مقالات

إبراهيم قراده

لعنة: نحب التاريخ لدرجة كراهيتنا لانفسنا، في غياب المقياس

أرشيف الكاتب
2017/02/28 على الساعة 18:07

نزور ونختلق التاريخ، ليس فقط لأننا نستحي من افعال أسلافنا، بل لأننا نريد تكراره بتقليدهم.. وفِي تاريخنا إضاءات وظلمات..

هل كان ادريس ملاكاً، ومعمر شيطاناً؟
هل هناك فائدة أو حكمة لاجترار واستحضار حروب قبلية عمرها قرون؟
كيف سنكتب تاريخ هذه المرحلة؟

يصطدم الواحد منا عنده اطلاعه على التاريخ المخفي والمدسوس بدرجة التعديل والانتقاء وبل حجم التدليس والتزوير فيما يتم تلقينه لنا في كتب التاريخ المدرسي ومسلسلات العنتريات التاريخية ومنشورات التاريخ المؤدلج وحكايات الاجداد البطولية، لدرجة اننا كلنا، جيل وراء جيل نتوارث تاريخ نصف حقيقي، أي تاريخ نصف كاذب، نكون فيه نحن دائما الأبطال والأخيار والانقياء والمٌصطفين والمظلومين، وغيرنا الاخر هم المهزومين والأشرار والمعتدين والمنبوذين والمعتدين. ونحن هنا ننطلق ونبتدئ توسعاً من امتنا، فشعبنا ووطننا، فقبيلتنا ومدينتنا، حتى أسرتنا وعائلاتنا، في حين الاخر هم غيرنا، امماً وشعوباً ومدناً وقبائلاً بحالها.

وفِي نفس السياق وفِي اتجاه معاكس، لا نعرف ولا ندرس كثيراً وما يكفي مراحل تاريخنا القديم والوسيط والحديث، لدرجة اننا ندرس تاريخ شعوب بعيدة كتاريخ لنا... أحياناً نصل لدرجة البجاحة والغرور في تلوين تاريخ لم يكن أبداً، ونفرضه فرضاً على أنفسنا قبل غيرنا، ونكون مستعدين على الفناء لاخرنا دون المساس بقدسيته المصبوغة والمسبوكة في محاجر عقولنا، رغم علمنا ان التاريخ ماضي فات، مما جعل الكثير يضحك علينا ويسايرنا في غيّنا وبهتاننا (إللي تلاقاه راكب على عصا، قول له مبروك الفرس)... المطب والكمين، هم الحذاق الذين يعتاشون ويتلذذون بذلك، فيصرون على تسويق ذلك.

وللاختصار وخلال المائة سنة الاخيرة، عاشت وشهدت ليبيا الكثير من الأحداث التاريخية المهمة والخطيرة، ولا زالنا عند تناول بعضها خيارات، لا ثالث:

الموضوع تابو وممنوع تناوله، وبالتالي مسكوت عليه بالكامل.
رواية الموضوع مختلقة ومحبوكة في اجزاء منه. وهذا يشمل اعادة صياغته بالانتقائية بالحشو أو الحذف أو التدليس.

الاشكالية اننا في تعطينا الشفهي المغلق، تتناول كل فئة منا التاريخ حسب وجهة نظرها ومصلحتها، ونقوم بحقن الأجيال وغرسهم بقيم النفاق والازدواجية المعيارية، ولذلك انعكاسات سلبية، كلنا نعرفها ونعيش مكابدةً اثارها السلبية والضارة. وعلى سبيل المثال، وخلال المئة سنة الاخيرة، هناك رموز شخصيات وطنية لازلنا نختلف ونتصارع في تصنيفها، كـ: احمد الشريف، سليمان الباروني، رمضان السويحلي، عمر المختار، احمد سيف النصر، صفي الدين السنوسي،عبد النبي بلخير، سوف المحمودي، يوسف خربيش، محمد افكيني، الطاهر الزاوي، الشارف الغرياني، ابو الاسعاد العالم، ادريس السنوسي، بشير السعداوي، معمر القذافي، آدم الحواز، عبد السلام جلود، عمر المحيشي، منصور الكيخيا، عبد الفتاح يونس، عمر الحريري...؟ (آرجو ان لا يفهم استعجالاً أو غرضاً بذكر أو اغفال بعض الشخصيات الوطنية من باب إصدار الأحكام، بل كأمثلة لاختلاف وجهات نظر مجتمعية حول دورهم أو بعض ادوارهم، وخصوصا ان فترة طويلة مرت بين السكوت والتوظيف...)

التساؤل، لماذا؟ اقتراباً من الإجابة، لأننا لا نعرف ولا نعترف إلا بدرجتين في تصنيف البشر: إما ملائكة مطهرين مطلقاً، أو شياطين انجاس قطعياً، لا كإنسان يصيب ويخطئ، ومحكوم بظروف المكان والزمان والمحيط الاجتماعي والضغوط النفسية والتكوين الذهني والتحديات والتوازنات السياسية.

والآن، وبعد تجربة الست سنوات العصيبة، وانكشاف الطبيعة الانسانية السياسية، هل يمكننا الإصرار بالاستمرار في  السير العنيد على نفس مدرسة التصنيف؟... ولنأخذ مثالين في اختلافنا التقييمي، وثلاث للقياس:

الملك ادريس السنوسي، وتقييم مراحل كفاحه الوطني نحو الاستقلال وبناء الدولة.
معمر القذافي، وتقييم ممارسته خلال اربع عقود.

فنسبة منا تعتبر فترة الملكية مرحلة مثالية أو جميلة أسست وحمت دولة الوحدة الوطنية، يقابلهم البعض المتسائل عن  منعه للأحزاب وسجن بعض السياسيين، وإلغائه للنظام الاتحادي. وفِي المقابل هناك من يعتبر حقبة حكم القذافي مرحلة ارهاب وديكتاتورية قاتمة وقاسية، ويواجههم القائلون بنجاحها في حفظ سيادة الوطن في مرحلة تاريخية صعبة، وأنها انجزت مشروع النهر الصناعي الذي أنقذ الليبيين من العطش، وانه ترك رصيد مالي كبير. وهناك مثلاً، مسألة تأجير القواعد الأجنبية، التي يعتبرها البعض بأنها كانت ضرورية لتوفير التمويل لشعب فقير ومريض وجائع جدا ودولة حديثة ضعيفة ومهددة بافكار توسعية في حينها، وأنها كانت معاهدة لفترة محدودة كانت في طور الالغاء والانتهاء ، في حين اعتبرها البعض تنازل عن السيادة والكرامة الوطنية ضمن شعارات المرحلة... والعبرة بالمحصلات والنتائج. ولاتمام المقارنة، يمكن استحضار بعض نماذج للقياس، عليها:

اتذكر انني قرأت في احد مؤلفات د. خليفة التليسي، حول الجهاد. ان احد قادة الجهاد في الجبل وجد نفسه في موقف صعب، والمتمثل في قوات غراسياني تزحف محتلة مدن الجبل مدينة بعد مدينة مسببة خسائر في الأرواح والممتلكات، وان هذا القائد كان أمامه خيارين: إما محاربة الطليان وهزيمة أهله ودمار مدينته أو الاستسلام وانقاذ أهله ومدينته. فاختار الخيار الثاني، وهو يعرف مصيره، حيث اعدمه الطليان بعد القبض عليه. ومن ضمن هذا النموذج، هناك العديد من المجاهدين ضد الطليان الذي بدلوا معسكراتهم، وبعضهم تعاون تكتيكياً مع الطليان مخططاً التمرد عليهم في اللحظة المناسبة. وأحيانا يموت أو يمنع من تنفيذ مخططه السري ليحكم عليه التاريخ في الخانة الخطأ.

وايضاً، نموذج الرئيس الحبيب بورقيبة، الذي تم اتهامه بالمهادنة، ليكتشف لاحقاً انه كان محقاً وواقعياً وفاهماً جيداً للعلاقات الدولية وتاريخها وتوازناتها.

هناك حالات تاريخية عديدة يضطر فيها قادة سياسيون أو عسكريون للاستسلام عندما يعرفون تأكداً بأن لا قدرة بتحقيق النصر ومنع الهزيمة الماحقة، فيقبلون على اجتراع السم والمهانة حتى لا يدمروا شعوبهم وبلدانهم وراء شعارات "النصر أو الموت"، ومن ذلك موقف الامام الخميني في الحرب العراقية الإيرانية أو استسلام قادة فرنسا، ألمانيا، اليابان... في الحربين العالميتين الاولى والثانية... وفي الجهة الاخرى، نجد العديد من القادة الذين دمروا شعوبهم بشعارات جوفاء، وللاسف لا زالت اجيال من تلك الشعوب تقتات الوهم وتشحت قوتها.

باختصاراً، نحن في حاجة ماسة وملحة لإعادة توطين التاريخ في المساحة الموضوعية، بابعادها عن غيّ شعراءالاوهام وجموح جنوح القبلية والوطنية والقومية والدينية. فنظرة وتعامل عابر مع ابسط إنسان في وطننا ومنطقتنا تجعل العاقل منا وفينا يحير في كم وحجم النرجسية و "الانا" المتضخمة والعدوانية، لدرجة ان بَعضُنَا يعتقد ان الشمس تشرق وتغرب لاجله. ولعل في موقعنا في مقاييس الامم اجابة.

كما ان التاريخ ليس الحروب والمعارك فقط، كما تختزله ثقافتنا العتيدة، بل هو اثار الحضارة الانسانية من علوم وآداب وثقافة وفنون وعمران. لأننا نستطيع ان نقول ونكتب ما وكما نريد عن وطننا، علينا ان نكتب ونقرأ تاريخنا بصدق وواقعية، وان نتجاوز الشخصنة ونعود للقاعدة القرانية العظيمة: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، والتوجيه القراني: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}.

اعادة عقولنا لامخاخنا، خطوة ضرورية ومهمة ايضاً لتصالحنا مع ذواتنا، لنعبر هوة وفجوة الانفصام المزمن. التاريخ يعيد نفسه ولكن لا يمكن الانتقام والثأر منه. التاريخ منهج وليس سرد، التاريخ صنعة وتدوينة المؤرخين لا الساسة ولا الفقهاء ولا الشعراء ـ إلا كمصادر. التاريخ دروس وعبر وليس قوافي معلقات ولا مبالغات مفاخر لمن يريد المستقبل. ونحن يستهوينا العيش في قبور الماضي مع بعض التكنولوجيا.

* وبالمناسبة ووجوباً، كل التقدير والاحترام  لـ" المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية" كادراً وإدارةً على جهوده ومكابدته في كتابة وحفظ التاريخ الوطني رغم محيط الصعوبات من كل جهة وجانب.

ابراهيم قراده/ ادرار نفوسه
[email protected]

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
غومة | 03/03/2017 على الساعة 01:35
التاريخ يجمع ويقرء كل يوم من جديد...؟
لم يكن التاريخ في يوم من الأيام مسرد متناسق وموضوعي، إنما خليط من هنا وهناك: بعض من ألمشاهدة وبعض من الذاكرة وكثير من التلقيط والاختيار. التاريخ داءماً ما يكتبه المنتصرون وليس بالضرورة كما حدث. هناك نظرايات عدة تحاول ان تدرك جوهرية التاريخ ومجراته. فهناك من وصفه بانه يشبه بالحلقات وآخر بالدواءر وثالث بالحلزون ورابع بالنهر وخامساً بالطقس وهلم جرا. والأكثر تداول تلك النظريات التي تفترض بان التاريخ حركة دينامكيةً جدلية وخطية، او تلك آلتي تراه يدور ويلف في دواءر ليعيد نفسه ولو في ظروف مختلفة. معظم، اذا لم يكونوا كلهم، مسردي التاريخ سلكوا واحدة من هذه الطرق واتبعوا واحدة من المناهج المتعددة. التاريخ يكتب كل يوم من جديد ويفسر على نفس المنوال. ليس هناك تاريخ ثابت وإنما هناك قراءات متعددة بألوان الطيف، كل حسب المنظار والعدسة التي من خلالها ينظر في اعماق ذلك البءر العميق ليلقي بعض الضوء على محتوياته. انها قراءة التجديد والتى من خلالها كل جيل يفهم ماضيه ويحاول ان يضيف اليه ما استطاع اليه سبيلا. شكراً. غومة
حفيد عقبة بن نافع | 28/02/2017 على الساعة 19:33
مقال اكثر من رائع
بكل صدق وبدون مبالغة استوقفني مقالك استاذ ابراهيم، مقال رائع يحتاج إلى تمعن وتفكير بعمق حول الحقائق التي اسردتها. لا فض الله فاك وبارك الله فيك.
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع