مقالات

محمد بن نصر

أصنــام الحداثــة (4)

أرشيف الكاتب
2017/03/04 على الساعة 12:14

قال خالد بن الوليد رضي الله عنه للنبي عليه الصلاة والسلام: "يا رسول الله، الحمد لله الذي أكرمنا وانقذنا بك من الهلكة، لقد كنت أرى أبي يأتي "العزى" بخير ماله من الأبل والغنم فيذبحها للعزى ويقيم عندها ثلاثاً، ثم ينصرف إلينا مسروراً.."!

تأخذ فكرة "الثورة" بين أصنام الحداثة موقع "العزى" بين أصنام الجاهلية الأولى، غير أن القرابين التي تقدم لـ"الثورة" ليست من الأبل والغنم، وإنما من البشر! ويسمى التبرير النظري لتقديم القرابين البشرية للثورة "الفقه الثوري"! والفقه الثوري لا يتعلق بثار.. يثور.. ثورة، وإنما بصنم جديد، وعبادة جديدة قرابينها البشر، وقد أنتقل إلينا هذا الفقه من الثورة الفرنسية التي سأتوقف لبعض الوقت عند كونها ثورة في عالم تعدد الآلهة.

جاءت الثورة الفرنسية بعد قرون طويلة من من الطغيان الذي تميزت به الملكية في فرنسا، وكانت الكنيسة هي مصدر مشروعية هذا الطغيان أو"الطاغوت" بمصطلح قرآني. فالطغيان إذن، أوالطاغوت، هوما كفر به الفرنسيون عندما قاموا بالثورة، لكنهم لم يؤمنوا بمحمد وما أنزل على محمد، لذا لم ينتج عن كفرهم بالطاغوت القديم سوى طواغيت جديدة ملأت فضاء الحداثة! أرجوأن يتذكر القارئ، إذا كان من المسلمين أن "الطاغوت" مصطلح يطلق على كل ما عُبد من دون الله، والعبادة التي تعنينا هنا هي تقديم القرابين البشرية، وليست أي شعيرة أخرى!

في هذا السياق أمست "الثورة" مصدراً لمشروعية جديدة تجعل هوى الثوار قانوناً سارياً، وحكماً نافذا، من لحظة أصداره بـ"اسم الثورة"، الذي يوازي "باسم الله" عند المسلمين. وقد عرف أحد المحامين وهوالكونت دوكوندرسيه ((1794-1743 القانون الثوري على النحوالتالي: "القانون الثوري هوالقانون الذي موضوعه الحفاظ على الثورة، والإسراع بخطوها أوضبط مسيرتها." "La loi révolutionnaire est une loi qui a pour objet de maintenir cette révolution, et d'en accélérer ou régler la marche."

كان صاحب فكرة "الشرعية الثورية" (كوندرسيه( من القرابين التي قدمت لاحقاً للثورة!  إذ صُنف من ضمن أعداء الثورة وأودع السجن، حتى مات مع من مات من القرابين البشرية (عشرات الالاف) التي قدمت للمقصلة باعتبارها مذبح الصنم/الإله الجديد! ومن بعد سارت على النهج الدموي للثورة الفرنسية ثورات أخرى من بينها الشيوعية في روسيا، لاسيما أيام ستالين، وفي كمبوديا أيام بول بوت والخمير الحمر، حيث قدمت القرابين البشرية بالملايين لصنم نحتته فرنسا وأهدته للعالم كمصدر لمشروعية تلغي كل مصادر المشروعية الأخرى: سماوية وارضية!

هذه كلها معلومات عامة الآن، أما ما يظل غائباً عن الدرس، والنقد، فهو أعداد ونوع القرابين التي قدمت لـ"الثورة" عندما انتقلت الفكرة-الصنم إلى جنوب المتوسط، مبتدأة بمصر في منتصف القرن الماضي، حيث انقلب الجيش على الملك فاروق سنة 1952. في البداية أعطى الانقلاب صفة "حركة الجيش المباركة"، ومن بعد تدخل القانونيون، الذين تكونوا على المذهب الفرنسي، وأعطوا الحركة وصف "ثورة 23 يوليو".

كان من الطبيعي، إن لم يكن من الحتمي، أن تصطدم هذه الحركة، أو هذه الثورة، بالذين لا يجعلون مع الله إله آخر: جماعة الإخوان المسلمين! وكان الصراع في ظاهره على السلطة، لكن حقيقته كانت على من هو أحق بالعبادة: الله أم الثورة؟! وعلى الجانب التشريعي يمكن ترجمة هذا السؤال إلى الصيغة التالية: أيهما أولى بالاتباع شريعة رب العالمين أم هوى ضباط الجيش (الثوار)؟ سنرى بعد قليل الأثر العملي لتحكيم هوى ضباط الجيش في مصر، لكن قبل ذلك لابد من عرض رأي مؤسس جماعة الإخوان المسلمين (حسن البنا 1906- 1949)، في موضوع الثورة.

رأي البنا في "الثورة" موثق في رسالة المؤتمرالخامس للإخوان المسلمين (سنة 1938) الذي قال فيه: "وأما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها، ولا يعتمدون عليها، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها، وإن كانوا يصارحون كل حكومة في مصر بأن الحال إذا دامت علي هذا المنوال ولم يفكر أولو الأمر في إصلاح عاجل وعلاج سريع لهذا المشاكل، فسيؤدي ذلك حتما إلي ثورة ليست من عمل الإخوان المسلمين ولا من دعوتهم، ولكن من ضغط الظروف ومقتضيات الأحوال، وإهمال مرافق الإصلاح، وليست هذه المشاكل التي تتعقد بمرور الزمن ويستفحل أمرها بمضي الأيام إلا نذيراً من هذه النذر، فليسرع المنقذون بالأعمال."
كانت هذه الكلمة نصيحة لنظام تجاوز فساده كل امكانيات الإصلاح، وكان من الحتمي أن يتم اقتلاعه، وهوما حصل بعد 14 سنة من ذاك التنبيه. وكانت هذه النصيحة درس من الدروس السياسية التي لا تُعطى لأبناء المسلمين الذين يتلقون تعليمهم في اوكسفورد والسوربون. ذهب درس البنا (أونصيحته) ادراج الرياح، وعاشت الأمة من ثورة إلى ثورة، أومن نكبة إلى نكبة، لأن الثورة لم تبنى على منهج نقدي، ولم تكن مشروعاً ينفذ، وإنما كانت صنم يعبد، بتقديم قرابين بشرية، وعلى النحوالذي نجد نبذة عنه في كتاب الشيخ محمد الغزالي "قذائف الحق"!

نشر الشيخ محمد الغزالي (في الصفحة 83 من الكتاب) "تقرير اللجنة المؤلفة برياسة زكريا محي الدين، رئيس الوزراء في حينه [1965- 1967]، بشأن القضاء على تفكير الإخوان بناء على أوامر السيد الرئيس.."! وما يستحق التوقف عنده ليس ما فكرت فيه اللجنة بخصوص الاخوان، وإنما ما فكرت فيه بخصوص المتدينين من غير الإخوان، الذين يقول التقرير في شأنهم ما نصه: "بعد دراسة عميقة لموضوع المتدينين من غير الإخوان، وهم الذين يمثلون "الاحتياطي" لهم، وجد أن هناك حتمية طبيعية عملية لالتقاء الصنفين في المدى الطويل، ووجد من الأفضل ان يبدأ بتوحيد معاملتهم بمعاملة الإخوان قبل أن يفاجئونا باتحادهم علينا. ومع افتراض احتمال كبير لوجود ابرياء منهم إلا أن التضحية بهم خير من التضحية بالثورة .."!(ص 85)

بعد ابادة الاخوان لم يعد بالإمكان تقديم قرابين بشرية، فمن أين يأتي سدنة الثورة بالقرابين؟! لم يبق إلا المتدينين من غير الإخوان، فهم والإخوان ملة واحدة متوحدة على عبادة الله، ولذا يجب تقديمهم جميعاً قرباناً للثورة! وفي هذا الصدد يقول التقرير: "ولاستحالة التمييز بين الإخوان والمتدينين بوجه عام فلابد من وضع الجميع ضمن فئة واحدة..". لم تكن لجنة محي الدين في شك من أن بين المتدينين من هوبريء من تهمة الإنتماء للإخوان المسلمين، لكن البريء من كل عيب هو أفضل ما يتقرب به لـ"العزى" إذا كان من الإبل، ولـ"الثورة" إذا كان من البشر! فالثورة هي الصنم الذي لا يدنس مذبحه بدم المجرمين، لأنهم سدنته، أما شرفاء المتدينون من الإخوان وغير الإخوان فهم أفضل قربان يقدم له، فالمؤمنون اخوة بنص القرآن الكريم ولذا كانوا الفئة المناسبة لمذبح/سلخانة الثورة، بغض النظر عن انتمائهم للجماعة..!

أعلم أن هناك من سينقل عن الفقه الغربي، والفرنسي تحديداً، مقولة "النظام يدافع عن نفسه"..! وهل فعلت الجاهلية الأولى أكثر من ذلك..؟! قدم السيد عبد الناصر ابان حكمه، الذي امتد 18 سنة، ستة قرابيين من خيرة البشر(المجاهدين الذين قاتلوا في فلسطين وعلى القناة) وعلى رأسهم عبد القادر عودة سنة 1954، ثم قدم سيد قطب واثنين من خيرة الدعاة قرابين لطغيانه المتعاظم سنة 1965! وبعدها كان الدور على المتدينيين من غير الإخوان، لكن كانت الهزيمة أقرب (في 1967)، وكان قدر الله أغلب! وفي عماء مطلق عن دروس التاريخ، لازال الغافلون من أبناء المسلمين أداة العدو المفضلة لاستئصال الإخوان! ولازال المغفلون ينفذون مخططات العدووهم لا يشعرون!

بين القرن العشرين والجاهلية الأولى سارت الأمور إلى الوراء بسرعة الضوء، فالوليد بن المغيرة قدم خيرة الابل والغنم لـ"العزى"، أما السيد الرئيس (عبد الناصر) وتلاميذه من بعده (وأشهرهم القذافي) فقد قدموا خيرة البشر لـصنم لا يُرى إلا في عالم الأفكار واسمه "الثورة"! كان القذافي يحاكي منطق كوندرسيه (في 1/9/1985) عندما قال عن اللجان الثورية: "هذه اللجان تتمتع بشرعية ثورية خاصة بها، فقانونها هوالقانون الثوري الذي لا يقرّ إلا لغة الثورة". وقد رأى القاصي والداني كيف تحدث القذافي لغة الثورة/الصنم، وكيف قدم لهذا الصنم قرابينه البشرية على مائدة الإفطار، في شهر رمضان، دون خجل أووجل! وهكذا كانت قرابين القرن العشرين بشرية، بينما كانت قرابين الجاهلية الأولى من الأنعام: فأيهما، بالله، أسوأ؟!

محمد بن نصر

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
عيسى | 11/03/2017 على الساعة 11:52
الكلام عن الوهم وهم
هناك من يعبد الفكر الديني ولا يعبد الله .23يوليو كان عنوان لسقوط النظام الملكي و9/1 كان عنوان التغيير لنظام مر عليه قانون الهلاك والفناء بسرعة البرق وبداية لبناء الدولة الحديثة ولاول مرة تصبح ليبيا دولة ذات سيادة مطلقة على اراضيها والصنم وهم ومن يتعامل معه بفكره يعني لم يخرج من دائرته واصبح فكر السيد حسن أحمد البنا رحمه الله جزء من الماضي والاخواني هو انسان متحفي
ممتعض | 05/03/2017 على الساعة 23:08
ماذا عن أوثان الأصولية ؟
في سلسلة الدروس المنبرية هذه ، تحت عنوان ( أصنام الحداثة ) يبدو صاحبها مستميتاً في محاولته تلميع الإخوان المسلمين وإظهارهم في صورة يتمناها وإياهم لهم ودون أن يخطر بباله عبثية ما يجشم نفسه من عناء ، ليس فقط لأنه ( لا يصلح العطار ما أفسده الدهر ) ولكن أيضاً لأن تنظيم الإخوان ( شأن كل التنظيمات التي تدعي وصلاً بالإسلام ، والإسلام لا يقر لها بذاك ) مجرد تنظيم زنيم لا حد للشكوك والريب التي تكتنف منشأه وأصوله ، إلى ذلك فإصراره على تأكيد مساوئ الحداثة وبصيغة تختزل تاريخاً ثقافياً وحضارياً شاركت في صنعه كل المجتمعات البشرية فيما دعاه ( أصنام الحداثة ) ليس نقداً بأي معنى من معاني النقد ، التي تسترد عمقاً وإحاطة بموضوعها ولا تكتفي بالتقميش الإنتقائي الذي يهدف للدعاية لما هو أسوأ من المنقود نفسه ، وهنا الأصوليات الظلامية العدمية التي نسلت الإرهاب المنتسب زوراً ( مثلها تماماً ) إلى الإسلام ، والذي يشوه الإسلام ويسئ إليه وإلى أتباعه ، وأعني ألأصوليتين الوهابية والإخوانية ، اللتين يبدو واضحاً أن حديث المنابر عاجز عن التطرق إليهما وكشف ما تنطويان عليه من أوثان ، بدأاً من ولي الأمر والمرشد .
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت موافق على عملية الإفراج على الساعدي القذافي واخرين من عناصر النظام السابق
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع