مقالات

يونس شعبان الفنادي

ثلاثيةُ: السّحاب... والّلقاء... والانتماء... للشاعرة التونسية نجاة المازني

أرشيف الكاتب
2017/03/24 على الساعة 13:59


 

(1)

عند الحديث عن الشعر في تونس يبرز أبوالقاسم الشابي كصوت شعري مميز في المشهد الشعري التونسي الكلاسيكي والحداثوي على حد سواء، والذي استطاع رغم قصر عمره البيولوجي أن يؤسس نهجاً إبداعياً داخل القطر التونسي ويمتد خارجه محققاً حضوراً مدوياً في فضاء القصيد العربي. ولذلك فإن السؤال الذي يمكن طرحه في مستهل هذه الكتابة المتواضعة حول ديوان شاعرة تونسية، هو هل استطاع المشهد الشعري التونسي أن يفرز صوتاً شعرياً نسائياً يماثل الشاعر الكبير أباالقاسم الشابي ويحقق ذاك الحضور الواثق على الصعيدين التونسي والعربي، مع كل التقدير للإبداعات النسائية في رحاب الشعر؟

(2)

أنامُ ملءَ جُفُوني عن شَواردِها   وَيَسْهرُ الخلقُ جرَّاها ويختَصِمُ

هكذا وصف شاعر العرب أبوالطيب المتنبيء قصائده الشعرية التي أبدعها وترك القراء والنقاد منذ قرون زمنية طويلة وحتى الآن يخوضون ويتخاصمون حول تأويلاتها وتفسيرات أبياتها ومعانيها في قراءات تتعدد ولا تنتهي أو تقف عند توافق معين. وحين يصعب عليهم فهم بعض تلك المفردات والمعاني والدلالات، يرتفع ذاك السؤال الجدلي موجهاً للشاعر (لماذا لا تقول ما نفهمه؟) فترد الذاتُ الشاعرةُ (ولما لا تفهمون ما أقول؟) كما ورد في الأثر عن الشاعر العباسي أبي تمام.

هذه هي الركيزة الأساسية التي أعتمد عليها عند قراءة النص الشعري خاصة، والأدبي بشكل عام. فالمفهوم والتأويل في تصوري يظل متفاوتاً ونسبياً وفق زاوية القراءة ومعطياتها وتكويناتها المرجعية المتراكمة. وأنا أحاول هنا في هذه القراءة الانطباعية غير المتأسسة على منهجية معينة، أن ألامس نصوصاً شعرية تونسية ظلت لسنوات عديدة مطوية في دواوينها المهداة إلي من الشاعرة العزيزة نجاة المازني إحدى الأصوات الرقيقة في سيمفونية الشعر النسائي في تونس الشقيقة.

(3)

أثناء تناول موضوع المرأة والشعر والأدب في تونس، يؤسفني أن كتاب (في الأدب التونسي المعاصر)[1] للأستاذ أبوزيان السعدي لم يتناول على الاطلاق إسهامات المرأة التونسية في المجال الأدبي والثقافي، ولم يتضمن ذكر أي مبدعة تونسية في الشعر أو القصة أو المقالة أو غيرها من الفنون والآداب. ولاشك فإن هذا يعد تجنياً على تاريخ تونس ودور المرأة التونسية التي انطلقت مبكراً على الصعيد العربي، في مواكبة حركة تطوير وتنوير المجتمع، وبالتالي فإن طمس نضالها (الثقافي) أو إغفال الإشارة إليه وعدم توثيقه في كتاب اشتمل على مواضيع مهمة مثل الشعر التونسي بين المحافظة والتجديد، ورواد القصة القصيرة بتونس، وشعر الطليعة، والقصيدة النثرية التونسية، هو مأخذ يسجل على هذا الكتاب الموثق للعديد من جوانب الإبداع بالمجتمع التونسي. أما الأستاذ محمد صالح الجابري فقد أورد في كتابه "دراسات في الأدب التونسي"[2] بأن بداية ظهور النص الشعري النسائي التونسي يرجع إلى عام 1938 حين نشرت مجلة "تونس المصورة" قصيدة بعنوان "يا أماه دعيني أبكي" لشاعرة تونسية تسترت وراء اسم مستعار هو "ابنة الضاحية". ومنذ ذاك التاريخ وحتى الوقت الراهن تألقت في المشهد الشعري التونسي عدة أقمار نسائية جميلة بريادة الشاعرة التونسية الراحلة "زبيدة بشير" ثم توالت بعدها المبدعات الآخريات مثل جميلة الماجري وآمال موسى وحياة الرايس وراضية الشهايبي وسلوى الرابحي ونجاة الورغي وآمال جبارة وسلوى الراشدي وآمال الزهاوي ومنية بوليلة وأحلام بن صابر وغيرهن كثيرات يكتب بعضهن باللغة الفرنسية.

(4)

من بين الأصوات الشعرية التونسية التي تكتب قصائدها باللغة العربية شاعرتنا المتألقة نجاة المازني، المتخصصة في مجال اللغة العربية والحائزة على شهادة التعليم العالي من كلية الآداب بمنوبة، والتي امتهنت واشتغلت بالصحافة المكتوبة منذ عام 1989 ومارستها لعدة سنوات كناقدة اختصت بالنقد الفني والفنون التشكيلية على وجه الخصوص، وهي عضو باتحاد الكتاب التونسيين وإحدى عضوات نادي "إضافات" بدار الثقافة علي بن عياد بحمام الأنف، وقد أصدرت حتى الآن ثلاثة دواوين شعرية جاءت على التوالي "أشرعة في السحاب"[3] و"طيف اللقاء"[4] والديوان الثالث بعنوان "مضيق الانتماء".[5]

أولاً: أشرعة في السحاب

يكتسي العنوان أهمية كبيرة في الإعلان عن محتواه وما يضمه بين دفتيه، ويرسل إشارات عديدة لإدارة محركات السؤال والتخمين فيما يتخفى وراءه كواجهة تستقطب المتلقي وتثيره وتحفزه على ولوج عالم الديوان لبدء المصافحة الوجدانية والفكرية معه. ولاشك فإن الأشرعة وهي جمع مفردة "شراع" تشي بالإبحار صوب دروب المعرفة للنهل من معينها الغنّاء، وحين يكون السحاب هو موطن هذه الأشرعة فإنها بلا شك ستكون أكثر تشويقاً وامتاعاً. وقد احتوى الديوان على اثنين وثلاثين نصاً وهو ما يعكس الطاقة الكبيرة لدى الشاعرة التي وصفت نصوصها الإبداعية بأنها مجرد (.. محاولات ولدت في لحظات فاصلة بين بساطة الشاعرية وجرأة الواقع بما فيه من متناقضات، وبين رغبة جامحة في خلق موسيقى من نوع خاص في ثوب شفاف متحرر.. ). وقد ظل مضمون جُلِّها منحازاً للإنسان كقيمة روحية خالدة، وإلى الأرض والوطن ككيان مادي تتفاعل فيه الذات الشاعرة بكل حواسها ومشاعرها عبر دفقات وثّـابة سجلتها لغةٌ عميقةٌ متضمنة بعض اللمحات الماضوية الخاصة، تنقل صور الحاضر المعاش، وترسم عوالم مستقبل أرحب وأكثر دفئاً وإشراقاً وبهاءً بكل أحلامه العذبة التي اختارت الشاعرة أن تقتبس وصف الشاعر العربي الكبير جبران خليل جبران لها (.. فالأحلام والعواطف تبقى ببقاء الروح الكلي الخالد، وقد تتوارى حيناً وتهجع آونة متشبهة بالشمس عند مجيء الليل والقمر عند مجيء الصباح).

واللافت في نصوص (أشرعة في السحاب) أنها تأسست على لغة عذبة رصينة، وجرس موسيقي يضبط ميزان إيقاعات الحروف والكلمات المتراقصة في اصطفاف جميل كصورة تعبيرية متعددة الإيحاءات. وقد أدت جميع هذه العناصر دورها واستطاعت أن تنقل للقاريء جملة المشاعر والأحاسيس المرهفة التي تتفاعل في أعماق الذات الشاعرة وترسمها قصائد شعرية بكل إتقان. كما يظهر بشكل واضح وجلي مضمون هذه النصوص متمثلاً في الإنسان والوطن وصور المعاناة الحياتية والمكابدات الوجدانية التي نعايشها في حياتنا، سواء على صعيد التراشق الفكري أو الاستحقاقات المادية التي تطالب بها المرأة العربية لنيل حقوقها الاجتماعية. ولاشك فإن هذه المضامين هي السائدة غالباً في النص الشعري العربي إجمالاً والنسوي على وجه الخصوص مع بعض الاستثناءات النادرة، وبالتالي فإن المشهد الشعري التونسي -النسائي على الأقل- لم يتجاوز هذه المضامين وهو في هذا لا يختلف عن المشهد الشعري النسوي في أقطار المغرب العربي كافةً.

وقد اختارت الشاعرة التعريف بنفسها في هذا الديوان من خلال نصها (أنا) الذي أظهر بعض ملامح وصفات ذاتها الشاعرة، ومشاعرها وأفكارها مبتعداً عن التعرض لمفاتن الجسد ومباهج أنوثته، فمثلت صورتها (صوت الحقيقة) و(دخان البركان الخصيب) و(أرض معطاء) و(عود ذكي) وكلها متوافقة تماماً مع الذات الطبيعية لأعماق ووجدان شخصيتها الإنسانية المتسمة بكل ذلك وأكثر من فيوض المحبة والهدوء والطيبة والسمو عن الصغائر وتحمل مكابدات الحياة بكل عذاباتها، وقدرتها على جعلها دروب تحدي ومواجهة لمواصلة مسيرة الحياة بكل طاقة الحب والإبداع:

أنا صوتُ الحقيقة
خانَ نفسَه
وصدّق حلو الأكاذيبْ
فاندثر.. وتبخر
في صدى عزفٍ مُريبْ
أنا دخانُ بركانٍ خصيبْ
أسكنُ الآفاقَ
والأحلامَ والأبعادَ
ونمارقَ الودِ
والقلبَ الرحيبْ
أنذر الكون بالخطر الرهيبْ
فكان أولَ مَنْ دكَّه اللهيبْ
أنا أرضٌ معطاء
كلما تألمتْ
وازدادتْ جروحاً
أمطرتْ من التمر الرطيبْ
بل أنا عودٌ ذكيٌ حبيبْ
كلمَّا تأذّى حرقاً
فاحَ عذب العطرِ
وشذى الطيبْ
[6]

أما في نصّيها (العهد الجديد) و(أيها الشرقي) اللذين يمكن اعتبارهما امتداداً للتعريف بذاتها الخاصة وشخصية المرأة الواثقة إجمالاً، فقد اتسما بلغة قوية في مواجهة عقلية ذكورية، صرخت رافضةً مدوية:

لستُ للبيع أو الشراءْ
لستُ فرواً ثميناً
[7]

وتؤكد بصوتها العنفواني ووروحها المستأسدة على مبادئها وسلاحها ونهجها وثقتها في الانتصار لنيل المكانة المحترمة بواسطة حريتها الكاملة أو الكبرى كما حددتها دون سواها:

فقط بحُـرِّيتي الكُبرى
سَأحبُّك.. سَأهزمُك
وأنالُ جائزةَ الكون
في الحبِّ وفي الفنون
دونَ إطراقٍ أو عناءْ
أو جنونٍ أو انحناءْ
لأنّني لستُ دميةً للاغراءْ
لا تعرفُ من عوالم النساءْ
غيرَ الوشْمِ وعلبِ التجميلِ والحِناءْ!
[8]

وبصوت مواجهة للرجل الشرقي، وخطاب قوي هادر لا يعبأ بالقيل والقال، ينوب عن المرأة العربية عموماً تضيف في نصها (أيها الشرقي) تحديداً انتقادها لبعض الجوانب السلبية وأساليب السهام والطعون التي توجه إلى المرأة العربية من بعض الرجال في بيئتنا الشرقية مع تأكيد إصرارها المستميت على مواصلة ممارسة دورها الطبيعي دون إكثرات لكل تلك التصرفات السلبية تجاهها:

قلْ ما تشاءْ
هدّدْ بسلطةِ الشرقي
بعنفِ آنفةِ العربي
إرفعْ عالياً بنودَ الفناءْ
ردّدْ، كما عهدتك،
قواميسَ الوعيدِ..
شكاوى الإعياءْ..
كوابيسَ العناءْ..
لن أبالي أيها الشرقي
[9]

أما بالنسبة لعنوان ديوانها (أشرعة في السحاب) فقد استعارته الشاعرة من أحد نصوصها بنفس العنوان والذي استهلته بسؤالها المقلق المعبر عن عجزها الصريح وحيرتها المرتبكة، ودعوتها للتدبر والتفكر والبحث عن إجابة تريح بالها وتفتح دربها وهي تخاطب خيال الحبيب:

لِمَ المسيرْ؟
كيفَ أسيرْ..    
وكُلُّ دَرْبٍّ إليكَ عسيرْ؟
[10]

ولم يتوقف وخز السؤال المؤلم عند ذاك الحد أو المقصد الموضوعي الذي يلمح إليه، أو حتى تموضعه المكاني في بداية النص، بل ظل متفاعلاً بصمت وشجن خفي في ثناياه حتى ظهر داخله بكل هدوء على سبيل التمني العذب:

أما آن للحبٍّ أن يستفيق
ويأمنَ لنيلِ كُلِّ الأماني؟؟
[11]

وليس السؤال المتعدد الأشكال فحسب ما يميز هذه المجموعة الشعرية بل تربع فيها عشق الوطن ومناجاته بمحيطه الجغرافي القطري الصغير وهو بلد الشاعرة "تونس الخضراء"، مستلهماً الجرس والايقاع الموسيقي وبعض المفردات اللغوية مثل (حماة الحمى) و(خضراء) من صوت الجموع الذي يتردد صداه في النشيد الرسمي للبلاد:

باسمكِ يا هَوَى
أُصَلِّي نافلةَ العُشَّاقْ..
بِاسْمِ الجَوَى..
بِاسْمِ حُمَاةَ الحِمَى
بِاسْمِكِ يا خضراءْ،
أعلنُ حقَّ البقاءْ
لِكُلِّ مَنْ طَلَبَ الوِفَاقْ
[12]

كما برز أيضاً الفضاء العربي الشاسع الممتد من المحيط إلى الخليج ظاهراً وخفياً في العديد من نصوص الشاعرة نجاة المازني التي عبرت عنها مفردات (بغداد) و(عروبتنا العذبة) و(الجولان) و(فلسطين) وغيرها:

متى بغدادُ تبتسمُ        
سماءٌ تجودُ بالأُنسِّ؟
متى عروبتُنا العذبةُ
تُقيمُ مراسمَ العُرسِ؟
متى يا عـِـراقُ
لا نرى دماءَنا مع النفطِ
تراقُ؟؟
متى عراقنا يُمسِي
مرفوعَ الهامةِ والرأسِ؟
متى الزهورُ تنبثقُ
من بين صخرِ الجولانِ؟
متى يا فلسطينُ،
بحقِ الزيتونِ والتينِ
تغردُ طيورُكِ الخضرُ
وتزيحُ غماماتِ النَّحْسِ؟
[13]

ومثَّلَ القسمُ المقتبسُ من النص القرآني بتصرفٍ واضحٍ (بحقِ الزيتونِ والتينِ) قوةَ إضافيةَ إلى بلاغة النص الشعري ودويّ رنينه الموسيقي وطرقات السؤال المتتالية والمتدفقة بحرارة، وهو ما يعكس فطنة الشاعرة في توظيف أدواتها ومفرداتها اللغوية وتسخيرها لتشكيل الصورة البلاغية الكاملة للقصيدة. إلا أن الاقتباس الجزئي المكرر من النص القرآني ورد حرفياً في نصها (خيوط العنكبوت) من الآية الواحدة والأربعين من سورة العنكبوت [وإنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون] وهو ما يشير إلى الذخيرة الدينية للشاعرة وأثرها في انتاجها الشعري:

أمقتُ قنوطي وصبري
وحيرتي وسهوي
وأردّدُ مع الأقدارِ
إنَّ أوهنَ البُيوتِ
لبيتُ العنكبوتِ
وأصدقَ معيارِ
للهوِ الأبرياءِ والصغارِ
[14]

وبالإضافة إلى التأمل والسؤال المتكرر فإن الأسطورة التاريخية كانت حاضرة في الديوان كما جسدتها الشاعرة في نصها (قانون الحب) حين نسبت إليها "شهريار" وهي تستحضره في شخصية حبيبها وتناديه وتخاطبه معترفة صراحة بحبه:

شهرياريَ الحبيبْ
لم يبقَ في جِرابي أكاذيبْ
وهذه ليلةُ ليلاك تضفي
عُنفوانَ الثورة
بلا صبرٍ.. بلا تقطيبْ
[15]

ويكتظ ديوان (أشرعة في السحاب) للشاعرة التونسية نجاة المازني بالعديد من الشخصيات التاريخية مثل "نرسيس" و"عشتروت" و"أفروديت" و"قيس المجنون" و"نابليون" و"ذي النون" و"عليسة" و"الحجاج" و"نيوطن" و"داروين" وغيرها مما يعكس رصيدها المعرفي الغزير وثراء وتنوع منهلها الثقافي وقدرتها الفنية على توظيف ذاك الرصيد في إنتاجها الشعري.

(5)

ثانياً: طيف اللقاء

هو الديوان الثاني للشاعرة نجاة المازني واحتوى على ثلاثة وخمسين نصاً تنوعت عناوينها بين الكلمة المفردة والجملة وشبه الجملة وأداة السؤال واسم الموصول، وتكرر النداء فيها مرتين (يا سفراً في الله) و(يا أسمى ملاك). وقد أهدت الشاعرة هذا الديوان (.. إليكِ... إلى حبيبتي تونس.. إلى "الكاف" التي علّمتني أن الحرف وطن وأن اليراع شراع... إلى عائلتي... إلى نادي "إضافات".. وإلى كل الطيبين في بلادي). وتؤكد في كلمة قصيرة سجلتها في (مدخل) الديوان بأن الشعر (... مولود شرعي للمأساة الذاتية ونتاج حتمي للمعاناة الاجتماعية) وبهذا الوصف للقصيد كأني بها تلمح إلى أن نصوص ديوانها ولدت من خلال معايشة شخصية ومواكبة للمستجدات على الصعيد الإنساني والوطني والقومي العربي بجميع تداعياتها وتأثيراتها.

وبعد ذلك خصّت الشاعرة الفنان العراقي التشكيلي "عامر رشاد" الذي تزينت هذه المجموعة الشعرية، والتي قبلها كذلك، برسوماته الفنية المستوحاة من نصوصها، بإشارة رحبت فيها بحضوره وعلاقة حبه لبلادها تونس ولصداقتها على المستوى الخاص (.. فمرحباً بالفن الراقي في رحاب الكلمة التي تتوق دائماَ إلى أن تلتفح بمزيد من الصدق والواقعية والجمال وتتحلى بالشفافية والسحر والخيال، فيلتحم الإبداع بالإبداع والحرية وتتعانق فنون، مهما اختلفت، بكل صفاء لتلتقي في الغاية والمبتغى..).

واتبعت الشاعرة نفس منهجيتها في اقتباس عنوان الديوان من إحدى النصوص التي تضمنها. فقصيدة (طيف اللقاء) ترسم عوالم متعددة تستمد صورها التعبيرية الجميلة من تعاقب الفصول وتقلب الطبيعة بمظاهرها المتنوعة المتباينة، لذلك جاء هذا النص زاخراً بزخات المطر وضباب الخريف وما تبعته تلك الظواهر الجوية وما يصحبها من صور مادية متحركة تصاعدية وتنازلية تشكل البناء المتتالي المستمر للحياة، من تأثيرات ومشاعر وأحاسيس متفاوتة في النفس البشرية. والشاعرة منذ السطر الأول في هذه القصيدة تستخدم أسلوب النداء الذي يبرز الشوق الكبير واللهفة والرغبة والبوح والحاجة إلى شيء ما تفتقده، تكشف وتصرح بمشاعرها وأحاسيسها تجاه المنادى فتمنحه صفة الحبيب وتدعوه "يا حبيبي" مما يجعل النص يكتسب نوعاً من الخصوصية والتوحد والتماهي مع الذات، ويكتسي حالة الانبساط والابتهاج في نسق التواصل والتعبير عن تلك المشاعر الرقيقة المزدانة بأوصاف جميلة متوافقة مع مضمون رسالة النص وحديث الشاعرة لحبيبها في ارتباط جميل بين اللقاء وصورة تتابع الفصول وتجدد ظهورها:

حين نلتقي، يا حبيبي،
في خلوتها، تختلط الفصول..
تمسح زخّات المطر
إشراقة الحقول..
يغطي ضباب الخريف
ما في الكون من درر..
تتلوى عشقاً،
كل الجذوع والفروع والأصول
[16]

وكما برز حب الوطن ومناجاته والتعبير عن تميز علاقة الهيام والعشق والافتنان به في الديوان الأول، فإنه يظل هنا كذلك محركاً إبداعياً وملهماً دائماً للشاعرة في التعبير عن مشاعرها وأحاسيسها المتدفقة تجاهه:

أحبك تونس،
فكيف أقولها بغير كلام
وهل للهوى شكل حين يقال؟
هواك جنة الخلد
وهل يبقى للجنان معنى
حين تدرك أو تنال؟
أحبك تونس وفي عمري
حبك الكيل والمثقال
أحبك حباً أزلياً
مداه ما بين فجر وجودي
وبعد المسافات المحال
[17]

وكذلك نصها الذي تستهله بنداء بلادها تونس بصفتها وشهرتها التي عرفت بها في الوطن العربي "تونس الخضراء":

أيتها الخضراء،
دائمة الصفاء
عانقيني..
ضمّيني أيتها الشّماء..
بغيومك دثّريني..
غذّيني بنجومك
فلم تعد الأرضُ تكفيني
ولا الماءْ
[18]

وتختتم نصها (تونس) الذي صرّح عنوانه باسم البلاد التي تنتمي إليها وتعشقها بسيل من الأمنيات العذبة لتكون منارة وتاجا وجنة:

فعشتِ دوماً يا بلادي
منارة خضراء
وتاجا إلهيّا
جنّة الأحرار
تحرسين
[19]

وأهدت الشاعرة أحد نصوص ديوانها للشاعر الكبير أبي القاسم الشابي اختارت له عنوان (ابن الوجود) عبّرت فيه عن مشاعرها تجاهه وتقديرها لدوره ومدرسته الشعرية الحداثوية الرائدة المميزة. وقد برز هذا التقدير من خلال خطابها ومناداتها له تارة (سيّدي) و(يا أيُّها العبقري) وكذلك إسباغها عدة صفات عليه اقتبستها من قصائده وخاطبته بها مثل (يا ابن الوجود) و(يا ابن أمي) وهي تقصد هنا بالأم موطنها "توزر" وبلادها تونس التي تشترك معه في الانتماء إليها وحبها، و(كطيف النسيم) (يا ابن النور):

عطرُك الشرقيّ سيّدي
أفحم خاطري
يا أيها العبقريّ الجليل
شامخٌ أنت كسنا النّخيل
يسامق عبر العهود
رحماك أنت الدليل
على أصل معنى الوجود
[20]

(6)

ثالثاً: مضيق الإنتماء

يتضمن ديوان (مضيق الإنتماء) سبعة وعشرين نصاً شعرياً طغت فيها مشاعر الانجداب إلى الوطن والانحياز للصورة الشعرية النثرية المتراقصة بأنغام موسيقية لا تتحاشى الظهور المباشر والصريح لإضفاء الكثير من البهجة على القصيدة الرقيقة التي تطرزها وتبدعها الشاعرة نجاة المازني. ويقول الدكتور محمد البدوي في مقدمته للديوان (... إن القصائد في "مضيق الانتماء" لا تسلّم قيادها بسهولة، فظاهرها يبدو يسيرا في متناول القارئ الذي قد يتصوّر أنه تمثّلها وذلّل مبناها وأدرك معناها، ليفيق على قناعة أنه ما امتلك غير ظاهر القول وأنه يحتاج لقاءات متعدّدة، واهتماما خاصا بالنصّ ومناخاته ليسبر أغواره...)[21] وأجدني أتفق تماماً مع هذا الغوص المتعمق للدكتور البدوي في فضاءات النص الشعري عند الصديقة الشاعرة نجاة المازني، وعذوبة كلماتها التي تنسج بها عوالم شتى من الصور البلاغية الجميلة. فعندما تبوح الشاعرة في (تونس قدس السماء):

أنا.. تونس،
كلّما شاءت السماواتُ سمّوا أكثر،
وجدتني في ظلّ عرشِ الله
أختالُ أمامه.
أنا.. تونس،
كلّما حضنت الأرضُ وطناً عربيّا أبيّا،
انبثقتُ من سنابله[22]

قد يظن القاريء أنها تختزل الوطن في ذاتها، أو أنها تنصهر في تشكيل متحد ومتراص بالعشق له أو غيرها من التأويلات التي تتفق جميعها على أن الشاعرة قد ذهبت بعيداً في علاقتها بالوطن فهي ليست تلك العلاقة القطرية الضيقة، والتي لا يمكن نكرانها، بل لابد من الاعتزاز بها، إلا أنها كلما اتسعت تصبح الأبهى والأجدر بهذا الكيان الجغرافي العربي. وعلى الصعيد الإنساني نجد الذات الشاعرة قد فاضت بها المشاعر وأعلنتها في (سنبلة عشق) التي نسجت فيها أمنياتها العذبة الجميلة انحازت فيها إلى قيم الخير والجمال والمحبة:

زرعتُك سنبلةً عاشقةً
في كل مكان من الدنيا
حتى أرى..
كلَّ الوجودِ خيراً جميلاَ.
فحين أتيت،
سبحت في أعماقي طويلاَ
كنتُ أسقيك بما في مقلتيّ
بنورِ الشوقِ
أو بنار الطُّهرِ بديلاَ
كنتُ أروي جذور سَناكَ
بعذبِ الأماني.. بالتوقِ..
بأملٍ جريءٍ انبثق أصيلاَ.
[23]

أما الانشغال بالشأن العربي القومي فيكاد يكون طاغياً على معظم نصوص الديوان، ففي (اسمحي لي يا عروبة) تقول:

إنني نذرتُ عمري
وكل أمري
لكل معاني الوجود
اسمحي لي أن أكونك
كما أشاء...
أن تقتليني أو تذبحيني
من الوريد إلى الوريد
كما لم تريدي
[24]

ويستمر ظهور هذا التميز بشكل متصاعد في منحى العلاقة مع الوطن الكبير في نصها (حبيبة العروبة) حتى يصل إلى ذروته بأسلوب القسم الذي تؤكد فيه أنه جنة خلودها الأبدي:

لأقسم بإلهيَّ الخلاقِ
وبالجمال الباقي
بأنك يا حبيبة... يا عروبة
جنة خلودي
[25]

وظل سؤال العقل هو المحرك الدائم الذي يفعّل كل تلك المشاعر في أعماق الذات المبدعة عند الشاعرة وجاء في (أطلال النار) متبوعاً بتبرير وتوضيح والتصريح بالمسبب للسؤال عن السبب:

أما آن للقلبِ أن..
يتنحى من سلطة هذي الأقدار
وإليه يعود فينتسبْ؟
[26]

وتجيب عنه بسؤال مركب وتوضيح مبرر بالقول:

ما الذنبُ الذي اقترفه
سوى أنه انقاد إلى حرم الحبْ
والخطيئة المقدسة العذبة
لا ينفك يرتكبْ؟
[27]

وفي نصها (شريان السؤال) الذي تشير فيها إلى عدم تحملها مطرقات الأسئلة بأنواعها فإنه يكشف في الوقت نفسه تنوع وتعدد أدوات الأسئلة التي تستنطق بها الشاعرة محركات إبداعها فتقول:

لا أطيقُ ما أسمع وما يقال
من أين جئت؟
من أين انبثقت؟
لماذا أتيت؟
كيف استطعت
قطع شريان السؤال؟
[28]

ومثلما أهدت في ديوانها الثاني (طيف اللقاء) أحد نصوصها إلى الشاعر الكبير أبي القاسم الشابي فإنها في هذا الديوان اختارت الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش ليكون موضوع إحدى نصوصها وهو (أمل اللقاء) الذي استوحته من ليلة إحياء ذكرى رحيله سنة 2012 فخاطبته ونثرت في ذكرى غيابه سؤالها بالقول:

قلتَ: "على هذه الأرضِ
ما يستحقُ الحياةْ
صدّقــنـَــا مجازاً،
هذه الحكمة بالذاتْ
هل أكثرُ منك استحقاقاً لها
حين قيل لنا ذات يومٍ
درويشٌ ماتْ؟
[29]

أما قصيدتها (مضيق الانتماء) التي سُمِّي الديوانُ باسمها فقد تضمنت دفقة تراتيل ليلية غاصت بالنفس السابحة في أعماقها المسكونة بالتأمل والعشق:

لليل أن يتهجد
في معبد وهج الحنين
له أن يتعمد
بمدام الفصاحة الصماء
أن يردد بملامح غشاوته
ترنيمة الطهر والوفاء
[30]

وهذا الإبحار الليلي الجميل ظل السؤال فيه كالعادة حاضراً وموجهاً لعقله وفكره صوب قلبه ووجدانه:

لا تعرف أين المسير
ولا أين المستقر
ولا متى أو إلى أين الإياب؟
[31]

(7)

إن شعر المرأة العربية في مجمله يتصف - في تصوري - ببساطة النظم ووضوح الموضوع حد التصريح المباشر والخطابة النصية التقريرية، ذلك لأن المرأة كائن شعري تختزن في أعماقها الأحاسيس المرهفة والمشاعر الجياشة، وحتى إن فكرت بعقلها فإن أفكارها كثيراً ما تتأثر بأحاسيسها وعواطفها الجياشة. ورغم ذلك فإن هذا الشعر النسائي بكل أغراضه وأشكاله وأزمانه بلا شك يعد زاداً ومعيناً لازماً لينهل منه كل المهتمين بالقصيد نظماً وقراءة، والدليل على ذلك هو أن الشاعر العربي "أبونواس" يقول (ما قلتُ الشعر حتى رويتُ لستين امرأة منهن الخنساء وليلى الأخيلية)[32] وكذلك الشاعر أبوتمام الذي قال (لم أنظم الشعر حتى حفظتُ سبعةَ عشر ديواناً للنساء خاصة).[33]

وشخصياً لابد من الإعتراف بأنني لم أقترب يوماً من نصوص الشعر النسائي التونسي، بل ظلت أصوات الشابي والمزغني والغزي والوهايبي طاغيةً في علاقتي بالشعر التونسي... ولكن إطلالتي على "أشرعة في السحاب" و"طيف اللقاء" وأخيراً "مضيق الإنتماء" للشاعرة التونسية نجاة المازني فتح شهية المطالعة لهذا الجنس الإبداعي الرقيق، الذي لاحظت من خلال نصوص شاعرتنا صاحبة الدواوين الثلاثة أنه يبرز ثلاثة جوانب تعبيرية، أولها إنسانية المشاعر والأحاسيس بكل ما فيها من قيم وحب للذات الإنسانية والوطن والفن والجمال، وثانيها تعزيز الإنتماء إلى البلد الأم "تونس الخضراء" كموقع جغرافي وحضن وموطن للهوية والأصالة والثقافة والهوى والأحبة الأقربين، وثالثها روح التضامن العربي القومي والتفاعل مع أحداث الوطن الكبير من المحيط إلى الخليج.

وقد أتيحتُ لي فرصة قصيرة للتحاور مع الشاعرة نجاة المازني فسألتها ذات مرة قائلاً: لعل أبرز ما لمسته في نصوصك بعد عشق تونس الخضراء والانغماس في الهم القومي عموماً أنها مسكونة بالسؤال والسعي للحصول على إجابة مرضية للنفس ومقنعة للعقل، وأنك تستخدمين كلَّ أدواتِ السؤال والاستفهام، في محاولة لاستنطاق العديد من الأحداث والاستدلال بالعديد من الشخصيات التاريخية والأساطير، ورغم ذلك ظل السؤال يسيطر على فكرك ويتردد صداه في سطور نصوصك بلا إجابة حاسمة. فكان رد الشاعرة نجاة المازني مكثفاً ومقتضباً (هكذا أستاذي العزيز هو الشعر. أكوان من الأسئلة، ومدائن من الحيرة، وأمواج من اليقين الذي لا يعرف الرضى، لأنه دائم التوق إلى الكمال في الجمال، في الفكر والحلم والحقيقة، والإنسانية المطلقة بمعناها البكر.. شرفٌ كبيرٌ أن تقع محاولاتي بين يديك وتقرأها بعينك النقدية الثاقبة وهذا طبعا من حسن حظي…).

يونس شعبان الفنادي
أديب وكاتب وصحفي وإعلامي مستقل من ليبيا
[email protected]

 


(1) أبوزيان السعدي، في الأدب التونسي المعاصر، ضمن سلسلة كتاب المعارف، دار المعارف، سوسة - تونس، الطبعة الثالثة، 1989
(2)  محمد صالح الجابري، دراسات في الأدب التونسي، الدار العربية للكتاب، تونس - ليبيا، 1978، ص 257 وما يليها.
(3) أشرعة في السحاب، شعر، بلا د.ن، مطبعة J.M.S ، تونس، 2000
(4) طيف اللقاء، شعر، بلا د. ن، مطبعة دار الشباب، تونس، 2010
(5) مضيق الانتماء، دار البدوي للنشر والتوزيع، تونس، 2014
(6) أشرعة في السحاب، ص 38
(7) أشرعة في السحاب، ص 53
(8) أشرعة في السحاب، ص 55
(9) أشرعة في السحاب، ص 81
(10) أشرعة في السحاب، ص 41
(11) أشرعة في السحاب، ص 43
(12) أشرعة في السحاب، ص 57
(13) أشرعة في السحاب، ص 62 - 63
(14) أشرعة في السحاب، ص 32
(15) أشرعة في السحاب، ص 11
(16) طيف اللقاء، ص 42
(17) طيف اللقاء، ص 105
(18) طيف اللقاء، ص 93
(19) طيف اللقاء، ص 140
(20) طيف اللقاء، ص 72
(21) مضيق الانتماء، ص 15
(22) مضيق الانتماء، ص 81
(23) مضيق الانتماء، ص 76
(24) مضيق الانتماء، ص 42
(25) مضيق الانتماء، ص 50
(26) مضيق الانتماء، ص 108
(27) مضيق الانتماء، ص 109
(28) مضيق الانتماء، ص 34
(29) مضيق الانتماء، ص 114
(30) مضيق الانتماء، ص 131
(31) مضيق الانتماء، ص 132
(32) صادق الرافعي، تاريخ أداب العرب، دار الكتاب العربي، بيروت، 1972
(33) المصدر السابق نفسه

 

م.ب | 05/04/2017 على الساعة 13:44
عين المحب !!
لم تكن ناقداً كما زعمت الشاعرة الرقيقة في أحاسيسها ،بل كنت مقدماً لها بحسن اداء فلك منها ومنا الشكر ومنا كذلك لها الإطراء ، كم أتوق ان أراها وهي تشدو بنغمات كلماتها العِذاب صادحة بأناشيد نظمها تستدر بهن قطر السحاب طرباً وزهوا وقد اسكرتها حميّا القصيد عندها تتفتح لها أزهارُها الخضراءَ ، وهنا اقصد "عينيّ" تونس لا سواها !!!؟
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع