مقالات

سالم العوكلي

بما فعل السفهاء منا

أرشيف الكاتب
2017/03/06 على الساعة 10:04

فضلا عما استبطنته رواية دوستويفسكي عن الجوهر الإنساني، وتلك النوازع الخفية التي تحكم سلوك الإنسان، طرحت هذه الرواية رؤيته السياسية الخاصة لنظام الحكم الأصلح والذي يختزله في أن ترتبط السلطة بالنبالة، بمعنى؛ أن من يحكمون يجب أن يكونوا من طبقة النبلاء، ورغم تجاوز العصر لهذه الرؤية عبر فتوحاته السياسية المهمة المتعلقة بالنظم الديمقراطية الحديثة المعتمدة على المشاركة السياسية الواسعة وتداول السلطة وفق دساتير ضامنة لأكبر قدر من أخلاقية الحكم. إلا أن أخلاقية دوستويفسكي السياسية تنطلق من مفاهيم جذرية تتعلق بالتربية والقيم الأخلاقية الموروثة، وتحاشي مغامرات النظم الديمقراطية في بداياتها والتي أوصلت مستبدين عبر صناديق الاقتراع إلى التحكم في أقدار الناس، وهم يفتقدون لأدنى حد من الأخلاق نتيجة مرورهم ببيئات اجتماعية ملوِّثة، عبأت دواخلهم بشتى أنواع العقد النفسية التي جعلت من حكمهم ملحمة تصفية حساب مع المجتمعات التي تسلطوا عليها، وقد تطرق الكثير من البحاث في علم الاجتماع إلى وصف سيكولوجية القهر الاجتماعي وما يترتب عنها من أمراض نفسية مزمنة.

من هذا المنطلق لم يكن حكم الملك إدريس ديمقراطيا بالمفهوم التقليدي للديمقراطية، لكنه كان مرتبطا بنوع من النبالة التي حافظت على قدر مهم من أخلاقية هذه السلطة، وجعلت محاكمتها فيما بعد مشرفة لها إلى حد كبير، للدرجة التي ولدت حنينا جماعيا لهذه الفترة ظهر بوضوح منذ أيام فبراير الأولى، فاستدعاء مراحل من تاريخ الشعوب بعد فترة طويلة عادة ما يأتي بعد محاكمة لهذا التاريخ.

لقد حافظ إدريس على نبالته إلى آخر لحظة من حكمه، فكان يعامل أصدقاءه بنبل وأعداءه أيضا، كما أن تخليه علن السلطة بمجرد أن عرف وقتها أن البديل شبان ليبيون وطنيون يؤكد هذه الأخلاقية التي سجلها التاريخ، كما أن نبله الشخصي حال دون استفحال مشاعر الانتقام أو تصفية الحساب مع الماضي ودون التفكير في أي قانون للعزل السياسي، وتمخضت هذه النبالة عن توحيد النسيج الليبي، وانهماك الجميع في بناء الدولة الجديدة بحماس ووطنية مازالت مدار الحديث. النبالة بالمعنى الطبقي قد تكون مصطلحا غربيا، لكنها في النهاية سجية إنسانية نجد ما يقابلها في كل اللغات، ولعل أقرب ترجماتها في مجتمعنا تذهب إلى توصيفات عدة مثل أخلاق الفرسان أو الوجاهة أو البيتية أو الأجواد أو الأعيان، أو غيرها من التوصيفات التي أنتجها قاموسنا كترجمة لقيم أخلاقية تتعلق بقيم التعامل مع المحيط من قبل أناس يمثلون سلطات اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية.

ما حدث بعد انقلاب ال 69 الذي جاء بحكام لليبيا لا يمثلون أي فئة من النخب المتعددة، بما فيها النخبة العسكرية المتحدرين منها، أن جعل الدولة الليبية مرتعا للمغامرين وللقادمين من الهامش، وأزاح النخب الاجتماعية خصوصا، أو ما يمكن أن نسميهم بالنبلاء، إلى الخلف أو إلى السجون أو إلى المنافي أو إلى المشانق، وفي هذه الحالة لا يعني الهامشُ الفقراءَ ولا ذوي التعليم المتواضع ولا الريف أو البادية، لكنه يعني تلك الشخصيات المتأزمة، أو المصابة بوسواس الاضطهاد الاجتماعي، التي استخدمها رأس السلطة في إدارة منظومته وفي الحفاظ على سلطاته، وهي نماذج مطيعة ومستعدة لتنفيذ أكبر الجرائم من أجل الحصول على رضاه ومن ثم على مكاسبها الخاصة التي تعوض هامشيتها، وهذا ما جعل تصفية الحساب مع العائلات المحترمة، ومع الكفاءات العالية، ومع البرجوازية الوطنية، ديدن هذا الانقلاب الذي تصدى لمقارعة الداخل والخارج بعصابات اللجان الثورية التي يعرف الليبيون جيدا منشأها وعقدها النفسية التي جعلتها تستغل هذه السلطة المطلقة في تصفية الحساب مع كل نقائضها. وكان فقدان الإحساس بالنبل هو الشعور الذي تحكم في تصرفات القذافي وحاشيته التي استخدم عقدها النفسية في تنفيذ مخطط جرائمه الذي تواصل طيلة حكمه.

كان الهتاف الأثير لديها يتعلق بهزيمة الخيمة للقصر أو بالتغزل في الوضاعة، أو في دولة الحقراء، لكن ما حدث فعلا هو هزيمة السفاهة للنبالة، وانحسار قيمة أخلاق الفرسان إلى أدنى حد، ولعل ما اكتظت بها خطاباته من شتائم مقذعة ومن كلمات نابية، وإطلاقه لصفات مهينة لحكام دول أخرى هو ما يؤكد فقدان النبل في التعامل مع الأصدقاء والأعداء، الأمر الذي حشد كراهية دولية لهذا الحكم ظهر بوضوح مع بداية حراك فبراير حيث لم يجد من يدافع عنه في هذا الكون الواسع.

بعد فبراير وحين أصبحت السلطة شاغرة تماما، تسرب السفهاء لملء هذا الفراغ، ومثلما حدث عام 1969 انزاح ما يمكن تسميتهم بالنبلاء، أو النخب المختلفة، إلى الخلف أمام هيمنة السلاح الذي أصبح أداة تعويض في يد المهمشين الذين لا يملكون أي مقوم آخر للوصول إلى واجهة المرحلة الجديدة. وحين يسيطر السفهاء من الطبيعي أن يستعينوا بالطينة نفسها لتحقيق مشاريعهم الشخصية لأنه في هكذا مناخ، وللأسف، لا يمكن لذوي الأخلاق (اللي يتحشموا) أن يتصدروا المشهد، خصوصا وهم بطبيعتهم يخجلون من عرض أنفسهم للمناصب ولا يحبون الأضواء، ودائما كان هذا قدر الثورات أو المراحل الانتقالية الصعبة، وحيث النبالة تفرض على صاحبها قيمة الخوف من المسؤولية يجد السفهاء فرصتهم لتقلد أكبر المناصب دون إحساس بالخوف من المسؤولية أو الفشل أو أذى الآخرين.

هذا ما حصل حتى الآن، ورغم وجود البعض ممن تنطبق عليهم رؤية دوستويفسكي، إلا أنهم لم يستطيعوا تقديم شيء، لأنهم قلة، ولأن السلاح جاء في يد السفهاء الذين تحولوا به إلى ميليشيات وعصابات لا يهمها التاريخ، ولا سمعتها الشخصية، ولا أخلاقيات المجتمع المتوارثة، لأنها تعرف أنها جاءت من الهامش وسيبتلعها النسيان كما حدث مراراً.

سالم العوكلي

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
ممتعض | 08/03/2017 على الساعة 09:11
الواقع محكاً
السيد المعلق تحت عنوان ( فلسفة ) مومس سارتر الفاضلة تعبير رومانسي عن طموح وأمل وبالخلاصة هي رغبة مسقطة على واقع أوروبي كانت عدمية سارتر تحديداً ( الآخرون هم الجحيم ) أحد إفرازاته ، وبذا فلا معنى لجعل أخلاق سارتر منطلقاً لتحديد مفهوم ( النبل ) المطروح في هذا المقال من واقع نظرة تتجاوز ( الأنا ) السارتري والغربي ، بل وكل إنحياز ( للأنا ) على حساب الإنسان ، وإذا لم يكن لي بد هنا من محاولة صوغ ما فهمته من معنى النبل في مقال العوكلي هذا ، فسأقول لك إنه النبل المؤسس على قيمتي ( المودة والرحمة ) المتجذرتين في الفطرة النقية لأمهاتنا وأمهات أبناءنا وأحفادنا وآباءنا الطيبات ، في الفطرة التي أفسدها فينا تمركزنا حول خواءنا الذكوري ، ولعلك لست في حاجة إلى من يذكرك بأنه لا معنى ولا قيام للمودة والرحمة بمعزل عن قيم الحياة والحريّة والعدالة والمساواة أو بدون تحققها ، ليست أخلاق سارتر صالحة لفهم وتفسير هذا المقال ، بل إن ما قامت به الثكالى والأرامل في بنغازي في 2011/2/15م ، وكان الخطوة الجدية الوحيدة لاستعادتنا ما استلب من نبلنا لأربعة عقود معتمة ، ذلك وحده ما يفسر مقال العوكلي ومن وراءه واقعنا الراهن
الفلسفة | 07/03/2017 على الساعة 16:56
الاخلاق مفهوم اعمق من هذا
اعتقد يا سيد عوكلي وانت كاتب ان مفهوم الاخلاق ابعد من الذي سردته، لا يمكن اعتبار من ذكرتهم "النبلاء" بأنهم ذوي اخلاق بالمفهوم الفلسفي العميق، فمثلا في قصة المومس الفاضلة للفيلسوف جان بول سارتر يتضح أن الاخلاق مفهوم عميق وليس سطحي مرتبط بالمرتبة الاجتماعية أو المتدينين..إلخ يمكن أن يكون لنا آراء سياسية اتجاه مواقف معينة، واتجاه شخصيات ملتزمة وطيبة حسب مقاييسنا، ولكن يبقى مفهوم الأخلاق شيئ اعمق بكثير قد تسقط أمامه شخصيات كثيرة. دمت طيبا
عبألحميد ألبرعصي . | 07/03/2017 على الساعة 16:01
ألسفهاء والنبلاء ومنظار دوستيفسكي ألأخلاقي ،ومؤسسات أ لكيسوس ديتكفيل ملك للأنسانية وتعكس ما حدث ويحدث في ليبا !.
شكراستاذ سالم علي العرض التنويري في وضعية القيم ألأخلاقية و دور الحاكم وإعداده في بناء أوتدمير مجتمعه وحقاألملك أدريس ورغم ألقصور ،وألأخفاقات ،وغياب ألمثالية فيما يصنف ،في ألمجتمعات ألناهضة باالديموقراطية، والحريات ألسياسية إلإأنهاوبلا منازع ألفترة ألتاريخية ألمعاصرةألوحيدةألتي أقتربت فيهاليبيا وكدولةإلي ألتنوير وألتدرج نحوألنهضة،وبناء ألمؤسسات ألمدنية ،وألنبالةكقيمة إنسانيةكانت ،ألمحرك ألمهيمن علي شخصية ألأدريس ومنهجه،وأسلوبه في ألتعامل مع معضلات السياسة.وحل محل ذلك بعد ألأطاحة به تطبيع وتنشئة أجيالا في مجتمع يتشرب ألسفالة ، ويمارسهاكنهج سياسي وتهميشه في داخله وعزله عن محيطه،قيم تعكس ألقذافي ونخب حكمه، و"مؤسسات"أمنه وجماهريته ولا زالت معنابدرجات ومراحل متفاوته . ألنبل،والشهامة وألسفالة،هي قيم إنسانية هي قيم في كل ألثقافات وعبر ألعصوروتكتسب وتفقد في حياة البشر .عكست شخصية ألملك أدريس وألمملكة ألليبيةما ماتعكسه ألأنسانية من قيم إيجابية وبدرجة أوأخري وخلال إمكانيات ما دية محدودة .
ممتعض | 07/03/2017 على الساعة 08:05
العداء للحرية
يغوص العوكلي فيما وراء الشعارات والإدعاءات ، ولا ينسى ( حتى وهو يحلل ويفكك مواضعاتنا ) كونه شاعراً ، فيعبث بوقارنا المصطنع ويمد يداً طفولية ( لا تضمر سؤاً بقدر ما تعلن استياءها من أقنعتنا ، التي تسقطها عن وجوهنا ، وَمِمَّا وراء تلك الأقنعة ، من هنا لا يدين مقاله ولا يحاكم أحداً ، الأمر الذي لا يبرر أن نقف بإزاءه موقفاً دفاعياً لاعدة له سوى آلية الإسقاط الهروبي ، ولاهدف غير التنصل من المسؤولية الذاتية ، كما أنه ما نتيجة يخلص إليها العناد غير رفد ما نعانده وتأكيده ، لم يقل العوكلي بنبل إدريس رحمه الله ولا بافتقار القذافي إلى النبل تحيزاً للأول ولا تحاملاً على الأخير ، لكنه أكد واقعاً صنعه كلاهما وعايشته أجيال من الليبيين ، وهو بالتالي لا يدعونا ( بابتذال الببغاوات المؤدلجة ) إلى مواقف معينة تجاه أي منهما ولا تجاه أشخاص غيرهما ، بل هو بالأحرى يلفتنا إلى ما يسمو بالأشخاص ويجعل من الشخص إنسانا ، إنه يعزف على أوتار المبادئ والقيم السامية ، وإن نكن قد سمعنا يوماً عن ( الخوف من الحرية ) أو الهروب منها ، فإن العوكلي يجاوز بنا ذلك ويعلنا نتساءل ، هل نحن نعادي الحرية ؟ ولماذا ؟
عثمونه | 07/03/2017 على الساعة 06:18
تعليق
رائع وعميق يا عوكلي / احسنت
ابواحمد | 07/03/2017 على الساعة 05:27
ثقافة
انظر الي ولاية الرئيس بوش ثم إلي ترمب وانظر الي الحاشية واختيار الوزراء بل خلق أجسام داخل الدولة واجهها كثير من المنظمات الحقوقية civil rights movement وأساتذة الجامعات وكثير من المهتمين بالشأن السياسي الأمريكي وانظر الي أوباما وكلنتون من جهة أخري . نتكلم علي مفهومين مختليفين من نفس الدولة دعني انظر بنصف الكأس الممتلي.انتهت قصة الهتفات والفاتح ابدا وولد الخيمة هذه واحدة أيضا انتهت فكرة الشعودة والسحر التي كانت تسوق في النظام السابق بكثرة أيضا عدم الخوف من رجل الاستخبارات واللجان الثورية اذا هناك ايجابيات مع ماذكرت من السلبيات ما أحببت أن أنوه عنه هي ثقافة علم شجاعة منضبطة أخلاق. رأس النظام السابق لم يشتغل علي بلده بل أراد بانايته المفرطة أن يستمر في الحكم وأسرف في حق الشعب الليبي وفوت فرصة أربع عقود لو استغلت صح لما كنا في هذا المأزق الذي نحن فيه اليوم كرس فيها كل شي مدموما لتصبح ليبيا تعيش وقت حجريا متخلف ويصبح ابنائها يتسولون في الخارج للعلاج ويصبح خيرت أبنائها يشتغلون لصالح دول اخري المواطن الليبي عندما يسأل من أين يتهرب من اسم ليبيا لما يحمله هذا الاسم من تبعيات am from north afrc
غومة | 06/03/2017 على الساعة 15:51
لكل عصر مسْطلاحاته وفلسفته لحلول مشاكله...؟
التلويح بمفردات تحمل معاني ثقافية واجتماعية ليس لها علاقة بالواقع الليبي والعربي بصفة عامة لن يفيد كثير في تحليل او فهم الماءزق الذي الم بالوطن. فمثلاً مصطلاحات النبالة والفروسية والنخب والمهمشين وما الى ذلك من لغط لم يكون لهم وجود في منطقة شرق وجنوب التوسط نظراً للتصحر وعدم وجود الموارد والوساءل الإنتاجية التى تخلق الصراع الطبقي. وبالتالى تاريخ المنطقة استهلكه الصراع من اجل البقاء والتزمت الديني مع الاستبداد السياسي من النمط الشرقي. ادريس لم يكن من الفرسان ولا النبلاء وإنما كان شبه شيخ صوفي ارادت به الاقدار ان يلعب دور اكثر من قدراته العقلية والسياسية. معمر لم يكن من المهمشين بل من أوساط المجتمع في ذلك الوقت وحاول لعب دور تاريخي لم يكن موءهل له. مواجهة المشكلة السياسية في هذا العصر لن تاءتي عن طريق ما ذكرت، اي انها ليست مشكلة أفراد وإنما مشكلة عدم وجود موءسسات. الحل لن يأتي عن طريق الفرد ولا الطبقة ولكن ياءتي عن طريق ارساء موءسسات لها مكونات البقاء. أقرء الكيسوس دى تكفيل، "الديمقراطية في امريكا". شكراً. غومة
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع