مقالات

نبيل الطاهر العالم

رجل الدولة... المفهوم المجهول للكثير

أرشيف الكاتب
2017/03/13 على الساعة 09:50

لعل أحد أهم أسباب فشل الثورات أو حركات التغيير هو عدم قدرتها على التمييز بين رجل الدولة والسياسي بحيث تعتبرهم شئ من مخلفات النظام السابق يجب إن تتم إزالته مثلما أزيل هذا النظام. إن الفرق بين السياسي ورجل الدولة هو فرق شاسع  لإنه خلاف في المنطلقات والأهداف. ولعل توضيح هذا الفرق يكون مفيدا في إيصال فكرة هذا الموضوع للقارئ الكريم.

يقول عصام فارس رجال الأعمال ونائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني السابق في تبيان الفرق رجل السياسة ورجل الدولة  "رجل السياسة يعمل لحسابه في الدولة أما رجل الدولة فإنه يعمل لحساب الدولة وحدها". ويقول د. إبراهيم خليل العلاف  استاذ التاريخ الحديث من العراق "رجل الدولة لايمكن ان يكون رجعيا، بل له نظرة متقدمة متنورة الى الحياة. رجل الدولة يسعى من اجل ان تكون لبلده مكانة كبيرة، وهو يعمل ليل نهار من اجل تحقيق ذلك. وقد أفرد التاريخ لرجال  الدولة  صفحات وصفحات. يتحلى رجل الدولة فوق ماذكرنا بالصدق والجرأة في اتخاذ القرارالمناسب، في الوقت المناسب، والمكان المناسب". ويقول العلاف أيضا "ويقينا ان عقلية رجل الدولةإستراتيجية،  بينما عقلية السياسي تكتيكية. إنه يعيش هموم شعبه يتألم لالمهم، ويفرح لفرحهم، وعندما يتطلب منه الموقف أن يبتعد عن مركز القيادة فأنه يترفع عن ان يبقى على الكرسي ولايخجل من ان يتحول الى جندي بسيط يعمل بأمرة من يخلفه، ولايخشى من ان يقول للناس انه مستعد لتحمل المسؤولية لانه يؤمن بأن القائد لابد ان يتحمل طعنات الناس كما يفرح لتصفيقهم وتهليلهم له". ويقول  فؤاد الترك السفير والسياسي اللبناني: "الفرق بين رجل السياسة ورجل الدولة، أن رجل السياسة يتصرّف على أنّ الوطن ملْكٌ له، ورجل الدولة يتصرّف على أنه ملْكٌ للوطن".

ومن وجهة نظري المتواضعة أرى والله أعلم أن السياسي مؤدلج يتحرك بناء على تعليمات وتوجيهات، ويدافع عن وجهة النظر الذي تخدم مصلحته أو التيار الذي ينتمي له بالدرجة الأولى بينما رجل الدولة يتحرك بناء على حسه الوطني ويسعى إلى المصلحة الوطنية.

في سنة 2012م التقيت مع السياسي العراقي  علي الدباغ في العاصمة البريطانية لندن وكان في ذلك الوقت الناطق الرسمي باسم الحكومة العراقية فتجاذبنا أطراف الحديث عن شئون المنطقة العربية وكان التركيز بالخصوص على الوضع الليبي بعد نجاح الثورة وأذكر إنه قال لي  (نصيحة الليبيين،  إياكم والأحزاب لإن أعضاءها يسعون لتحقيق مصالحها وينسون مصلحة الوطن التي من المفترض انها أول أولويات هذه الاحزاب). خلاصة القول الأحزاب تحتاج لشعب متمرس في الديمقراطية ويستخدمها للوصول بالوطن إلى الافضل، هكذا مايجب أن يكون.

إن الفشل في التمييز بين رجل الدولة والسياسي كان سببا في فشل الكثير من الدول وتعتبر العراق وليبيا من الأمثلة الحية ذلك. العراق بقانون إجتثاث البعث وليبيا بقانون العزل السياسي قاما بتفريغ أجهزة الدولة من الكفاءات مما يصنفون كرجال دولة والذين كان بإمكانهم تسيير هذه الأجهزة بأعلى قدر من الحرفية النابعة من روحهم الوطنية.

إن فشل هاتين الدولتين في التمييز بين السياسيين وهم في هذه الحالة العقائديين من البعثيين وأعضاء حركة اللجان الثورية والمروجين لأفكار الأنظمة السابقة طواعية وبين رجال الدولة الذين وصلوا للمناصب عبر التدرج في السلم الوظيفي أو الإمكانيات العلمية والمهنية المميزة التي لم يجد النظام السابق بدا من الإعتراف بها وتمكينها لضمان عدم إنهيار الدولة بعدما ماعاينوا تجارب الانظمة التي طبقت نظرية الثقة قبل الخبرة تطبيقا شاملا بدون إستثناءات مما أدى إلى فشلها فشلا ذريعا في قيادة دولها.

لقد كان من الاجدى بنا في ليبيا أن نكون قد أصدرنا قانون العدالة الانتقالية الذي نصحنا به نيلسون مانديلا بدلا من إستصدار قانون العزل السياسي المعيب الذي وضع رجال الدولة على قلتهم في ليبيا في نفس السلة مع أنصار النظام السابق المؤدلجين والمستفيدين منه والذين كانوا يمثلون عصاته الغليظة في وجه الشعب.

ها نحن نرى نتيجة هذا الخطأ الجسيم على جميع الأصعدة وفي مختلف القطاعات، أصبحنا نرى الفساد وعدم الدراية والتخبط بل أصبحنا ضحايا له. إن قانون العزل السياسي استخدمه الكثير في تصفية الحسابات وإزاحة من هم أكثر منهم خبرة ووطنية وكفاءة وللحصول على مكاسب شخصية. لو أننا جعلنا الفيصل في التقييم هو القضاء لامكننا الحافظ على مالدينا من كفاءات بدلا من ركنها في الظل أو تشريدها أو حتى سجنها أو تهجيرها ومعاقبة من يستحق العقاب ممن آساء للوطن والمواطنين وكان عونا على الظلم.

إن الدول التى تعرف الفرق بين رجل السياسة ورجل الدولة نجحت في عبور مراحل التحول الحرجة من نظام سياسي لآخر و لعل  إجابة  الرئيس الروسي الراحل بوريس يلتسين  عندما سئل عن رؤيته لمستقبل روسيا بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي تعبر عن منهج قيادات تلك الدول عندما قال  (سنبني روسيا بالحجر القديم) ويقصد بذلك رجال الدولة التكنوقراط.

* ومضة: (سئل أحد الفلاسفة عن الفرق بين رجل الدولة ورجل السياسة فقال: رجل الدولة يفكر في الجيل القادم ورجل السياسة يفكر في الانتخابات).

نبيل العالم

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
ناصر ابوغريس | 14/03/2017 على الساعة 09:32
ماكان يجب ان يكون
انا من راى الزعيم السابق نيلسون مانديلا كان يجب ان نكون قد اصدرنا قانون العدالة الانتقاليةمع الاخذ في الاعتباران يكون القضاة النزيه هو الفيصل في تقييم هؤلاء( رجالات الدولة السياسيين )مع تحياتي أستاذ نبيل.
وليد | 14/03/2017 على الساعة 07:30
الوطن
بارك الله فيك أخي الكاتب علي هذا المقال المميز و الذي لخص توابع كارثه قانون العزل السياسي و ما ترتب عليه من انهيار ما تبقي من الوطن .
هاني شنيب | 13/03/2017 على الساعة 22:50
المرور عبر تجربة ممر السياسة و الدولة
بين السياسي المحترف و رجل الدولة الناجح خط رفيع يفصل بين المصلحة الخاصة و المصلحة العامةً و إيثار احدهما على الأخر. النفاق السياسي مجلد بُحِث فيه قرون عديدة. كل رجل دولةًوجب ان يكون سياسي جد و ليس العكس. و اثبتت تجارب الدول ان في كلاهما خصلة من النفاق النسبي و رجل الدولة الناجح يتطلب تواجد التركيبة الاجتماعية و الاقتصادية المهيئة لانجاح مشروعه. و لربما ام تصل ليبيا الى مرحلة تقبل الشخص التكنوقراطي الذي يقودها الى مرحلة العلم و الحضارة و بالتالي ينتشر السياسيون الرعاع بخطابهم الفارغ الاناني المبهر! أجدت في طرح الموضوع استاذ نبيل.
Latif shhub | 13/03/2017 على الساعة 20:48
الفرق بين رجل الدولة ورجل السياسة
رجل الدولة يسعي أن تكون الدولة فوق الجميع ورجل السياسة يسعى أن يكون هو فوق الجميع
ابوبكر فرج | 13/03/2017 على الساعة 16:18
الفرق بين رجل الدولة ورجل السياسة
نعم والف الف نعم وجل من هم في سدة الحكم بجميع البلاد الإسلامية هم رجال سياسة مهمتهم هو التمسك بالكرسى والحصول على اكبر قدر من المنفعة ولا يعرفوا الاستقالة وذلك بعس رجل الدولة فتهمه مصلحة بلاده وان فشل سارع بالستقالة وترك دفة البلاد للغير وخير مثال دولة اسرائيس فمنذ خلقت سنة 1948 فجميع من تولوا السلطة كانوا يخدموا لا لانفسهم بل لإسرائيل العظمى وكذلك ديجول عندما شعر انه غير مرغوب استقال وكذلك رئيس الجامعة التي كان يدرس بها سيف الإسلام عندما علم بأن الجامعة قبل أموال من سيف الإسلام استقال والبون شاسع بين رجل الدولة والسياسى والعيب كل العيب يرجع للشعوب التي لا تختار الاصلح وما لم تغير الشعوب الإسلامية فسنبقى احط ومن الحيوانات
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع