مقالات

محمد بن نصر

أصنــام الحداثــة (3)

أرشيف الكاتب
2017/02/21 على الساعة 18:17

"يا أخي قد أصبح الشعب إلهاً"! هذا هوالشطر الأخير في البيت الأخير من قصيدة ضمها ديوان محمد الفيتوري "أغاني أفريقيا". وشطر البيت هذا هوعنوان القصيدة (أو"بيت القصيد" كما يقال). وما سأقوم به في هذه الورقة هوالربط بين عبارة "أصبح الشعب إلهاً" وبين الثورة الفرنسية، مبتدأ بشهادة حنة آرند التي تقول: "نظرياً كان تأليه الشعب في الثورة الفرنسية النتيجة التي لا يمكن تحاشيها بسبب الحرص على جعل السلطة والقانون يصدران عن مصدر واحد-وحيد. (كتابها: "في الثورة" On Revolution).

لكي نفهم ما سبق في سياقه الأوربي لابد أن نكون بعمق حنة آرند التي ربطت بين الالوهية ومسألة التشريع. ولكن إذا اردنا أن نتجاوز حنة آرند ونفهمه في سياق إسلامي فلابد أن نكون بعمق ابن رشد. والسبب في ما سلف هوأن الموضوع يتعلق في جزء منه باسهامات الحضارة الإسلامية في ارساء أسس الحضارة الإوربية الحديثة، التي بقت فضاءَ لتعدد الالهة، لأنها رحبت بالإسهامات الإسلامية، ولم ترحب بالإسلام ذاته، لأن ترحيبها به سيقضي حتماً على القول بان "الله ثالث ثلاثة"!

مرة أخرى: لكي نفهم ما سلف كقضية فكرية/ايديولوجية لابد من: 1) أن تكون أداتنا نظرية "الاسباب الأربعة" لأرسطو، الذي كان ابن رشد أحد شراحه في الأندلس، لأن فكرة "سيادة الشعب" التي مضمونها "ألوهية الشعب"، على النحوالذي بينته آرند، قد ولدت على يد أحد الرشديين في جامعة بادوفا سنة 1324، واسمه مارسيليوس دوبادوفا، الذي اشتهر بكتابه "المدافع عن السلم". 2) لابد، على سبيل الاحتياط، من التأكيد على أن ابن رشد كان المدرسة التي علمت أوربا العقلانية من جديد. كان ابن رشد مسلماً موحداً، لكن الكنيسة غربلة فلسفته لتستخلص منها "أرسطو" وتنبذ "التوحيد". وهذا هودور الكنيسة التاريخي: "الصد عن سبيل الله"، لأن سبيل الله يبدأ بتوحيده، بينما تصر الكنيسة على أنه "ثالث ثلاثة"! 3) لابد، من جهة أخرى التذكير بقوله تعالى فيما يخص أهل الكتاب: "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ارباباً من دون الله والمسيح ابن مريم.."، لأن تعدد الارباب يفضي دائماً إلى صراع على من يكون الرب الأعلى، وهوما سأعود إليه بعد الفراغ من ارسطووأسبابه الأربعة كأداة لشرح ألوهية الشعب: (الشعب كمصدر للسلطة والقانون معاً)!

يرى ارسطوأن ماهية الشيء تتحدد باربعة عناصر، وفي الدوائر الفلسفية تسمى هذه العناصر الأربعة "الاسباب الاربعة لأرسطو"؛ وهي: المادة (أوالسبب المادي) والشكل (ويسميه فلاسفة المسلمين "الصورة") والصانع (عند المسلمين السبب الفعال وعند الأوربيين- The efficient cause) والغاية (وهي الغرض الذي صنع له الشيء). إذا طبقنا هذه الاسباب على فكرة الشعب كمصدر للسلطة والقانون (أوكمصدر للمشروعية) كما ولدت في نظرية مارسيليوس دوبادوفا، في القرن الرابع عشر، وتحققت بالثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر فإن ماهية القانون ستظهر على النحوالتالي:

المـــادة: مفردات لغوية؛
الصورة: تشريع/قانون،
السبب الفعال: الشعب؛
الغاية: تنظيم المدينة/الدولة/النشاط البشري.

هذه التقسيمات، التي قد لا يعيرها الإنسان المعاصر أي اهتمام، ادخلت الرعب إلى قلب البابا وهوعلى رأس الكنيسة التي اهتزت للفكرة بعنف، فقررت منع الكتاب من التداول، ليفر مؤلفه إلى ألمانيا طلباً للحماية عند أمير بافاريا بصفته الإمبراطور الروماني (هنري الرابع)، وهومنصب فخري تقريبًا.

كان البابا في التصور الأوربي حينها في مركز الرب الأعلى على وجه الأرض لكن مقترح مارسيليوس هدد بجعل الامبراطور في ذاك المركز، وهوما يقلب النظام الذي سارت عليه أوربا حتى ذلك الحين رأساً على عقب. ولشرح هذه القضية لابد من الاشارة إلى أن النظام الأوربي نظام رأسي سوى على مستوى الارباب/الالهة أوعلى مستوى الطبقات، فقبل مارسيليوس كان البابا في مركز الرب الأعلى يليه الامبراطور ثم الشعب، لكن مقترح مارسيليوس يضع الشعب فوق الامبراطوفيصبح الشعب هوالرب الأعلى، يليه الامبراطور (الذي يتم اختياره في اجتماع جماهيري). وبذا ينقلب الوضع ويصبح البابا في المركز الثالث، بعد الشعب والامبراطور. ولفهم هذا الموقف لابد من الاستعانة بالآية السابقة التي تذكر تعدد الارباب لدى أهل الكتاب، الأمر الذي يصبح معه تحديد من يكون الرب الأعلى مجال صراع!

مقترح مارسيليوس المبدئي يقول ان الشعب هوالرب الأعلى أو"صاحب السيادة" (بلغة اليوم)، لأنه هومن يختار الإمبراطور. ونحن الآن في القرن الرابع عشر، ولكي يصبح الشعب مصدر "السلطة" و"القانون" معاً لازال أمامنا اربعة قرون حتى تقوم الثورة الفرنسية، وتجعل الشعب فوق الملك و"الإرادة العامة" مصدراً للقانون بدل "الارادة الملكية" التي تعبر عنها عبارة "لأن هذه هي رغبتنا" التي تذيل بها التشريعات الصادرة عن الملك. ووضع "الارادة العامة" حيث كانت "الإرادة الملكية" هوما نظّر له جان جاك روسوفي كتابه "العقد الاجتماعي".

والارادة العامة ليست ارادة الأغلبية، وإنما ارادة الشعب كله، وهي خرافة نظرية، يساوي فيها روسوبين "الإرادة العامة" و"الإرادة الإلهية"، لأن "الإرادة العامة" أو"ارادة الشعب" عند روسولا تخطيء infallible! أي لا فرق بينها وبين ارادة الله! وهكذا يجعل روسولله نداً أسمه "الشعب"! وقد صيغت هذه العقيدة في المادة السادسة، من الاعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواطن، التي تقول: " القانون هوصوت الارادة العامةLa loi est l'expression de la volonté générale…". وهكذا يكفي الشعب/الاله أن "يريد" لتتحول "إرادته" إلى قانون لأن إرادته عامة ومعادلة للإرادة الالهية عند المسلم، من حيث عدم قابليتها للخطأ واعتبارها مصدر للمشروعية السياسية!

وبذا يتحول الشعب من الرب الأعلى إلى الشعب الإله، ليس لأنه لا يخطيء وحسب، وإنما لأنه بهذا الوصف الخرافي يصبح جدير بالعبادة، أي أن يطاع طاعة مطلقة في باب السلطة والتشريع: بمعنى أن الشعب يُعطي السلطة لمن يشاء ويسلبها ممن يشاء (= مالك الملك)، ويشرع ما يشاء ولوكان مما اتفقت البشرية والاديان السماوية على بطلانه (= يحكم لا معقب لحكمه)! وللشعب مذبح/سلخانة اسمها "محكمة الشعب" تفتتح جلساتها وتعلن أحكامها "باسم الله وباسم الشعب"..! الله لا يأذن بسفك الدماء وسلب الأموال ظلما وعدواناً لذا وُضعَ اسم الشعب جنب اسمه ليكون النفاذ لأهواء الظلمة، والمفسدون في الأرض.

وبذا يكون الشعب إلهاً من آلهة الحداثة، ولأنه ليس ألهاً إلا بالباطل، فهوشبيه "هبل" في "الجاهلية الأولى"، أي مجرد صنم يتكيء عليه أصحاب السلطة في تبرير سلطتهم، أوبتعبير أكثر دقة، يعتمد عليه أهل الأهواء في تبرير أهوائهم، مثلما يفعل بشار الأسد عندما يقول إن أمر تنحيه عن السلطة بيد الشعب السوري، فهولا يقصد الشعب المشرد، وإنما الشعب-الصنم الذي يجعل من الشعب الحقيقي مجرد قرابين لأهواء الأسد وآل الأسد، أولأهواء "البعث" و"البعثيين"!

أخيراً؛ يقتضي الإنصاف قول الحق مرتين: مرة بخصوص المؤمنين بهذه النظرية (سيادة/إلوهية الشعب) إيماناً حقيقياً، وهولاء هم المشركون؛ ومرة بخصوص الرافضين لها لأسباب مشروعة ومقاصد غير مشروعة، وهولاء هم بعض علماء المسلمين!

بالنسبة للمشركين الغربيين؛ يحاول السياسيون تقريب النظرية للواقع من خلال الانتخابات والاستفتآت؛ ففي سويسرا يتم الاستفتاء على كل قانون جديد تقريباً، ومشروع الدستور الأوربي أسقطته استفتآت شعبية في أكثر من بلد أوربي، وقرار انسحاب بريطانيا من السوق الأوربية جاء بعد استفتاء نال فيه خيار الانسحاب أغلبية الأصوات!

ولا يتردد الغربيون، لأنهم مشركين، في استفتاء الشعب في مسائل حسم فيها الأمر عند المسلمين بنصوص قرآنية مثل الاجهاض وزواج المثليين..! وهذا يبرر عند بعض المسلمين رفض فكرة استفتاء الناس مطلقاً، وكما لوأن أول استفتاء عندنا سيكون عن زواج المثليين. وهذا يوصلنا للحق الذي يراد به باطل! فالاجهاض وزواج المثليين في الشريعة باطل، وما يقود إليه مثله؛ أي أن استفتاء الناس على مثل هذه المسائل باطل في الشريعة، قبل أن يحصل وإذا حصل. ولكن هناك من يسخر فكرة الاستفتاء الباطل لتحريم الاستفتاء المباح:(اختيار الحكومة)! وهذا يوصلنا إلى موقف بعض علماء المسلمين!

يروج بعض العلماء من المسلمين لعدم جواز الاستفتاء مطلقاً إنطلاقاً من أن فيه احتكام/تأليه للشعب، أما القصد من هذا الموقف فليس حفظ الدين وإنما الاحتفاظ بالسلطة، لأن التفكير في الاستفتاء في بلاد هولاء العلماء لن يقود إلى الاستفتاء على زواج المثليين، وإنما على نوع الحكومة ونظام الحكم! ولوتم استفتاء الشعب على النظام القائم في ذاك البلد فلن يُبقي عليه ساعة واحدة! ولذا يتكرر القول: نحن مسلمون، على منهج السلف، والانتخابات والاستفتاءات والمظاهرات منكر وحرام، وخروج عن الاسلام!
وهذه الصياغة لا تتفق لا مع صحيح الدين والتدين، ولا مع منهج السلف الذين كانوا مجتهدين ولم يكونوا سلفيين. أما الحقيقة المخفية عن الدهماء فهي أن هذه الصياغة/الفتوى لا تتفق سوى مع هوى المستبد الذي يهيمن على الدوائر الأمنية، ودائرة الفتوى منها! فمن المعلوم لدى المشايخ أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قد استطلع واستشار في خلافة عثمان رضى الله عنه، ليس الستة المعينين للشورى من قبل عمر رضى الله عنه وحسب، وإنما كافة المسلمين، بما في ذلك الركبان في قوافلهم، كما تقول بعض الرويات.

من جهة أخرى يشنع هولاء الفقهاء على الشيعة القائلون بوراثة الإمامة، وهم يدافعون عن وراثة الملك العضوض. ومصيبة الأمة ليست في هولاء (من السنة) وهولاء (من الشيعة) فقط، وإنما أيضاً في الفريق الثالث، الذي ذهب إلى فرنسا ليتعلم، فتعلم وعاد، ولكن ليس بأفكار تنفع، وإنما بأصنام تُعبد!

محمد بن نصر

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت موافق على عملية الإفراج على الساعدي القذافي واخرين من عناصر النظام السابق
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع