مقالات

سالم العوكلي

كلبة المغار وأفعى الهيدرا

أرشيف الكاتب
2017/03/09 على الساعة 03:35

حي المغار بدرنة تجمعٌ سكني يتسلق السفح الصخري الواقع على تخوم حي البلاد من الجهة الجنوبية، وترجع تسميته إلى وجود الكثير من المغارات والكهوف التي كانت ملاذ سكان درنة من القصف أثناء الحرب العالمية الثانية، وتربطه مع حي البلاد الذي يُعتبر بمدينته القديمة أصل درنة وسرتها، علاقة مشاكسات قديمة لا تخلو من خفة ظل ومن تعليقات ساخرة متبادلة، حيث اعتبر سكان حي البلاد هذا الحي منذ نشوئه ما يشبه عشوائية تنمو ببطء على تخوم الحاضرة، رغم أن قاطنيه من أعرق عائلات درنة.

يُحكى عن أحد الشخصيات الطريفة بحي المغار قد أحضر كلبة إلى البيت، وعندما سألوه عن سبب إحضاره لها، قال: لقد تحصلنا على الكلبة ولم يعد ينقصنا سوى الصاروخ . في تلك الفترة كان الاتحاد السوفيتي السابق قد أرسل مركبة إلى القمر على متنها كلبة في صدد سباقه المحموم مع الولايات المتحدة على الهيمنة على الفضاء بعد أن تقاسموا الأرض.

ويُحكى أنه بعد ماراثون طويل من الحوار السياسي في ليبيا التي قامت بها ثورة سُميت ثورة فبراير، وأسقطت النظام السابق الذي يسميه البعض اللانظام السابق، يُحكى أن الأطراف المشاركة في هذا الحوار؛ والتي ليس لها علاقة بما يحدث فوق الأرض، توصلت بعد هذا الماراثون من الحوار اللاوطني إلى إفراز جسم سياسي سُمي (المجلس الرئاسي)، له تسعة رؤوس، انسحب منها رأسان فأصبح مثل أفعى الهيدرا الأسطورية ذات السبع رؤوس، غير أن هذا الجسم الذي من المفترض أن يرأس حكومة وفاق وطني تتشكل من الغرب والشرق والجنوب لم يتمتع، على خلاف أفعى الهيدرا، بأي نوع من التناغم أو التوافق بين رؤوسه، ويُحكى أنه رغم سعيه لتمثيل الغرب والشرق والجنوب لم يكن في الواقع يمثل سوى الشمال، شمال المتوسط، المتحمس لأي كيان يستطيع منحه صكاً على بياض للتصرف في ثورة وثروة ليبيا، ما جعل البعض يسميه حكومة وفاق دولي وليس وطنياً، ويُحكى، والعهدة على الراوي، أن رجلا يمت لشخصية حي المغار بصلة دمٍ من بعيد قال: لقد تحصلنا على حكومة الوفاق ولم يعد ينقصنا سوى الوفاق.

هكذا بدأت الأمور في هذه الليبيا الحائرة المحيرة ومنذ البداية؛ الولع الهستيري بالانتخابات، وبمصطلحات دول ما بعد العصر الصناعي الحديثة، ودخلت معارك شرسة على السلطة والتنابز بهذه المصطلحات رغم عدم وجود دولة، وكان الصراع على السلطة في مجتمع لا دولة فيه يشبه صراع أبناء حرام على ميراث أبيهم الراحل، ما تسبب في قتل أحدهم وإعدام الآخر ليكتشف الباقون؛ المحكومين بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة، أن الأب لا ميراث له، وأن الشركة التي تقاتلوا من أجلها قد تمت تصفيتها بعد أن تراكمت عليها الديون. حدثت هذه الحكاية في زمن ليس ببعيد في إحدى مدن ليبيا التي دائماً يأتي منها الجديد.

لقد خضنا انتخابات أطلق عليها الإعلام الغربي والشرقي انتخاباتٍ حرةً ونزيهة، تمخض عنها مؤتمر وطني من 200 عضو وعضوة، وتمخض المؤتمر الوطني عن حكومة انتقالية سُميت حكومة وفاق أو تكنوقراط، وتمخضت الحكومة عن عشرات الميليشيات المسلحة التي ينفق عليها المصرف المركزي، وتمخضت الميليشيات عن جماعات إرهابية تذبح المواطنين الذين شاركوا في الانتخابات في الميادين العامة، وتملأ مطابخ الناخبات بالحقائب المتفجرة، وتحاصر هلاله النفطي قوت يومه. مازالت تلك الانتخابات تُسمى، حتى يومنا، بالانتخابات الحرة النزيهة، ومازال موعدها الذي اختير بدقة؛ يوم السابع من الشهر السابع، مثلما كان يختار القذافي مواعيد ذكرياته الأفريقية في تواريخ أرقامها متشابهة، حاضراً بقوة في أذهان الليبيين التي بعضها متحسر وبعضها نادم وبعضها متبرئ من أصبعه الذي غمسه في الصبغة ذات غفلة. ولأن المغفل يُلدغ من الجحر نفسه مثنى وثلاث ورباع  استمر هذا المخاض والتمخض حتى وقتنا الراهن، واستمر الحديث الركيك عن الديمقراطية والشرعية والحقوق الدستورية حتى كتابة هذه الأسطر، واستمر الحاصلون على الكلبة في انتظار الصاروخ، وبالمعادلة نفسها أصبح بإمكاننا أن نقول أننا قد تحصلنا على صناديق الاقتراع ولم يعد تنقصا سوى الديمقراطية، والديمقراطية في هذه الحالة بحجم مكوك فضائي، والمكوك الفضائي ليس سهلا في مجتمع مازال لا يجيد صناعة الطائرات الورقية.

الغريب أن من استطاعوا تصدر المشهد في تلك الفترة، والفترات اللاحقة، عبر ما يشبه الحصول على الكلبة صدقوا الحكاية بأكملها، وبدءوا في الظهور علينا في الشاشات بربطات أعناق ناشزة الألوان، يتحدثون بتبجح عن الديمقراطية والشرعية الكرنكاطية والانتخابات النزيهة والحقوق الدستورية، دون أن يفكروا أن استخدام هذه المصطلحات في مجتمع دون دولة يشبه استخدامها في الحصة السابعة لمادة الثقافة السياسية في مدرسة من الصفيح في قرية نائية. صدَّق الجميع هذه المصطلحات وصفعونا بها مرارا، وكأنهم يحملوننا مسؤولية كل هذا الفشل، باعتبارنا نحن من انتخبهم، ونحن من أوصلهم إلى السلطة، مثلما حمّلنا القذافي، مراراً، مسؤولية ما يحدث في البلد من خراب، لأننا نحن من كان يتخذ القرارات ويصوغ القوانين ويصعد المسؤولين في المؤتمرات الشعبية.

ونحن المجتمع، أو الشعب، أو الجماهير الليبية، كان علينا أن ندفع دائما ثمن تصرفاتنا وخياراتنا الساذجة؛ منذ مجيء الطليان إلى شواطئنا عام 1911 إلى مجيء الناتو إلى شواطئنا عام 2011 . وفي هذا القرن المرير كنا الضحية التي تلعب دور الجلاد، أو الجلاد الذي يلعب دور الضحية، وكلما استبشرنا بكلبة مربوطة على عتبة بيتنا طلع لنا كابوس الصاروخ، ومن الطبيعي أن لا تكتمل تلك المعادلة الصعبة إلا في خيال شخص طريف من حي المغار شرح لنا بعفويته أن أية معادلة تتكون من طرفين لا تعني التوازن، وغالبا لا يؤدي منطقها الرياضي سوى إلى الضحك أو البكاء.

الديمقراطية في حدودها الدنيا تعني صناديق اقتراع + دولة. فلا تعتقد أنك بحصولك على الجزء الأول من المعادلة الحسابية قد أنجزت نصف المشوار، خصوصا إذا كانت صناديق الاقتراع عبارة عن حفاظات بلاستيكة رخيصة تم شراؤها من أقرب محل للمواد المنزلية، وأن الناخب الفرحان بهذا الطقس المرح لا خبرة له في الانتخابات سوى ذاكرة طويلة من التصعيد في مجتمع الجماهير الذي كان يضع أغبى المرشحين في أعلى المناصب، ولابد أن يكون الفائز غبيا كي يسيطر عليه فيما بعد مديرو دعايته الانتخابية الذين كنا نسميهم في قاموس الديمقراطية الجماهيرية المباشرة (الكولاسة) . لكن هذا المصطلح الذي أفرزته الديمقراطية الرعوية سيباشره الآن شخصيات قادمة من أعتى الديمقراطيات المدنية الحديثة: كولاسة أنيقون لا يتحدثون العربية، ولا يرتدون الشنة الحمراء أو السوداء، ولا يستخدمون الذبائح والولائم للحشد، مثل طارق متري، برناردينو ليون، مارتن كوبلر. ورغم ظهور كوبلر مرة يرتدي شنة حمراء أهداها له في شحات السيد عقيلة صالح رئيس مجلس النواب، ما اعتبره البعض إشارة إلى انحياز لوني للشرق أو مغازلة للتيار الفيدرالي. ورغم أن كوبلر القادم من جوار القطب المتجمد الشمالي برر ارتداءه للشنة الفيدرالية بكون شحات مدينة باردة ـ إلا أنه لم يرق أبدا إلى مستوى الكولاس الليبي الأصيل الذي أفرزته الديمقراطية المباشرة في جماهيرية القذافي التي مازالت تعمل على قدم وساق وإن كانت بعدة رؤوس وليست برأس واحدة.

سالم العوكلي

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع