مقالات

سالم العوكلي

عفاريت العسكر... ولا أحد يُصدِّق

أرشيف الكاتب
2017/02/26 على الساعة 14:33

هل كان نظام القذافي عسكرياً كما يوصف مراراً؟ أو كان ممثلا فعلا لحكم العسكر طيلة العقود التي حكم فيها ليبيا؟ أم ظاهره العسكري يبطن مضمونا آخر مختلفاً لطبيعة هذا النظام؟ وما هي هيكيلة الحكم الذي نستطيع أن نصفه بكونه نظاما عسكريا فعلا.

أيها الشعب الليبي العظيم... قامت قواتك المسلحة بالإطاحة بالنظام الرجعي... وبضربة واحدة من جيشك البطل تهاوت الأصنام وتحطمت الأوثان.

كان هذا جزءاً من بيان انقلاب 1969 الأول (بتصرف) الذي سمعه الليبيين على راديو بنغازي في الأول من سبتمبر. والذي يذكر القوات المسلحة والجيش الليبي في ثناياه، ورغم ذاك ظل الضباط وقائدهم الذين قاموا بهذا الانقلاب مجهولين تماما بالنسبة لغالبية الليبيين، وظل الغموض يحيط بهم باعتبارهم ضباطا يافعين ذوا رتب صغيرة ولم يتقلدوا مناصب مهمة في القوات المسلحة حتى ذلك التاريخ، كما كان الغموض يحيط بزعيم الانقلاب الذي لم يعلن عن اسمه إلا بعد أيام عندما جاءته النصيحة من قبل رجل الاستخبارات المصري، فتحي الديب، مبعوث جمال عبد الناصر، حتى لا تسرق الثورة منه. وكان كل ذلك انعكاسا لواقع القوات المسلحة الهش والضعيف أمام نفوذ وسلطة المؤسسة البوليسية بكل أذرعتها الأمنية، والتي كانت تشكل حضورا قويا في أذهان الناس بين الاحترام والخوف، ومتغلغلة في مفاصل الدولة بنفوذها السياسي، وضباطها أكثر شهرة ونفوذا من ضباط الجيش، ومنصب وزير الداخلية أقوى وأهم من منصب وزير الدفاع. لكل ذلك ركز مجموعة الانقلابيين على احتواء ضباط الشرطة الكبار بما فيهم وزير الداخلية، ما ساعدهم على الاستيلاء على مقرات الشرطة الأكثر ولاءً للملك.

وبالتالي حين نتحدث عن نظام عسكري، أو حكم العسكر، يعني أن الجيش بكل أركانه وأسلحته وتنظيماته، من جهاز المخابرات العسكرية أو ركنه الاقتصادي أو غيرها، له حضور قوي ونفوذ كبير داخل أروقة السياسة والقرار، وما يدل على هشاشة هذه المؤسسة، إبان النظام الملكي، كون الذين كانوا على رأسها وبرتب كبيرة يعلمون بالمخطط الانقلابي دون أن يستطيعوا تحريك ساكنا، أو اعتقال هؤلاء الضباط الصغار الذين يرأسونهم، بل أن العقيد ركن، عون شقيفة، أصدر مذكرة قبض على الملازم ثان معمر القذافي ولم تنفذ.

لم يكن الشارع الليبي على علم، أو له علاقة بهذا الانقلاب، ولكن بمجرد الإعلان عنه استُقبِل بحفاوة كبيرة وبحشود جماهيرية غفيرة خرجت مؤيدة إلى الشوارع، وكان المنظور العام أنهم شباب يقودون تغييرا ضد نظام ليبي بدأ يصاب بالشيخوخة، وأنه محاكاة رومانتيكية لما حدث في مصر بعد بزوغ شخصية عبد الناصر على مستوى الوطن العربي كنجم ثوري وزعيم للساحة القومية. ومن هذا المنطلق تم اعتماد تسمية هذا الانقلاب بالثورة، وتشكل مجلس لقيادة الثورة من أجل تسيير دفة الدولة، تقاسم أعضاؤه الوزارات والمناصب الهامة بعد أن جمدوا الدستور العامل في البلاد، وقاد ليبيا، المقبلة على العالم آنذاك بثروة نفطية هائلة، مجموعة شباب لا تتجاوز أعمارهم العقود الثلاثة، وهو المجلس المتكون من دستة من الضباط الذي انتهى نظريا عبر الإعلان عن النقاط الخمس في زوارة، وبدأت إجراءات تصفيته عمليا بعد محاولة الانقلاب التي قام بها بعض أعضاء المجلس بزعامة عمر المحيشي عام 1973.

منذ سنوات الانقلاب الأولى بدأت طموحات القذافي تظهر في الانفراد بالسلطة، والخروج بها من دائرة المؤسسة العسكرية التي تشكل له رهاب انقلاب آخر، ورغم خروجه أحيانا ببزته العسكرية، وإصدار كتابه الوحيد والبائس عن الأداء اللوجستي في الجيوش، إلا أنه كان منذ البداية يحاول أن يطرح نفسه كمثقف ذي نزعة يسارية راديكالية، قومية اشتراكية، وخاض حوارات طويلة مع المثقفين الليبيين وطلاب الجامعات بملابسه الكاجوال التي يحاول أن يظهر من خلالها كمثقف إصلاحي صعلوك في ذروة تأثره بشخصية المفكر الليبي الصادق النيهوم، وهو الشأن الذي جعله مع الوقت يتخلى عن كنيته العسكرية (العقيد) التي لم يتجاوزها في الترقيات، لتحل محلها ألقاب أخرى مثل القائد والمفكر والمعلم والمهندس.

وفي خضم هذا التحول، بدأ مبكرا في تفكيك المؤسسة العسكرية عبر إجراءات تتعلق بإقالة الضباط الكبار، أو نقلهم للعمل الدبلوماسي في السفارات، وحقنها بتشكيلات مدنية جديدة مثل المقاومة الشعبية المتكونة من الكهول والشيوخ، والطلاب المجندين في المدارس التي تحولت إلى ثكنات عسكرية، أو المعلم الضابط، بل خاض بهم حروباً خاسرة في دول إفريقية مات جراءها الآلاف، وكانت طلقة الرحمة على الجيش الليبي حرب تشاد التي وضع فيها نخبة الجيش في قلب أتون الحرب ثم عزل الجيش عن التغطية الجوية ومنظومة الاتصال أو أي دعم لوجستي، لينهار الجيش سريعا، وتتفرق نخبته العسكرية بين القتل والأسر والمنفى والسجن في الداخل أو الإقالة.

ومن ثم كان طرحه لنظريته  العالمية الثالثة، في السياسة والاقتصاد والاجتماع، اختراعه الخبيث للانفراد بالسلطة، والقفز فوق كل المطالب بالمؤسسات الديمقراطية التقليدية إلى أطروحته في الديمقراطية المباشرة التي ألقت بأول بذرة للفوضى الشاملة في المجتمع، وهي النظرية التي ضرب من خلالها مؤسسة الجيش بدعوته إلى الشعب المسلح كبديل للجيش النظامي، وكانت مقولته الشهيرة: السلطة والثروة والسلاح في يد الشعب، أداته لضرب تشكيلات المجتمع التي تهدد استمراره في السلطة، النخب السياسية المناط بها قيادة الدولة، المؤسسة العسكرية التي من المفترض أن تحتكر السلاح، والبرجوازية الوطنية التي تتشكل خلفها ببطء طبقة متوسطة ظهرت منذ البداية بشكل جلي في شغب طلاب الجامعات.

كما حقق بهذه الأطروحة الشكلية معادلته المهمة التي تضعه قائدا على رأس السلطة بكل الصلاحيات ودون تحمل مسؤولية أفعاله، فغدا المرشد والموجه للثورة، بما يشبه نظام ولاية الفقيه، دون تحمل تبعات منصب الرئاسة الذي كان ينكره مرارا، وهذا الشعور هو الذي جعله يتهم فيما بعد من قاموا بانقلاب ورفلة عام 1993 بكونهم يسعون لانتزاع السلطة من يد الشعب والعودة بنا إلى حكم العسكر.

ضمن سعيه لتحويل نظريته إلى عقيدة لها مريدوها، بدأ في تشكيل تنظيم اللجان الثورية، وهم فصيل من المدنيين المسلحين، يعدون بعشرات الألوف، معدين عقائديا لحماية سلطته المتمثلة في أهداف الثورة، ولتنفيذ شطحاته الفكرية الغريبة في نظريته الساذجة، وأصبح وفق هذا التحول أي جندي أو نائب عريف يمثل المثابة الثورية بأي معسكر أقوى من آمر المعسكر نفسه، بل أن جنرالات المعسكر يتلقون الأوامر من هذا العضو بالمثابة، وأصبح عضو بمكتب الاتصال باللجان الثورية أقوى نفوذا وسلطة من القائد العام للجيش.

وخلف هذا التشكيل المدني، كان يؤسس لكتائب عسكرية، تتكفل بحمايته، وتتشكل من ذوي الولاء الموثوق بهم، وتتلقى تدريبات نوعية ودورات عقائدية، وهي الكتائب التي ترأسها في البداية ضباط موثوق بهم لاعتبارات تتعلق بالولاء أو القبيلة، حتى كبر أبناؤه وأصبحت تحت إمرتهم وتسمى بأسمائهم، وهي كتائب أو ميليشيات لا تمت للمؤسسة العسكرية بمفهومها المعروف بصلة.

من هذا المنطلق فإن نظام القذافي لم يكن، في الثلاثة عقود الأخيرة على الأقل من حكمه، نظاما عسكريا، والرأي القائل بأنه حكم عسكر لا يجد ما يعززه على الأرض ولا في نهجه أو سيرته طيلة هذه الفترة، التي كان يحاول فيها أن يشبه أنظمة شمولية قامت في العالم وعبر التاريخ على قاعدة أيديولوجية. لذلك يبدو غريبا الحديث الدارج الآن عن الخوف من عودة العسكر في الوقت الذي يؤكد فيه المروجون لهذه المخاوف أن ليبيا لا يوجد بها جيش أو مؤسسة عسكرية فعلية، بمعنى الخوف من شيء غير موجود الذي يشبه الخوف من العفاريت.

مع سقوط النظام السابق شكل الضباط المتقاعدون، أو المقالون، أو المهمشون، الذين شاركوا في حروب الجبهات، قلقا للقوى السياسية التي باشرت سياسة التمكين في مفاصل الدولة الليبية، والتي سعت لأن يكون لها جناحها العسكري من أجل السيطرة على الأرض لمقايضتها بامتيازات سياسية، خصوصا بعد أن وشت الانتخابات الأولى بعدم إمكانية هذا التيار لأن ينفرد بالسلطة، وبدأت سلسلة متتالية من اغتيال الضباط والعسكريين، ذلك المخطط الذي بدأ باغتيال عبدالفتاح يونس، رئيس أركان القوات المسلحة إبان فترة المجلس الوطني الانتقالي، ووصل عدد المغتالين في بنغازي وحدها إلى المئات، ولم يُحرك ساكن من قبل قادة الدولة، وهو الأمر الذي جعل الضباط والعسكريون من بقايا الجيش المتهالك يجمعون بعضهم البعض، ليدافعوا عن أنفسهم بداية، وعن المدن التي بدأت تظهر فيها بوادر سيطرة الميليشيات الخارجة عن القانون بكل أنواعها، وحولهم تجمعت قبائل الشرق وبعض قبائل الغرب وشباب من أحياء المدن للدفاع عن مدنهم. إضافة للقوات الخاصة أو الصاعقة التي حافظت على كيانها لفترة طويلة وسط خراب المؤسسة العسكرية، لأسباب معقدة يصعب ذكرها، وشكلت نواة إعادة تأسيس الجيش الليبي بعد فبراير، حيث كانت شبيهة بالجيش السنوسي الذي شكل نواة الجيش الليبي بعد الاستقلال.

قول أن لا وجود لمؤسسة عسكرية، أو أن الجيش الليبي متهالك وضعيف، قولٌ ينسحب على كل مؤسسات وهيئات الدولة، الصحية والخدمية والبنى التحتية والتعليم ومنظومة الإدارة والقضاء والمواصلات والإعلام وغيرها، لأن التخريب كان مقصودا وشاملا، وبالتالي لابد أن يكون النهوض بكل هذه المؤسسات متزامنا وشاملا، ومثلما من العبث تعويض فقر الخدمات الصحية باللجوء إلى الشعوذة والمشعوذين، فمن العبث تعويض ضعف المؤسسة الأمنية والعسكرية باللجوء إلى تشكيل الميليشيات.

في الطرف الآخر كانت الميليشيات، أو الجماعات المسيطرة على العاصمة، تتجمع تحت تسمية رئاسة الأركان التابعة للمؤتمر الوطني المنتهية ولايته، والذي عرقل مشروع إعادة هيكلة الجيش الليبي وفق مصالح جماعة الأخوان المسيطرة، التي كانت تسعى للتأسيس لجناحها العسكري الخاص الذي من شأنه أن يساعدها في سياسة التمكين وفرض القوانين والقرارات المتسقة مع مشروعها الأممي، ودعمت فكرة تأسيس الدروع التي تتكون في أغلبها ممن يسمون بالثوار، وهم مدنيون يحملون أسلحة يقاتلون عقائديا تحت مظلة أيديولوجيا الإسلام السياسي، لتعلن عن نفسها فيما بعد كمجموعات متشددة تحمل رايات سوداء وتنفذ عمليات انتحارية على غرار تنطيمي: القاعدة والداعش، الطالعين من جبة الإسلام السياسي متمثلا في تنظيم الأخوان.

ما يعيدنا إلى منظومة النظام السابق نفسها التي حكم بها ليبيا لعدة عقود، متمثلة في الأيديولوجيا، والقوى الثورية المسلحة، والكتائب المدججة التابعة له شخصيا، والغطاء الذريعي لكل الجرائم بحجة الدفاع عن الثورة وأهدافها ضد مخططات الرجعية، أو ما يوصف الآن بمخططات الأزلام.

والتاريخ هنا لا يعيد نفسه لكنه ببراعة يستنسخ نفسه...

سالم العوكلي

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
ابواحمد | 27/02/2017 على الساعة 07:05
راي
أخي سالم كلامك الأول لوصف رأس النظام السابق جانبه كثير من الصواب أم النتيجة التي وصلت إليها دعني اختلف معك مع كل الاحترام. تبرئة العسكر في العقود الثلاثة العقود الأخير فيها رأي آخر اولا الجيش هو من قام بالانقلاب وتغير مسار الدولة صغار كبار هذا مش دخلي من يقوم علي رأس الجيش الآن معظمهم كان جزء من تركيبة النظام السابق أن عبدالفتاح يونس حفتر عائلة أشكال جلود الخويلدي أبوبكر يونس قذاف الدم المجدوب وكثير من كان من الظباط الاحرار حتي ولو لبس المدني فهو عسكري ولا يسمح بالمدينة يضل الشرطي يتعامل مع المدني أم العسكر فهو يتعلم كيف يدافع عن نفسه وكيف يقتل وليس كيف يحكم أم تبرير أن يدير الحكم هذه من أكبر المأسئ وأيضا مقارنتها مثلا بوزارة الصحة علي سبيل المثال إسقاط الحكم ليس في محله هذه تداوي وتهتم بالصحة والعسكر زي ماتشوف تدمير أي شئ أمامه حتي باستعمال مفردات التطهير ولكم في بنغازي اسؤ تحتاج إلي عقود لإصلاح المشكل الاجتماعي والاقتصادي وغيرها. العسكري الذي يريد الحكم يتخلى عن البدلة العسكرية ويتعلم المدنية ويتجه الي الصندوق وأيضا عندي مشكلة في فهم ببراعة يستنسخ نفسه ولك من كل الاحترام
طه الليبي | 26/02/2017 على الساعة 22:34
عجبي
سبحانه الله... القذافي حكم مدنيا في العقود الاخيرة؟؟؟؟ ربما ظلمناه ....يكفي ان نتذكر الدستور والانتخابات والفصل بين السلطات لنعرف انه حكم مدني تماما... بل يكفي ان نتذكر سجن بو سليم وما فعله بدرنة و نهايته بفتح مخازن الاسلحة لنعرف انه كان حكما مدنيا ايدلوجيا شريرا وليس عسكريا ... وعلى ذكر الايدلوجية,,,, السيسي الذي تمثل بعبد الناصر وشبيهه الليبي صاحب مقولة القوات المسلحة العربية الليبية والفيدرالية خيانة و مصر ذات دلالة على ليبيا حتى ان عملت عكس مصلحتها هو ليس مؤدلجا ولا عروبيا ولا قوميا
غومة | 26/02/2017 على الساعة 17:09
ليست كل لخبطة تستحق التصنيف...؟
ظاهرة القذافي كانت فريدة النوع ومن الصعب تصنيفها فيما اعتاد عليه من التصنيفات السياسية. في حين بداءت كحركة شبه عسكرية، اي العسكر بالمفهوم الليبي، انتهت بلخبطة شبه اديولوجية! معمر ربما سمع من مستشاريه بعض الاستعراض للأيدلوجيات الموجودة ولكنه فات عليه هضمها وفهم معاييرها. ولذكك ادعى في الاول الاشتراكية الاسلامية ثم العربية وهكذا دواليك لينتهي بالجماهيرية وما تابعها من لخبطة موءسسات الدولة حتى صارت الدولة شبه قطيعة له ولأبنائه. ربما في السياق التاريخي، يعطى للقذافي حسن النوايا، في انه كان يسعى لتوطين مفهوم الدولة عند أناس لم يعرفوا للدولة أهمية الا التسلط والاستغلال. ولكنه لم يكن بركلس، واشنطن، لينين، او ماوتسي تونغ وبالتالى اضمحلت النوايا عندما اصطدمت بالتطبيق. انها حقيقة كانت تجربة ثمثل الأظطراب النفسي والعقلي ليس عند القذافي فحسب ولكن عند الليبيين بصفة عامة. حيث القذافي لم يسقط من السماء ولكنه وليد الواقع ألليبي الذي ولد ونماء وترعرع فيه. نقطة اخيرة لو سمحت شرح الفقرة التالية: "والتاريخ هنا لا يعيد نفسه لكنه ببراعة يستنسخ نفسه...". شكراً. غومة
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع