مقالات

د. أحمد إبراهيم الفقيه

شهادة حول نابغة الرسم الساخر الفنان الليبي الراحل محمد الزواوي

أرشيف الكاتب
2017/03/29 على الساعة 03:57

تقاطعت حياتي المهنية في محطات كثيرة مع عبقري الرسم الساخر في ليبيا المرحوم محمد الزواوي، فقد بدات اطلالتنا على القاريء في وقت متقارب مطلع الستينيات، وكان هو قد حصل على خبرة في مهنة الرسوم التوضيحية اثناء عمله في قسم الارشاد بمنظمة الاغاثة الامريكية المسماة النقطة الرابعة، وانتقل من بنغازي الى طرابلس، بعد ان ترك العمل في هذه المنظمة، استجابة لدعوة من الاعلامية الشهيرة السيدة خديجة الجهمي، التي كانت عنصرا قياديا في اعلام تلك المرحلة، وقد بدات التخطيط لاطلاق مجلة خاصة بالمرأة، وارادته ان يكون مديرا فنيا لهذه المجلة في طرابلس، وهي المهمة التي واصل القيام بها طوال حياة الحاجة خديجة رحمها الله.

الفنان الزواوي كما رسم نفسه مع نموذجين من رسومه

الا انه خارج هذا الاطار الوظيفي، فقد بدأ يظهر في الصحافة اليومية، والاسبوعية، واهمها صحيفتان هما طرابلس الغرب، ثم صحيفة الميدان فيما بعد، غير المجلات الشهرية مثل الاذاعة، التي عرفت نشر انتاجيه،  واستقبله القراء استقبالا حافلا باعتباره، صاحب مدرسة واسلوب خاص به في الرسم الساخر، ويؤسس لتجذر هذا الفن في الصحافة الليبية، وكان هذا الفن قبل ظهوره مجرد جهود متواضعة لعدد من زملائه، السابقن له، ولم يكن الرسم الساخر مهمتهم الوحيدة مثل الفنان الاستاذ عبد الحميد الجليدي، وانضم الى المجموعة فيما بعد كل من الفنان صالح بن دردف والفنان عمر ابوعامر، من مجايلي الفنان الزواوي.

كنت محررا في صحيفة طرابلس الغرب، وكان هو مديرا فنيا لمجلة البيت، تجمعنا مؤسسة واحدة، هي ادارة المطبوعات الحكومية، ومبنى واحد، هو عمارة قدح في ميدان 9 اغسطس، وكان سهلا ان نتفق على تحرير باب مشترك يقوم هو برسم ساخر للباب، واتولى انا تحرير المادة الصحفية، وكان هذا الباب بعنوان "نواقيس"، في صحيفة طرابلس الغرب، وهو نفس الاسم الذي اعطاه الفنان الزواوي فيما بعد لواحد من المجلدات التي ضمت رسومه الساخرة.

وقد اسهم هذا التعاون في تعميق الصداقة بيني وبينه التي استمرت حتي يوم رحيله، ولم يقتصر هذا التعاون على فترة عملي في صحيفة طرابلس الغرب، وانما تواصل بعد ذلك واثناء فترة السبعينيات، عندما اصدرت صحيفة ثقافية هي الاسبوع الثقافي، وكانت ريشة الفنان محمد الزواوي، هي الريشة التي اسهمت في منح شخصية متميزة للصحيفة بما اضفاه على اعدادها الاولى من عبقريته وعطاء موهبته، حيث رسم مجموعة رسومه الخاصة بهذه الصحيفة، اخرجته من الاطار الذي كرس له ريشته، الاجتماعي والسياسي، الى الافق الثقافي، فرسم كثيرا من الرسوم التي تناولت بالتعليق الساخر شتى جوانب الحياة الادبية والفنية.

وبعد ان غادرت البلاد للعمل في الخارج، كان محمد الزواوي دائما في ذهني، باعتباره وجها ابداعيا يجب تقديمه الى المجتمع الدولي كدليل على النبوغ الليبي، وفي هذا الاطار تحضرني واقعتين، احدهما مؤسفة، والثانية مدعاة للفخر والاعجاب،  فقد كنت قد نجحت في اقامة موسم ثقافي ليبي في لندن بالتعاون مع احدى المؤسسات البريطانية، واحتوى الموسم محاضرات وندوات اقمناها في جامعة لندن، وبعض العروض الفنية، وتقديم اثنين من معارض الرسم، احدهما معرض للتصوير من اعمال الفنان الليبي العالمي الاستاذ على عمر ارميص، اطال الله عمره، وكان الثاني معرضا للرسوم الساخرة للفنان الليبي العالمي ايضا الاستاذ محمد الزواوي، واتفقت معه على الحضور من طرابلس الى لندن في الموعد المحدد، مصطحبا لوحاته معه، الا انه طرا اثناء ذلك ان توصل بدعوة لاقامة معرض في تونس، قبل معرض لندن، فاتصل بي، لابلاغي بانه سيكون في الموعد، وسينتقل بلوحاته مباشرة من تونس، وتم تاجير الصالة وتوزيع الدعوات، وبدانا بمعرض الفنان الاستاذ على عمر ارميص، واعتدادا بهما وافتخارا بمنجز كل منهما فقد كثفنا الدعاية والتواصل مع الاعلام لتقديم عينات من النبوغ الليبي، وحل موعد وصول الفنان الزواوي الى لندن، لكي يشرف بنفسه على اعداد المعرض، الا انه لم يصل، مع معرفتي بانه تم تأمين تاشيرة الدخول ولا مشاكل من هذه الناحية، فما الذي عرقل مجيئه؟، وعندما اردت الاتصال به في تونس، تعذر هذا الاتصال، ولم اعرف الا متاخرا، ان ملابسات امنية سياسية ادت الى القبض على محمد الزواوي، وايذاعه السجن في تونس رهن التحقيق، وكان ذلك امرا في منتهى الغرابة، لان محمد الزواوي، مثال لاقصى انواع المسالمة والتهذيب والسلوك الحضاري، يتحاشي الدخول في اي مشكل مع اي انسان، او اي واقعة يمكن ان تقوده الى مخفر من مخافر الشرطة، فما بالك بالاعتقال والسجن. واتضح فيما بعد ان بعض جلاوزة النظام الليبي، الضالعين في التآمر والاجرام، ارادوا استخدام المعرض الفني الذي اقامه في تونس غطاء لارتكاب عمل ارهابي ضد تونس ادى الى التحقيق محمد الزواوي واحتجازه لهذا الغرض، وقد كتبت تفاصيل هذه المؤامرة التي تعرض لها الفنان محمد الزواوي كما سمعتها من فمه ومن شهود عيان للحادث في موضوع مستقل بعنوان "هذا ما حدث لنابغة الرسم الساخر محمد الزواوي" موجود (في صحيفة ليبيا المستقبل) في مواقع شبكة المعلومات لمن يريد البحث عنه تحت هذا العنوان، ولي مقال آخر في وداعة نشر غداة رحيله  تحت عنوان عبقري الرسم الساخر محمد الزواوي يرحل مع بزوغ شمس الحرية(موجود هو ايضا في صحيفة ليبيا المستقبل).

اما الحادث الثاني، الذي لا يقترن بمثل هذه الوقائع  الحزينة المؤسفة، فهو مشاركته في نشر صفحة من رسوماته في صحيفة الشرق الاوسط اليومية التي كان ظهورها في لندن وطباعتها في تسع مراكز من الكرة الارضية، تدشينا لعصر جديد في الصحافة،  فمثل ظهور هذه الصفحة تطورا ايجابيا في الحياة الفنية للفنان، حقق له اعتراف طبقات جديدة من القراء بعبقريته النادرة في هذا الفن، وكان ظهور هذه الصفحة انجازا افتخر بانه جاء عن طريقي، وكان السبب هو انني قرات تقريرا صحفيا صادرا عن مركز بحوث فرنسي، عن النهضة الثقافية في بلدان المغرب العربي، وعدد نواحي هذه النهضة، واستثني ليبيا باعتبار انها خالية من اي نشاط ثقافي، وازعجني ما قرات، وادركت ان النظام العسكري في ليبيا نجح في وضع ستار حديدي يمنع ظهور انجازات المبدعين والمفكرين الليبين، فقررت تلبية دعوة من رئيس تحرير الشرق الاوسط بكتابة باب يومي للصحيفة  كان عنوانه كل يوم، واستاذنت رئيس التحرير في ان نخصص صفحة اسبوعية لرسوم الزواوي، تحمس الفنان الكبير لانجازها، الا انه كان حريصا على استعادة الاصول، واسهمت صعوبات ارسال الرسوم ثم اعادتها، في ان هذه الصفحة التي استمرت بضعة اشهر لم تستمر في الظهور أكثر من ذلك.

كان قبل رحيله قد جاء الى القاهرة للعلاج، حيث كنت ازوره خلال اقامته في المستشفى، وكان متألما حزينا، يتكلم بحرقة والم عن المجزرة التي ارتكبها النظام ضد مساجين سجن ابو سليم وكان ابن الفنان محمد الزواوي واحدا من ضحايا هذه المجزرة، وكان اشد ما اشعره بالالم ان الاسرة ولمدة عشر سنوات بعد مقتل هذا الابن، تقوم بزيارة السجن وتنقل له الطعام، وتعد وجبة كاملة كل يوم من ايام رمضان، ينقلها اليه والده ساعة المغرب، بينما هو كان قد قتل، دون ان يخبر احدا الاسرة بمقتله، بل يتقبلون الطعام ويقولون انهم سينقولونه اليه ويطمئنونهم على صحته، وكان الخداع بالنسبة له اشد مرارة والما وفجيعة من القتل. عليه رضوان الله.

د. احمد ابراهيم الفقيه

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
د. علي اعبيد | 01/04/2017 على الساعة 16:12
الزواوي مدرسة متالقة
لو كان الفنان محمد الزواوي غير ليبي، لكان له شهرة عالمية واسعة لا تقل عن شهرة بيكاسو أو دالي أو أي من رواد الفن العالمييين الكبار. سؤ حظ الزواوي كان مضاعفا؛ أوله أنه عربي يعيش في بلاد العرب، وثانيه أنه ليبي عاش في عصر المعتوه الأول، الذي تفتق خياله المريض فابتكر فكرة محاربة النجومية. من يتمعن في رسومات الزواوي لا يجد صعوبة في تحسس روح الابداع والذائقة الفنية الرفيعة. رحم الله الفنان محمد الزواوي الذي كان مدرسة متألقة رغم كل الظروف، في بلد تحولت فيه المدارس إلى أماكن للثرثرة وقتل الوقت..
نورالدين خليفة النمر | 30/03/2017 على الساعة 09:55
عالم إزواوي الرحيب
الليبية الستينية ألى مجلة "البيت" التي بدون رنين وبعنوان عائم مطّاط وما المقصد من وراء هذا التغيير الجائر ومن اقترح هذاالأسم المطّاط كل ذلك حتى لاأطيل ربما يكون تعليقاً في مناسبة أخرى وأشكر الكاتب على مقالاته التي تمتعني في الأغلب ... دائماً .
نورالدين خليفة النمر | 30/03/2017 على الساعة 09:52
عالم إزواوي الرحيب
أتمنى على كاتبنا الكبير أحمد ابراهيم الفقيه أن يعيد معايشاته وأفكاره وتأملاته الخصبة في عالم إزواوي الرحيب مصاغة في مقال شامل تحت عنوان أدبي معبّر ــ وهو من لاتعوزه العناوين المقتضبة الدّالة كـ: البحر لاماء فيه وأربطوا احزمة المقاعد ،وأختفت النجوم الخ ــ يضّم فيه مساهماته الثلاثة : 1 ـ عبقري الرسم الساخر محمد الزواوي يرحل مع بزوغ شمس الحرية 2 ـ "هذا ما حدث لنابغة الرسم الساخر محمد الزواوي" 3 ـ شهادة حول نابغة الرسم الساخر الفنان الليبي الراحل محمد الزواوي ،حتى نكوّن عبر قلم وصّاف نابغ هو قلم الفقيه ، رؤية بانوراميّة متكاملة لفنّانا الراحل العظيم الذي عرفناه رسّاما وإنساناً رائعاً رحمه الله .في المقال الذي ورد سهواً إسم مجلة "البيت" بدل مجلة "المرأة" والجملة هي : "كنت محررا في صحيفة طرابلس الغرب، وكان هو مديرا فنيا لمجلة البيت، تجمعنا مؤسسة واحدة، هي ادارة المطبوعات الحكومية" .فتاريخياً كانت المرأة موازية لطرابلس الغرب ،وبعدها "العَلَم" والبيت بعد عام 1970 موازية للفجر الجديد وربما قبلها لصحيفة "الثورة" . أما لماذا تحولت مجلة المرأة التي كان لها رنيناً ثورياً في المجتمعيات الثقافية>>
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع