مقالات

إبراهيم قراده

حول الهجرة، مقاربة ثالثة

أرشيف الكاتب
2017/03/05 على الساعة 14:22

المدن الليبية المحتلة أو No Man's Land

قبل فوات الآوان، ربما تكون: غات، القطرون، الكفرة، مرزق، سبها، ربيانة، بني وليد، زوارة، الخمس، صبراتة، القرابوللي... عندنا مدن/ قرى ليبية او اجزاء منها: مهجرة، محاصرة، معزولة، محصنة، مدمرة، مهملة، مختطفة، منسية، مغلوبة، مستقلة، متمردة... وكل ذلك تم بفضل وفعل ومن قبل ليبيين اقحاح، بمبررات مختلفة. وقريباً، ستكون لدينا مدن ليبية محتلة من غير الليبيين، ولكن بفعل ومساعدة ليبيين كذلك. وهم عصابات المتاجرة بالبشر وتهريب المهجرين. وهذه العصابات ليست محصورة في مهربي القوارب فقط، بل تبتديء من سلسلة الاستلام من الحدود ونقل منها إلى نقطة التصدير البحرية (خريطة مرفقة) وبل ان العصابات الليبية سهلت وتحالفت وفتحت المجال لبعض عصابات الجوار لاستخدام الأرضي والمياه الليبية.

منظمة الهجرة الدولية (IMO) التابعة للأمم المتحدة حددت تواجد عدد 276٫957 مهاجر في ليبيا، اي ما يزيد عن ربع مليون انسان، وذلك ضمن رقم يقدر بين 700 ألف ومليون مهاجر متوقع وجودهم في ليبيا سنة 2016. انظروا وتمعنوا جيداً في الارقام وقارنوها، ليس بعدد سكان ليبيا الستة مليون والمتوزعين في كل ليبيا، بل بعدد سكان المناطق التي تمر بها تجارة تهريب المهاجرين وتتأخذها محطات تجمع وترانزيت او تسفير. المناطق المقصودة محددة التسمية (الخريطة المرفقة)، والاهم ايضاً انها محدودة وقليلة الساكنة الليبية.

وفِي ظل المعطيات المعروفة من انتشار السلاح خارج نطاق مؤسسات الدولة وانخراط شباب في جماعات مسلحة وتغول عصابات اجرام التهريب المنظمة، فالسيناريو المنتظر لا المحتمل، لانه قد يكون في طريق التشكل وقد يكون واقعاً قريباً.

فافتراضاً ان مدينة او قرية ليبية عدد سكانها 50 الف ليبي موزعين بين رجال ونساء وكبار سن واطفال وشباب وأصحاء ومرض( منهم 10 آلاف شاب)، تقرر عصابات التهريب اتخاذ تلك المدينة والقرية محطة تجميع للمهاجرين. وحيث ان المهاجر يحتاج لوقت لجمع مبالغ مالية مقابل التهريب وانتظار للعملية، فكتقدير ان تلك الفترة تستغرق من نصف سنة إلى سنة. فالتالي هو احتشاد عدد من المهاجرين في معسكر عشوائي (كامبو)، ولنفترض ان الكامبو فيه 10 آلاف مهاجر. اي 20% او خمس سكان القرية او المدينة. مع العلم، ان واقع الحواضر الليبية، غير المدن الكبيرة، يقل فيه عدد السكان عن 25 الف نسمة.

وبمرور الوقت، وبنفس المعطيات المعروفة، سيتجمع وينظم المهاجرين انفسهم في تشكيل او تنظيم لادارة الكامبو. ومن ثمة في خطوة لاحقة سيسعى بعضهم لشراء واقتناء السلاح المتوفر. وبعد ذلك سينخرط بعضهم في الاجرام المنظم، او يتعاونوا مع بعض العصابات المحلية اما بعرض الخدمة او التشارك، مع عدم استبعاد تجنيدهم من قبل الجماعات الإرهابية، او حتى انخراطهم في التصارع الاهلي كمرتزقة او لمطالبة بامتيازات. وبكلمة اخرى، سيفرضون وجودهم وقوتهم، وهكذا تصبح بعض المدن والقرى الليبية محتلة من قبلهم او تحت رحمتهم. ذلك ليس اضغاث خيال ولا مبالغة ترويعية، بل واقع قائم في بعض الدول، التي زاد فيها عدد المهاجرين بمئات الآلاف وطال بقائهم في المخيمات لعشرات السنوات.

اذن ما هو الحل؟

الحل: رغم تعقد مسألة الهجرة لدرجة انها على قمة اجندة العلاقات الدولية، إلا ان بداية واساس الحل هو اهلي وشعبي ومجتمعي، ومن ثمة وبالموازة يكون رسمي وقانوني وأمني. والمقصود هي المدن والقرى التي ينخرط يتورط بعضها أبنائها في نشاط المتاجرة وتهريب المهاجرين او بعض مراحله، بأن تقوم سلطاتها المحلية ومجالسها العسكرية ومنظماتها الاهلية والتوعوية بمحاربة نشاط هذه العصابات ورفض تواجدهم في نطاقها، لانقاذ نفسها اولاً. لانه، للاسف، بعض هذه العصابات تمتع بتغاضي من مجتمعاتها المحلية، واحياناً بتشجيع حتى من عائلاتها، عندما تقبل وتسكت تلك الأسر عن مصدر أموال ابنائها.

اما عن دور الدولة ومؤسساتها الرسمية، فبالإضافة لتوظيف أدوات العلاقات الدولية ومعاهداتها، فالمقترح ان تؤسس مراكز إيواء وتسفير المهاجرين في أماكن بعيدة وقريبة من حدود دول المصدر، بحيث تكون غير مرغوبة وسهلة للمتابعة ولإجراءات التسفير. ومن ثمة وايضاً، اشراك دول الاستقبال الشمالية والمنظمات الدولية في التكاليف الباهظة في ادارة مراكز الإيواء والتسفير حسب الاتفاقات الدولية المبرمة. كما انه من الضروري مراعاة الجوانب الانسانية في التعامل مع الهجرة من منطلق المبادئ الانسانية دائماً، وحرصاً على عدم تأثير سوء المعاملة سلبياً على علاقات وسمعة ليبيا مع دول المصدر والاستقبال، التي قد تستغلها ذريعة ضد ليبيا.

تفاعلنا مع مسألة الهجرة لا ينفع فيه ابداً أسلوبنا السلبي والاتكالي المعتاد والمدمن بإلقاء التهم ورمي المسئولية على الدولة الدولة فقط، لسبب: ان الهجرة وحركة البشر مسألة وقضية لا تستطيع ولم تتمكن حتى دول قوية ومتمكنة من مواجهتها، فما بالك وظرف دولتنا معروفة وتعاني من اثار التصارع الاهلي. وعلينا، تذكر ان هذه المسألة هي مشكلة قديمة، عانى منها حتى النظام السابق رغم سطوته الامنية، لانه قدرنا اننا بلد حدوده شاسعة وجغرافيته قليلة الكثافة السكانية مع ثراء نسبي يغري المهاجرين المقطوعة أمامهم فرص الحياة في بلدانهم الأصلية.

في هذا الظرف الوطني وفِي ظل تصاعد مسألة الهجرة لدرجة الازمة الدولية الصعبة، بحيث ان دول مستقرة بنت وشيدت أسوار وحواجز او تفكر في ذلك، وفِي نفس الوقت تشدد الدول من ملاحقة ومعاقبة تجار البشر وعصابات التهريب المنظم. ونحن في ليبيا، علينا الاتجاه إلى اساس المشكلة الاكبر وهم المجرمين، وتجفيف قدراتهم، وخصوصاً توريطهم للشباب!

ابراهيم قراده/ ادرار نفوسه
[email protected]

* انظر (ليبيا - علي موقع المنظمة الدولية للهجرة)
* راجع الأجزاء السابقة بـ (ارشيف الكاتب)

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع