مقالات

المهدى يوسف كاجيجي

ليبيا... صحافة وصحفيون

أرشيف الكاتب
2017/02/21 على الساعة 19:25

عندما اتصفح موقع  "ليبيا المستقبل" ابدو أشبه بمخلوق من العصر الحجرى، وُضِع امام شاشة عرض سينمائية، فى قاعة حديثة التجهيز، فيبهرني ويدهشني هذا الجيل الرقمي، الذى يقف وراء هذا العمل، من الإعداد والإخراج والمتابعة اليومية. أبقى معجبا لأنّي أنتمى لجيل الصحافة الورقية، التى كانت تجمع حروفها يدوياً. فى أوائل الستينات، من القرن الماضى، كان الذي يدخل مطبعة طرابلس الحكومية، يستقبله مزيج من روائح الورق والحبر والرّصاص المصهور، وعرق الرّجال، الذين يتحرّكون بلا توقف، فى ظروف بالغة البدائية والصعوبة، ليقدّموا لنا اكثر من صحيفة، تكون فى ايدى الموزعين، قبل حلول الفجر، فيتلقفها قارئ نهم، اختفى الآن للاسف. كانت الجرائد المستقلة أسبوعية، ماعدا جريدة طرابلس الغرب - لعلم الجيل الذي لم يعاصرها - هي جريدة يومية، صدر العدد الاول منها، منذ اكثر من قرن ونصف، وهي اقدم جريدة فى العالم العربى. بعد سقوط النظام الملكي، توقفت عن الصدور، بقرار من محكمة الشعب، الذي شمل اكثر من عشرين مطبوعة. كان يرأس تحريرهذه الجريدة "الأثرية التراثية" الاستاذ محمد فخر الدين. كان يطلق عليه فى المطبعة لقب " الجوكر "، على اعتبار انه القاسم المشترك لمعظم الصّحف، التي تتمّ طباعتها فى المطبعة الحكومية. فهو رئيس تحرير طرابلس الغرب، والمعدّ والمنفذ لجريدة "الطليعة" الأسبوعية، التي يصدرها اتحاد العمال. كنّا نستنجد به فى حالات الطوارئ، عند غياب رؤساء التحرير، لكتابة الافتتاحية، واستكمال الصفحات الناقصة. كانت جريدته  الناطق الرّسمي للدولة، والمعبّرة عن توجهاتها السياسية، لكنه كان يتيح الفرصة لكل التيارات، للكتابة على صفحات طرابلس الغرب، اضافة الى مقالات كان يكتبها بأسماء مستعارة، تنتقد الحكومة وقتها.

الاستاذ محمد فخر الدين

رحمه الله... قد مضى اكثر من نصف قرن على اول لقاء بيننا، ولازالت ذاكرتى تحتفظ بمجموعة من الصور كاملة التفاصيل، عن ذلك البدين الضاحك دائماً، والمدخن بشراسة، والذى يتنقل كالفراشة، بين الصفحات التى يتم تجهيزها  للطباعة لاكثر من جريدة. كان يعمل حتى الفجر فى المطبعة، وينتقل الى المقهى السياحي بميدان الغزالة حتى تشرق الشمس، ويكون اول المتواجدين فى مكاتب الجريدة.

سقط النظام الملكي، واجتاحت رياح التغيير القطاع الاعلامي، وفقدت الصحافة الليبية خبرات مهنية لا حدود لإمكانياتها، مثل الاستاذ محمد فخر الدين.اختفى الكثيرون عن المشهد الاعلامى، وظل الاستاذ يناضل بشراسة ليواصل الكتابة  فى اكثر من مطبوعة على المستوى الاقليمي والمحلي.

فرقت بيننا الايام، اكثر من عشرين عاما، ثمّ جمعنا أحد مستشفيات القاهرة، حيث كان الفقيد نزيلا يشكو من توابع مرض السكري،  وهى ضريبة الذين يستخدمون عقولهم اكثر مما يجب. استقبلني بقهقهته المعهودة، وتحدث كثيرا بأسلوبه الموسوعى. سرقنا الوقت، ولم نشعر به الا بدخول الممرضة لتعلن إنتهاء الزيارة. فى مساء اليوم التالى، طلب احضار الة تصوير، ليكون لي السبق فى تغطية حدث مهم، ولم يخبرني باجراء عملية لبتر ساقه لإيقاف  الغرغرينا اللعينة. عند اللقاء، استجمعت كل الكلمات الممكنة، من قاموس المواساة، لكنها تبخّرت امام ضحكاته المجلجلة، وتعليقاته الساخرة. قال وهو يكشف لي عن ساقه المبتورة: التقط صورة جيدة مؤثرة، لأنني سأكتب مجموعة مقالات من واقع التجربة، لتعرف الأجيال الجديدة من الشباب، خطورة مرض السكر وتوابعه. تكلّم بحماس كأنه فى اجتماع تحرير، وعندما رأى نظرات الاستغراب ترتسم على وجهي قال وبحماس: يا بني، هذا دورنا يابني.. الوطن اكبر من الالم.

اشفقت على الرّجل، شعرت أنّ ضحكاته هذه المرّة، يشوبها شيء من المرارة، وانه بدأ يشعر بحصاد تجربته الطويلة التى كان من نتائجها، ساق مبتورة، وشيخوخة مقبلة، وشقة صغيرة تقع فى الدور الثالث، فى عمارة بدون مصعد فسألت نفسي: هل اخطأ هذا الرجل بعشقه المهنة؟..  وأنا اجزم انه كان يعرف مسبقا النتيجة، ولكن كانت لديه قناعات اكبر، ومنها ان الوطن اكبر من الالم.

كتائب الجنرال هرزك

سالم المهدي الزيادي، صحفي وكاتب، ولد فى بداية الستينات، وكابناء جيله ترعر فى حقبة سبتمبر. عمل محررا ورئيسا للتحرير، لعدد من الصحف والمجلات، وشغل وظيفة مدير للمطبوعات، ومستشار اعلامي للسفارة الليبية فى لندن. كتب على صفحته، مشاهد أليمة، بحروف تقطر حزنا، عن تجربة ابنته، التي ابتليت بمرض السرطان -  شفاها الله وعافاها - انقل  لكم فقرات منها:

"انها تتألم، تتوجع، تئن، تصرخ من شدّة هول السم الزعاف، الذى يتقاطر فى شرايينها، عبر فوهة الانبوب المعلق. يعلو عويلها، تصرخ "بابا، بابا" أجيبها لبيك، ولكن ماذا بمقدوري ان افعل، سوى الاستعانة بالله؟ "-" هاتفت البروفسور هرزك، شاكيا له قسوة معاناتها - اجاب: مستر زيادي هوّن عليك، ان جسد كريمتك صار الآن ساحة قتال: رماية وقصف وكثافة نيران ومواجهات حقيقية، تدور رحاها آلان،  ضدّ عدوّ ارهابي خطير لا يرحم، انه صراع بقاء او وجود "-" بينما بروفسور "هرزك" يمضي مسترسلا فى  بياناته العسكرية، وكأنه لا يعلم اننا معشر الليبين، صرنا اكثر من غيرنا تفقها وفهما لمفردات مصطلحات لغة الحروب، وصرنا يقتل بعضنا البعض"-" لفت ذلك الحوار القصير انتباهى، انني أقف شاهدا على حربين، تدور رحاها على جبهتين مختلفتين، واحدة من اجل الحياة، واُخرى تلتهب حقدا، وكراهية، وتدميرا للحياة والبشر".

كنت انتظر ان يشير فى مقاله عن العلاج وتكاليفه، طلبا لمساعدة الدولة - وهذامن حقه كمواطن -  فأمام سعر الصرف للدينار الليبى الهزيل،  تتحول مصاريف العلاج فى الخارج، الى ارقام فلكية، لا يستطيع دفعها حتى المقتدر. وامام صرخات الالم للأحبة من مرضانا، والامل فى الشفاء، فقد الكثير مدخراتهم بل وممتلكاتهم، وتحولوا الى متسولين، تطاردهم الديون.لكنه انتقل من الكتابة من الالم الأصغر الى الكتابة عن الالم الأكبر.

الوطن اكبر من الالم

بالرغم من اختلاف الأجيال ما بين استاذنا محمد فخر الدين والسيد سالم الزيادي، فهناك تشابه فى التجربة الحياتية لكل منهما. عمل الاثنان فى الاعلام الرسمي التابع للدولة، وهو جهاز لعب دورا تنويريا وتثقيفيا، فى حقبة ما بعد الاستقلال. كانت ولاءاته للدولة الليبية، وليس للنظام القائم، فتعرض كلاهما لظلم الإقصاء الوظيفي، نتيجة التغيير للنظم الحاكمة، والابتلاء بمحنة المرض. الاول ببتر الساق اليمنى تبعتها اليسرى فى اقل من عام، والثانى بمرض ابنته. كتب كل منهما عن تجربته المؤلمة واستخدمها  كمقدمة للكتابة عن الوطن ومشاكله على اعتبار انه الالم الأكبر والذى تتضاءل أمامه كل الآلام.

رحم الله استاذنا محمد فخر الدين، ومنّ بشفائه على الابنة العزيزة وكل مرضانا، ورحمنا من غبائنا وضعفنا وَمِمَّا هو قادم.

المهدى يوسف كاجيجي

 

سراج فخر الدين ابوخطوة | 23/02/2017 على الساعة 11:58
من لا يشكر الناس لا يشكر الله
كم اسرتني القصة وكاني لم اكون احد معايشيها وهي قصة واقعية ولبست خيال, شكرا للاستاد المهدي يوسف كاجيجي علي سرده وكلامه المملؤ بالحب والعرفان لما قدمه الوالد رحمه الله وانا اصغر ابنائه واعتز وافتخر بكل كلمة كتبة علي الوالد من جميع الشخصيات الدين عاصروه او استفادو من خبرته التي كانت يقدمها بدون مقابل. رحم الله الوالد واشفي مرضانه وبارك في الاحياء منه يارب
sami aldali | 22/02/2017 على الساعة 22:22
الليبيين والرقي
كانها لقطة من أفلام هوليوود والفضل يعود للملك ادريس رحمه الله الذي أسس ليبيا باخيارها فكانت الاناقة والرقي والعلم والاحترام والادب بين الليبيين اما القذافي فقد اسس نظامه باالاشرار وساكني الكامبوات فعمت الفوضى واصبح الليبي يرتدي الشلاتيت ويخرج من بيته بشبشب وشعره منكوش ولاتهمه وساخة الشوارع ورائحة القمامة بل اصبح يستمتع بريحتها.
نورالدين خليفة النمر | 22/02/2017 على الساعة 20:45
في تاريخ صحافةالتنوير
نحن ننتظر غالباً بشوق مقالات الصحفي الكبير المهدى يوسف كاجيجي بالذات سردياته عن مجد الصحافة الليبية المستقلة في العهد الأستقلالي التي أدركنا تنويرها في ستينيات القرن ال20 وبالذات عن قاماتها الكبيرة كالمرحوم محمد فخر الدين الذي أضاء جانباً من سيرته الصحفية ،والذي إنبهرت به عندما رثاه عميد الصحافة الليبية الأستاذ فاضل المسعودي أطال الله عمره. أتمنى على الأستاذ أن لايقارن الصحافة الليبية المستقلة بالعبث الذي سمّي في ليبيا بالصحافة الثورية أو المهنية مابعد عام 1980 المجاملة والمواساة مكانها ليس التأريخ والتوثيق أتمنى من الأستاذ أن يكون قد تفهمّ مقصدي واللهم أرحم موتانا وأشفي مرضانا ياكريم ياالله .
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت راض على قرار سحب الثقة من حكومة الدبيبة؟
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع