيها بل هي استعاء لوهم توراتي وإلباسه مظهراً حداثيا ، فسم الأيديولوجيا الساري في فكر هيجل سارٍ كذلك في فكر فوكوياما ، وسأذكر هنا بكتاب الدكتور عبدالوهاب المسيري ( نهاية التاريخ ) الصادر في طبعته الأولى عام 1979م ،ولا ينتهي الأمر عند هذا الحد بحيث يمكن خداع الإنسان بأية دعاوى أيديولوجية تتظاهر بأنها جاءت لتحريره ، وخصوصاً تلك المتدثرة بإهاب الإسلام الذي هو وحده الترياق الشافي والمنقذ من سموم كل الأيديولوجيات ، وعن الإسلام الذي ليس أيديولوجيا يقول المفكر الاسلامي ( ليس بوق دعاية مؤدلج ) محمد شحرور ( انقطاع الوحي وختم الرسالات ، ليس إعلانا عن نهاية التاريخ ، بل هو دعوة استثنائية للخروج بالمجتمع الإنساني من قبضة الإكراه تحت المسميات كاف
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت موافق على عملية الإفراج على الساعدي القذافي واخرين من عناصر النظام السابق
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع