مقالات

إبراهيم قراده

حرب النقود، وفِي نهاية المقال المقصود

أرشيف الكاتب
2017/04/06 على الساعة 12:16

النقود كما يقول اللسان الليبي "وسخ يدين"، هذا المثل فيه من التناقض، ما يعريه الواقع والسلوك.

قانون قريشام (Greshams Law): النقود الرديئة تطرد النقود الجيدة من السوق، اي انه في اية دولة التي يتم فيها عملتين فأن النقود الردئية تطرد الجيدة من السوق، ولا تبقى في السوق إلا الردئية.

واليوم ونحن نعيش ونتابع تراجع وفقد لقيمة الدينار نحو الخمس مقابل الدولار، وانعكاس ذلك على ارتفاع أسعار السلع المعيشية من غداء ودواء، يكتوي بنار وجعه ليس فقط فقراء الوطن المتزايد عددهم، وبل الطبقة المتوسطة المنحدرة بسرعة كماً ونوعاً.

الفرق بين السعر الرسمي للدولار بـ 1.3 دينار إلى 7 دينار، والمنعكس في تقييم مزدوج لقيمة بعض السلع، شجع عمليات التهريب، وبل التفريغ والتجفيف لبعض المواد من مثل الوقود والسلاح والمعادن والخردة والسيارات ليصل نحو السلع الغدائية من نباتية وحيوانية، لما يحققه التهريب ويجنيه المهربون من أرباح ضخمة وسهلة، في ضوء تراجع سلطات الدولة، وخصوصا الحدودية. واذا استمر هذا الاتجاه، فسنصل إلى مرحلة تفكيك وتخريب وتخريد فتهريب بعض المنشآت الصناعية والآلات الثقيلة. وذلك حدث ووقع في بعض الدول التي مرت بأوضاع سياسية وأمنية شبيهة، ولها ظروف شعبية واجتماعية مناظرة.

وللاقتراب من الفهم، فمن المفيد ان نعرف ما هي النقود؟ وابسط التعاريف هو: "Money is What Money Does" اي: النقود: هي ما تفعله النقود". ويمكن اختصار وظائف النقود: النقود وسيط للتبادل، النقود مقياس للقيمة، النقود مخزن للقيمة، والنقود وسيلة للدفع المؤجل. ولكي تقوم النقود بدورها ووظيفتها، فيشترط ان تتصف بـ: الاستقرار ودوام القيمة النسبي (ارتفاع الأسعار والتضخم يفقدها هذه الصفة)، القبول العام من الافراد (فيلم المتسول لعادل امام: نو دولار)، سهولة الحمل والتقسيم (صور عملات بعض الدول التي تحمل في عربات وتوزن بالكيلو).

والان، محلياً، تراجع قيمة الدينار يمكن تفسيره بعدة عوامل، منها:

- تراجع ايرادات العملة الصعبة مقابل تضخم الانفاق العام والخاص.

- ايرادات النفط تراجعت بسبب انخفاض الانتاج والتصدير للاسباب المعروفة من 1٫6 مليون برميل يوميا إلى 300 الف برميل، ليعود مؤخراً لحدود 700 الف برميل يومياً، مع انقطاعات وتذبذبات لنفس الاسباب المعروفة؛ وسعر برميل النفط هبط من اكثر 100 دولار للبرميل لحدود 50 دولار تقريباً. حسابياً، كانت ايرادات النفط لا تقل عن 60 مليار دولار سنوياً، لتصبح على احسن تقدير متوقع إلى 13 مليار دولار، وبسعر صرف الدينار الرسمي كانت الإيرادات في حدود 80 مليار دينار لتنخفض إلى 17 مليار دينار. مع مراعاة ان واقع ارقام الإيرادات هو اقل بعد خصم تكاليف الانتاج والتسيير، ويضاف إلى ذلك ارتفاع قيمة التأمين والمخاطرة والحماية والصيانة.

- في المقابل الانفاق العام انفجر لتضخم حجم مرتبات حيث بلغت قيمة باب المرتبات في ميزانية 2017 "المعصورة والتقشفية" حوالي 21 مليار دولار (عدد مرتبات الموظفين يترواح 1٫5 مليون موظف، اي ربع سكان ليبيا، اي موظف لكل اربع ليبيين، وهي نسبة أستثنائية ونادرة وغريبة عالمياً- جزء كبير من ذلك يعود للازدواج الوظيفي).

- في حين بلغ باب دعم السلع والمحروقات والكهرباء حوالي 6٫3 مليار، وهذا الدعم احد اهم مشجعات التهريب وابواب النزف في الاقتصاد.

- فيكون العجز، وبحسبة بسيطة وتقدير مبدئي وتفاؤلي، فاذا كانت ايرادات النفط وحصيلة الرسوم ستكون في حدود 20 مليار دينار بالسعر الرسمي، وحجم ميزانية الانفاق العام في 2017 كانت 37٫5 مليار دينار، بالعجز سيكون في حدود 17 مليار دينار، اي 13 مليار دولار بالسعر الرسمي.

- طبعاً، مع أهمية عدم اهمال اثر انخفاض عائد الانفاق العام بسبب تراجع الإنتاجية والتهريب والفساد والمصاريف المبددة والضائعة نتاج التحارب الاهلي وتمويله.

واضح جداً اننا ننفق ونصرف اكثر من إيراداتنا وقدرتنا، ولكن إلى متى وكيف؟

هناك ترواح كبير في تقدير ارقام احتياطي مصرف ليبيا المركزي والأرصدة والأموال في الخارج والمجمد بعضها، فبعض الارقام تقول ان احتياطي المركزي يترواح بين 40 إلى 80 مليار دولار، وان ارصدة ليبيا في الخارج تقع ما بين 60 و70 مليار دولار. السؤال، ما هي قيمة الارقام الحقيقية الان؟ وهل هناك ازدواج وتكرار لبعض تلك الارقام؟

ولنطلق افتراضاً ان الاحتياطيات في حدود 70 مليار دولار، وبدون تبرير لأي قصور ومهما كان الحديث، فأرقام الاحتياطي كبيرة نسبياً ظاهرياً وبالمقارنة بأوضاع بعض الدول، لكن ذلك قد يكون خادع في نفس الوقت. لان استمرار حالة الاستنزاف الحالية يجعلها مسألة وقت للوصول لحالة العجز الحقيقي وربما حتى الافلاس. مع الأخذ في الاعتبار، انه ليس بالمقدور دائماً تسييل تلك الاحتياطيات في توقيت مناسب وصفقات رابحة.

كما انه من المطلوب دائماً تذكر ان هناك تكاليف والتزامات متراكمة من مثل الديون والمتأخرات والتعويضات الناتجة عن أصول شركات عاملة في ليبيا او مقابل فواتير منظورة وغير منظورة، وهي عادة يحكمها القضاء الدولي او شروط دولية.

وايضاً، تكاليف التعويضات واعادة التأهيل والإعمار لما الأضرار به وتدميره محلياً.

انها صورة قاتمة بالتأكيد، ولكن لا طريق لنا غير وسوى الامل والعلم والعمل والقدرة والواقعية وإلاصرار والمسئولية، فالاقتصاد لا يعرف المزاح ولا يعترف بالعناد وليس من أعرافه التلاعب ومعروف عنه ان وقت وتوقيت وميقات.

والان، نحن نعيش اثار وتأثيرات ذلك والتي  تلفح وتكوي المواطن في حياته اليومية وحساباته المستقبلية، لان ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق الموازي إلى 5 أضعاف مقابل الدينار يعني ان دخل المواطن وأصوله ومدخراته انخفضت إلى الخمس، اي ان مستواه المعيشي والاقتصادي اصبح 20% مما كان عليه.

هنا يبرز السؤال الافتراضي وربما الخيالي الاهم، وهو: هل هناك عوامل مخفية وعناصر مغيبة وايدي مختبئة لها دور، غير ما نعرفه من ثأثيرات وتداعيات والازمة الحالية وأطرافها؟ وابسط وأنجع الاجابات هو البحث عن المستفيد؟

طبعاً، هناك مستفيدون محليون يتربحون من هذه الاوضاع. ولكن ماذا عن وهل يوجد احد غيرهم؟!

ظاهرياً، هناك اطراف تقابل جماعات التهريب المحلية في الدول التي يتم تهريب السلع والوقود والسلاح لها. وهذه الاطراف التي تتربح من التجارة الغير شرعية الناتجة عن فروقات الأسعار. الاطراف عندنا وعندهم تعمل خارج الاطار الرسمي والقانوني لكل الدول، اي ان ما يقومون به يقع تحت طائلة قوانين الدول المعنية، وبالاخص ان هذه التجارة تديرها عصابات منظمة بعضها ينخرط في الاجرام المنظم والمخدرات والسلاح والارهاب وتمويله. فكل الدول تحاول منع تجارة التهريب للاسباب المذكورة، بالاضافة إلى تأثيرها السلبي في الأضرار بمبدأ التنافسية في التجارة وتخفيض العائد الجمركي وتشجيعها لعمليات غسيل الأموال والفساد.

لكن، وهذا معلوم لنا كلنا، ان ليبيا في حالة تحارب اهلي في مقدمتها، وان هناك نوع او درجة من الحرب بالوكالة والتنافس بين بعض الدول لتحقيق مصالح ونفوذ مادي او معنوي.

في تاريخ الحروب، الحروب لا يتحارب ولا ينتصر فيها الاطراف فقط بالسلاح في الميدان، بل بالحروب والبروباغندا الإعلامية والنفسية، وبالتفقير والتجويع والحرمان الاقتصادي.

من التجربة، تم استخدام وانتشر تزوير العملة في حرب الاستقلال ثم الاهلية الامريكية وفيتنام والصين وافغانستان... من قبل الاطراف المتحاربة او من قبل مجرمين استغلوا الظروف. ولعل اشهر ذلك "عملية بيرنهارد/ Operation Bernhard" المُحكمة التزوير والتي خططت وقامت بها مخابرات المانيا النازية بتزوير العملة البريطانية بهدف نشر وتعميمها عبر إسقاطها بالطيران، إلا ان تغير مجرى الحرب. وهناك حالات اخرى توضح هذا السلاح الحربي المدمر، المستخدم حتى في وقت السلم، مما جعل اغلب الدول تفرض عقوبات تصل للإعدام هذه الجريمة، باعتبارها تهديد جدي لأمنها القومي.

ليبياً، ما علاقة ذلك بليبيا؟ تزوير العملة يهدف إلى ضرب معقل الاقتصاد، وهو اصدار وادارة وتداول النقد، ولهذا كل دول العالم حصرت واحكرت ذلك في مؤسسة سيادية مستقلة ومحصنة، هي البنك المركزي.

شخصياً، ليس لدي اي دليل او برهان او اجابة حول اما اذا كان هناك استهدف متعمد ومخطط للدينار الليبي، ولكن تعدد الاسباب والنتيجة واحدة، حتى لو كان السبب سذاجة واندفاع وقلة علم وتخصص بعضنا.

فنحن نعرف ان هناك ما بين 20 إلى 25 مليار دينار ليبي خارج المنظومة المصرفية، وهو مبلغ كبير جداً جداً لحجم الاقتصاد الليبي، والأعجب ان المحتفظين بهذا المبلغ غير مهتمين ولا مبالين ولا مكثرتين بانخفاض مدخراتهم إلى الخمس. فلماذا، ومن هم، هل هم افراد ام جماعات منظمة؟

توقع افتراضي قابل للحدوث، ماذا لو قرر فجاءة المحتفظين بـ 20 - 25 مليار دينار خارج دورة السوق إنزالها للسوق؟ بالتأكيد سيحدث انفجار في الأسعار وتضخم جامح يهوي بقيمة العملة إلى قاع القاع. سيناريو مرعب!

ذلك اثر شديداً في النقص الحاد للعملة المتداولة مما اضطر إلى طباعة عملة بقيمة 4 مليار دينار في روسيا لتلبية وتغطية الحاجة (سوريا واليمن ايضاً قامت بالمثل، والظروف متشابهة)، ولكن ذلك أنتج نوعين من العملة في سوق التداول، عملتان تتساويان في القيمة الاسمية وتختلفان في قيمة القبول ومكانه. فما اثر ذلك على المدى الأبعد على اقتصادنا الوطني.

ومؤخراً، سمعنا بظاهرة الصكوك المصدقة بدون غطاء موازي فعلي تصدرها بعض البنوك التجارية مما زاد الضغوط على العملة المحلية والطلب وارتفاع سعر الدولار، لان الصكوك ايضاً عملة مؤجلة، ولكن يمكن تحصيله؟!

بموازة ذلك، ومع استشراء التهريب العيني والذي قيمته عملة صعبة، نسمع من حين لآخر لكشف سلطات بعض لعمليات تهريب لعملة صعبة من ليبيا.

كل ذلك وغير ذلك، يؤشر اننا نتجه نحن حرب نقدية مدمرة، ربما لا يراها الناس ولكن يلمسونها. هذا يدعونا مرحلياً وعاجلاً إلى التريث في تفاعلنا مع السياسة النقدية وابعادها عن الانفعال واستخدامها كاداة في تصارعنا، وهذا يستوجب استبعاد وابعاد مصرف ليبيا المركزي كمؤسسة وطنية جامعة عن التجاذبات السياسية، ودعمه ليكون حازماً جازماً في استقلاليته.

الختام، بمفارقة، ان احد مصادر دخل العملة الصعبة هو نشاط تهريب الهجرة الغير شرعية، ولكنه يغسل امواله في الخارج، ويثقل الاقتصاد الوطني ويهدد الامن الوطني ويهين السمعة الوطنية ويجرح الانسانية بتكاليف باهظة الثمن العاجل والمؤجل.

"يفنى مال الجدين وتبقى صنعة اليدين"، وهذا هو المثل الليبي الجدير!

ابراهيم قراده/ ادرار نفوسه
[email protected]

* ملاحظة: الارقام الواردة ليست نهائية، بسبب تعدد واختلاف المصادر، ولهذا فهي تدليلية واستدلالية.

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
متشأم | 14/05/2017 على الساعة 18:48
شر البلية ما يضجك....
سعادة السفير ... الذي أعير قسرا على نص القانون وارادة المواطن... سعادته تلقن مفهومالحياة الاجتماعية الاوروبية ثقافة سمعية وممارسة قعلية بين الطرف المقابل.. اليوم يتحدث على هموم منظورة ويتجاهل انحرافه و تقاعسه المهني والانساني... سعادة قرادة كغيره ممن عاشوا وسط نمط اجتماعي غربي بسلبياته و سلوكه، مستبعد ان يعني ما يزعم...
تقّاز | 08/04/2017 على الساعة 06:25
النوايا وطريق جهنم
يا دكتور/أمين. ألإفلاس قائم لا آت. إفلاس في الضمائر، هو أولها ثُمَّ بعده إفلاس في الحكمة ، وهي غائبة وإفلاس في المنطق، فهو أعوج وإفلاس في الأمانة التي قد أبَتِ السماوات والجبال أن يحملنها!!!وحديثي طويل لا يكاد لِنَفَقِهِ مِن ضياء. ليبيا في سرداب مغلق . لست متشائما بل واقعيٌّ وبإصرار. وقى الله ليبيا شرور إخوان المرشد... أعرفها وأعنيها . تجربة الحِقَب وما احتوتهُ من السنين. حما الله البلاد والعباد. .."والله بصير بالعباد..." وسنرى، لو طال بنا العمر
د. أمين بشير المرغني | 06/04/2017 على الساعة 19:24
قلبي على وطني
مقال ممتاز وواضح. الافلاس آت لا ريب . اليوم ثروة المواطن العينية تراجعت أيضا بمقدار أكبر من تراجع العملة وتلاشت مدخراته. فالحرب مستمرة دون رادع . وتوسع دائرة الفقر والحالة الاقتصادية المتردية كفيلة بانهيار كل الخدمات وغياب الثقة في المستقبل ومعنى الوطن بتفسخ قيم المجنمع وتمزيق روابطه، مما يساعد المتدخلين الاجانب أو من كان له غرض في تحقيق مآربهم ولو بنوسيع دائرة شراء الذمم.
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع