مقالات

محمد بن نصر

أصنـام الحداثـة (5)

أرشيف الكاتب
2017/03/25 على الساعة 11:27

أم الالهة في الأساطير الإغريقية أسمها "غايا" Gaia أما أم آلهة الحداثة فاسمها الثورة الفرنسية! لنتذكر فقط أن وظيفة الصنم هي الإذن بما لم يأذن به الله (سفك الدماء وسلب الأموال بغير حق)، غير أن الصنم لا ينطق، ولا يأمر ولا ينهى، وإنما يرمز! الصنم رمز لهوى أصحابه (المشركين) الذين يحكمون ويتحكمون باسمه، فيحلون ويحرمون، ويعطون ويمنعون على هواهم، ودائماً باسمه أو دفاعاً عنه! في هذا السياق ولد للثورة الفرنسية صنم أسمه "الوطن"، وكان لويس السادس عشر (ملك فرنسا) أول قربان يقدم لهذا الصنم! ولما كان تقديم القرابين من العبادات؛ يستحق الأمر تفصيلا تاريخيأً موجزاً للظروف التي شرعت فيها العبادة الجديدة، وكيف تم تقديم الملك قرباناً للصنم الجديد.

عندما اندلعت الثورة الفرنسية لم يكن للثوار من هدف سوى تحويل الحكم الملكي المطلق إلى ملكية دستورية، لكن ثلاث سنوات من المحاولات لم تفضِ إلى شيء، بل سارت الأمور إلى الأسوأ عندما تحالفت الملكيات الأوربية لإعادة النظام القديم. ولا شيء يجعل ذلك ممكنا مثل بقاء الملك حياً كرمز لذاك النظام! ومن ثمًّ وقف عضو الجمعية الوطنية روبيسبيير (محامي) ليقول: "الملك إما أن يحكم أويموت"! وبالرغم من أن دستور 1791 يقرر أن شخص الملك مقدس ولا يُمس، انتهى روبيسبيير إلى أنه: "يجب أن يموت لويس ليحيا الوطن" Louis doit mourir pour que la patrie vive !

بعد تنصيب الوطن كصنم فوق الدستور، ويقدم له قربان بدرجة ملك، أصبح من الطبيعي أن تكون الوطنية هي دين هذا الصنم الجديد: تغيير الإله يقود إلى تغيير الدين. وهكذا دشن الصنم الجديد بتقُديم قربان بشري في شخص الملك الذي ذهب ملكه ادراج الرياح تاركاً وراءه صنم جديد أسمه "الوطن" ودين جديد اسمه "الوطنية"! في هذا الدين يلهج المواطنون بذكر الوطن، ويموت المواطنون ليس في سبيل الله، بل في سبيل الوطن! الوطن صنم من "أصنام المسرح" - مسرح السياسة!

كانت محاكمة لويس السادس عشر أول "محاكمة سياسية" جديرة بهذا الإسم، لأن ناحت الصنم الجديد (روبيسبيير) صرح بأن مهمة المحاكمة ليست مهمة قضائية/عدلية وإنما سياسية! وهذه صورة من صور الميكافيللية: عندما يقرر سياسي اعدام غريمه يقدمه لمحكمة تأتمر بأمره، مع توصية بالحكم عليه بالإعدام. والتاريخ مليء بالغايات السياسية التي تم تغطيتها بوسائل قضائية تبرر تقديم الخصوم السياسيين إلى المقصلة، أو حبل المشنقة، باسم الثورة أو الدولة أو الوطن، أو أي صنم إجرائي آخر يحكم أو يبرر الحكم طبقاً لقاعدة "الغاية تبرر الوسيلة"!

لابد أن يكون الإنسان بمستوى قوة النقد الانجليزي، على الأقل، ليكتشف زيف المصطلحات (الأصنام) الفرنسية. وسأستعير شيء من النقد الانجليزي لفضح الوطنية كفكرة زائفة تملأ اليوم الرؤوس الفارغة التي امتلأت أمس بالقومية والاشتراكية! يقول الناقد الانجليزي صامويل جونسون: "الوطنية هي آخر ملجأ للمحتال".. Patriotism is the last refuge of the scoundrel.

كانت عبارة صامويل جونسون هذه متقدمة على الثورة الفرنسية باربعة عشرة سنة (1775)! ربما لمثل هذا السبب (قوة التحصين النظري) لم تنتقل العدوى الفرنسية إلى الجارة البريطانية التي عرفت كيف تحافظ على هويتها، ولم تتحول إلى مسخ، بفعل الافكار الفرنسية، شأن من تنازل عن هويته الأصيلة مستبدلاً الذي أدنى بالذي هو خير!

وقبل النظر إلى انتقال الصنم إلى الجنوب كمصدر للمشروعية، لنراه وهو يبرر العلاقة الوثيقة بين الثورة والثروة في فرنسا، حيث يقول أحد الثوريين: "في النظام القديم أثرى الارستقراطيون، وبالثورة يثري الوطنيون.. عدالة.. ليس في الأمر شيء أكثر من ذلك"! هذه ترجمة فرنسية عملية للوطنية كملجأ للمحتال! فكثيراً ما تكون "الوطنية" و"عبادة الوطن" مجرد غطاء للسلب والنهب. وعندما أصبح الوطن صنم القبيلة العربية تبارى شعرائها في وصفه كمصدر لمأساة الجاهلية الثانية:

- نزار قباني: "اتجول في الوطن العربي وليس معي إلا دفتر.. يرسلني المخفر للمخفر.. ويرسلني العسكر للعسكر".

- أحمد مطر: "الإعدام أخف عقاب يلقاه الفرد العربي.. أهناك أقسى من هذا؟ـــ طبعاً فالأقسى أن يعيش في الوطن العربي".

- جلال عامر: "الوطن هو المكان المقدس بالنصوص والمكدس باللصوص".

صنم الجاهلية حجر وصنم الحداثة سجن، والمسلمون سجناء 58 سجنا ضيقاً، أسم كل منها "الوطن"!... ولما كان الصنم لا وظيفة له سوى الإذن لأصحاب الأهواء بما لم يأذن به الله، لابد أن أمر على رأي المواطنة/الوطنية نوال السعداوي التي أعلنت عن موقفها من الحرية والتحرير على النحو االتالي: "أنا لا أفصل بين تحرير المرأة وتحرير الوطن"!

- وهل هناك ما هو أروع من تحرير الوطن والمرأة في مرة واحدة!.. لكن كيف؟

الإجابة: "بفتح بيوت الدعارة..!" أي ورب الكعبة: "فتح بيوت الدعارة" في مصر، لترفرف فيها الرايات الحمراء كما كانت ترفرف أيام الجاهلية الأولى! ولم يكن هذا الحديث سراً في جلسة خاصة، وإنما علناً وفي محاضرة عامة (منشورة على اليوتيوب). ولما كان الوطن والدولة وجهان لذات الصنم فقد رأت الدكتورة نوال أن تكون بيوت الدعارة تحت رعاية الدولة.

هذا هو الوطن - الصنم، وهذه هي الوطنية كسبيل لتحرير المرأة: أن تصبح "الفاحشة" و"المقت" و"سوء السبيل" هي الحل! حل فاسد لا شك، لكن لما كانت الدولة هي راعية الفساد، فلا غرابة أن يطلب مفكروها (رموز الحداثة العربية) تقنين الدعارة، لتكتمل هيمنة الفساد، فتصبح الدولة هي الفساد أو يصبح الفساد هو الدولة!

عندما أسمع من يتحدث عن: "قضية وطن" أو "معركة وطن"، أقول في نفسي لو دخل هذا المخلوق عالم الأفكار بوعي لأستحى مما يقول، لأنه في الواقع يتحدث عن "قضية صنم"، أو "معركة صنم"! أما إذا قال: "فلان خان الوطن"، فالمعنى إن لديه رغبة حقيقية في تصفيته مادياً أو معنوياً!

هذا هو حال اجيال أقبلت على التعليم فلم يتحقق لها سوى التجهيل. التجهيل الممنهج هو الذي يجعل الجيل الحالي يرفع راية الوطن والوطنية والمواطنة بذات الغفلة التي حمل بها الجيل السابق لافتة "حرية اشتراكية وحدة"! و"حرية اشتراكية وحدة" هي النسخة العربية المعدلة من "حرية مساواة اخاء" الفرنسية، وهذه الأخيرة هي البديل العلماني الذي جاءت به الثورة الفرنسية عن "الأب والإبن والروح القدس" - كلها تطورات في عالم تعدد الالهة، عالم "ثالث ثلاثة"، المتناقض جذرياً مع "لا إله إلا الله"!

"لا إله إلا الله" معناها: لا فرعون، لا صنم، لا وثن، ولا مصدر للمشروعية إلا كتاب الله: "ومن يبتغي غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين".

كان أوائل المشركين يدركون خطورة لا إله إلا الله على أصنامهم - رمز مصالحهم- التي كانت مرئية وتملأ المكان، ولا فعالية لـ"لا إله إلا الله" إلا بعد زوالها، أما أصنام الحداثة فهي غير مرئية، ولذا تردد "لا إله إلا الله" دون أن تؤثر فيها، لأن من يقول لا إله إلا الله لا زال بعيداً عن عالم الأفكار الأوربية، وما فيه من أصنام وأوثان تأذن لكل من اتبع هواه بما لا يأذن به الله: "أفرأيت من اتخذ إله هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله.. أفلا تذكرون"؟

محمد بن نصر

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
غومة | 25/03/2017 على الساعة 21:26
الدين وسيلة، الاوطان فضيلة، وترديد الشعارات الفارغة مضيعة للوقت والمجهود...؟
لم اقرء هراء فارغ الشكل والمحتوى مثل هذا الكلام الباءخ! أفكار ليست حتى نصف مهضومة، جمعت من هنا وهناك لتجز بها في حديث ديني المحتوى عقلاني الشكل. العلمانية والوطنية ليست اصنام بل مبادئ تنظيمية بدونها لا بمكن ان تبنى الدول وتزدهر المجتمعات. شعار "لا اله الا الله" يبقى مجرد شعار في حاجة الى من يرفعه فوق الترديد والشكلانيات ويضعه موضع التطبيق، اي لتغييره من مجرد جملة الى ان يكون اسس لدولة عصرية، الذين يفكرون مثلك عجزوا على مدى التاريخ ان يرقوا من مجرد ترديد هذه الخرافات البالية الى مستوى التفكير الجدي في كيفية حل المشاكل السياسية والاقتصادية. الترديد مثل الببغاءات لن يفيد في تغيير وضع المجتمعات التعيسة مثقال ذرة من الخردل. لقد ردد اجدادك وأجدادهم من قبلهم مثل هذه الجمل ليستعبدون ويذلون في عقر دارهم ويصبحوا مضحكة لبقية البشرية. لان أنصاف المتعلمين نصحوهم مثل نصيحتك: لو انهم اتبعوا الطريق المستقيم وأطاعوا الله واولياء امرهم ، فان الله لن يغضب عليهم ولن يسلط عليهم الكفار من كل حدب وصوب ليذلوهم ويستعبدوهم! قراءتك للثورة الفرنسية مثل قراءتك للكتب المقدسة ترديد بلا فهم. شكراً. غومة
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت موافق على عملية الإفراج على الساعدي القذافي واخرين من عناصر النظام السابق
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع