مقالات

جمال صالح الهنيد

قصة أشهر أغنية عن الأم... "ست الحبايب"

أرشيف الكاتب
2017/03/21 على الساعة 17:23


 

في مساء يوم 20 مارس عام 1958 ذهب الشاعر الغنائي حسين السيد لزيارة أمه وقضاء ليلة عيد الأم معها. كانت أمه تسكن في الدور السادس في عمارة ليس فيها مصاعد كهربائية في أحد أحياء القاهرة. صعد حسين درجات السلّم ووصل إلى الدور السادس بجهد ونصب وجسمه يتصبب عرقاً وهو في غاية التعب... وأمام باب الشقة تذكّر أنه جاء إلى أمه خالي اليدين وبدون هدية لها في هذه المناسبة.

لم تسمح حالة الشاعر الصحية له بأن ينزل من الدور السادس ويذهب لشراء هدية أمه ثم يعود ويصعد درجات سلّم الأدوار الستة مرة أخرى، فخطر على باله أن يكتب لها وفيها قصيدة، فأخرج من جيبه ورقةً وقلماً وبدأ - وهو أمام باب الشقة - يكتب لأمه أبياتاً من الشعر، يبث فيها لواعج الحب، وتوق العاطفة، وجليل التقدير، ووافر الاحترام.

فتح الشاعر شغاف قلبه، وخطرات ذاكرته، فتفجّرت أحاسيسه، وفاضت مشاعره، وسالت... آخذة بمجامع فؤاده، فجاءت كلماته صادقة صافية لا يكدّرها تصنّع ولا يشوبها تكلّف... وخلال خمس دقائق كان قد انتهى من إنشاء قصيدته. كانت عيناه مغرورقتين بالدمع عندما طرق الباب، وما إن فتحت أمه الباب ورأى اسارير وجهها الطيب مرحّبةً به، حتى ارتمي في حضنها الدافئ الحنون... وبكى.

اجتمعتا المناسبة وكلمات القصيدة عليه فأخذتا بتضاعيف فؤاده وهدتا حناياه، فلم يستطع ترجمة تلك المشاعر ألاّ بدموعه وارتمائه في ذاك الحضن الرؤوم، ثم أخرج ورقته من جيبه بيدٍ مرتعشة، وعيناه تفيضان بالدمع، وقال لأمه: لم أجد يا أماه ما أهديك أياه في عيد الأم إلاّ هذه الأبيات فهى لك دون سواك... وبدأ يقرأ:

ست الحبايب ياحبيبة... يا أغلى من روحي ودمي
ياحنينة وكلك طيبة... يارب يخليكي يا أمي
يا ست الحبايب... ياحبيبة

فانهمرت دموع أمه وضمته في حضنها الدافئ حتى ارتوت منه، ثم اطلقته لترتوي بكلماته كما ارتوت من حضنه... فمسك ورقته بين أصابع يديه، ودموع عينيه تتنزّل من مقلتيه ندية سخية، وبصوت متهدّج يحاول أن يتمالك فيه عبراته... استمر يقرأ:

زمان سهرتي وتعبتي وشلتي... من عمري ليالي
ولسه برضه دلوقتي... بتحملي الهم بدالي
انام وتسهري... وتباتي تفكري
وتصحي من الآذان... وتيجي تشقري (تتفقدي)
يارب يخليكي يا أمي... يارب يخليكي
يا ست الحبايب... ياحبيبة

لم يهدأ قلب الأم بل ازداد خفقاناً ولم تكفكف دموعها التهاءًا بما تسمع من كلمات... إعجابا بالأبيات وحباً لفلذة كبدها... وكان الأبن أشد حالاً من أمه. غالب الإبن حشرجة صوته ومضى يقرأ:

تعيشي لي ياحبيبتي يا أمي... ويدوم لي رضاكي
أنا روحي من روحك انت... وعايشه من سر دعاكي
بتحسي بفرحتي... قبل الهناء بسنة
وتحسي بشكوتي... من قبل ماأحس أنا
يارب يخليكي ياأمي... يارب يخليكي
يا ست الحبايب... ياحبيبه

مدّت الأم يدها ومسحت بحنو ورفق دموع إبنها الدافقة فوق خديه وقد بللت الورقة... واستمر حسين يقرأ:

لو عشت طول عمري أوفّي... جمايلك الغاليه عليَّ
أجيب منين عمر يكفّي... وألاقي فين أغلى هدية
نور عيني ومهجتي... وحياتي ودنيتي
لو ترضي تقبليهم... دول هما هديتي
يارب يخليكي ياأمي... يارب يخليكي
ياست الحبايب... ياحبيبة

حضنته أمه بلهفة وهى تدعو له فضمّها بحضن كله حب وعرفان بجميل صنيعها، واختلط صوت بكائهما كما اختلطت دموعهما وفرحت الأم بهديتها أيما فرح... ولما هدأت نفس حسين وتمالك زمامها قال لأمه: سوف تسمعين أغنيتك هذه غداً في الإذاعة، ووعدها بذلك دون أن يعرف كيف سيفي بوعده!

هاتف الشاعر حسين السيد الموسيقار محمد عبدالوهاب على الفور وقرأ عليه أبيات القصيدة، قأُعجب عبدالوهاب بها كثيرا وكان عبدالوهاب باراً بأمه فأراد أن يهدي لأمه أغنية بمناسبة عيد الأم. وكما كتب حسين أبيات القصيدة في بضع دقائق، لحّن عبدالوهاب الأبيات في بضع دقائق... ولم يخضّب عبدالوهاب آلة العود بدموعه أثناء تلحين أغنية إلاّ تلك المرة، لا قبلها ولا بعدها. ما إن انتهى الموسيقار محمد عبدالوهاب من تلحين القصيدة حتى اتصل بالمطربة فايزة أحمد لتحضر على الفور عنده، وأسمعها الأغنية فتدربت على غنائها وحفظت كلماتها.

وفي صباح اليوم التالي يوم 21 مارس 1958 ذكرى عيد الأم غنّى المطرب محمد عبدالوهاب الأغنية في الإذاعة بصوته وعلى أنغام عوده فقط... هدية لأمه، وفي مساء نفس اليوم غنتها المطربة فايزة أحمد في الإذاعة بالتوزيع الموسيقي... هدية لكل الأمهات. وبذلك أوفى الشاعر حسين السيد بوعده لأمه التي سمعت الأغنية في الراديو وبكت مع كلماتها ولحنها وموسيقاها. ولربما كانت عفوية كلمات القصيدة وصدق عباراتها واخلاص نية الشاعر والموسيقار هى سر نجاحها كأشهر أغنية عن الأم.

جنحت روح الكتابة بي في سرد هذه الحادثة فاختلط الواقع بالخيال القصصي !!!

عيد أم سعيد وكل عام وكل أم بخير...

أما أنت يا أماه: يا ساكنة ذاك الجدث النائي... يا قريبة وبعيدة... عليك شآبيب رحمة الله وصلاته وعفوه ومغفرته... ولنا لقاء ليس بعده فراق... في جنة الله وفردوسه إن شاء الله... يا حبيبتاه.

جمال صالح الهنيد

جمال صالح الهنيد | 23/03/2017 على الساعة 17:18
ونيس بو مريم
دموعك هذه هي دموع برٍّ وحبٍّ لأمك أثارها المقال. أقرَّ اللهُ عينَ أمك بك وجمعك بها. اوصيك أن تكون على تواصل مستمر معها، ولا تجعلها تفتقدك وإن استطعتَ أن تتواصل معها يومياً فافعل، فذاك عبادة، وذاك أمرٌ يدخل السرور على قلبها ... هذه نصيحة "مليوع" فخذها. تحياتي.
جمال صالح الهنيد | 23/03/2017 على الساعة 17:09
LIBYAN BROTHER IN EXILE
أشكرك على تعليقك الجميل وشعورك الدافئ. جزاك الله خيراً ورحم الله والديك وأسعدك الله في الدارين.
جمال صالح الهنيد | 23/03/2017 على الساعة 16:52
هشام بن غلبون
أي رياح خير جاءت بك يا هشام؟ !! كم أسعدني تعليقك!! ليس لكلماته الدافئة المشجّعة فحسب، بل أيضاً لأنه جاءني بذكريات صديق عزيز مهما شاخت الذاكرة فلن تسقطها. أقرَّ اللهُ عينَ أمك بك وبإخوتك، وبارك الله في عمرها ورزقك برّها. ولك كل الود والإحترام.
ونيس ابومريم | 23/03/2017 على الساعة 09:39
كلمات غاية فى الصفاء
لم اكن موجود بالقرب من امى في عيدها لذلك هاتفتها وهنأتها بالغيد , , و عندما قرأت مقالك يا أستاذ جمال نزلت دموعى بدون أن اشعر \ ما احوجنا لهذه الكلمات الصافية النقية \ لتخرجنا من هذا الظلام الأسود الذى فيه بلادنا \ شكراً يا أستاذ جمال
LIBYAN BROTHER IN EXILE | 23/03/2017 على الساعة 08:12
لقد أبكيتنا بمقالك الرائع هذا
لقد أبكيتنا بمقالك الرائع هذا مقال ملئ بالمحبة والوفاء لأمهاتنا المجاهدات الاحياء منهن والاموات٠ جازاك الله كل خير ورحم الله والدتك وكل والدات المسلمين المتوفيات وجمعهن جميعا مع فلذات أكبادهن فى جنات الخلد - اللهم أمين٠
جمال صالح الهنيد | 23/03/2017 على الساعة 01:34
شكراً على التعليق والدعاء.
وفيك بارك الله أخي أبو أحمد
هشام بن غلبون | 23/03/2017 على الساعة 00:02
تعليق راقي وكلمات صادقة
لله درّك يا دكتور جمال ... كلماتك أبكتني حتى وانا أمي حيّة ربي يمتعها بصحتها ... كلمات الأغنية خالدة، ولحنها متميّز، وآداء فايزة أحمد لها رائع ... ولا أبالغ إن قلت أن تعليقك كان على نفس القدر من رقي الكلمات واللحن والأداء ... رحم الله والدتك ورفع درجاتها في أعلى مراتب جنانه الواسعة.
ابواحمد | 22/03/2017 على الساعة 03:32
بارك الله فيك
كلام صح وتستاهل بارك الله فيك
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع