مقالات

د. خالد المبروك الناجح

دَيمومة الكراسي.. وتَستَمِرّ المَهزَلة

أرشيف الكاتب
2017/02/17 على الساعة 06:16

أن يحكم الشعب ويجلس على الكراسي! : دَيمومة الكراسي طَرحٌ روَّجَ له معمّر القذّافي مُتهكِّمًا ساخِرًا أو واهِمًا حالِمًا وأحيانًا مُصدِّقا لا أعلَم، لكنّه في كلِّ الأحوال كان يعلم أنّه مَن يَحكم ليبيا فعليًّا وأنَّ توجيهات (القائِد) منهاج عمل وأنّها أقوى من القانون لكنّنا نحنُ (أغلبنا) مَن زيَّنَ له ذلك بدعوَته المتكرِّرة إلى أن "يعلّمنا كيف نحقّق مستقبلنا" ونحن مَن كتب له وثائق العهد والمبايعة ونحن أيضًا مَن تودّد له بالهدايا حين طاف جماهيريته من أقصاها إلى أقصاها وقد كنتُ شاهدًا على مساهمة جُلّ المواطنين في شراء الهدايا (للقائد) كُلٌ حسب منطقته ورفضتُ على المستوى الشخصي المشاركة في ذلك مِمّا كاد أن يوقعني في مشكلة، والشهود أحياء، وقد عبّرتُ عن ما حصل حينها في قصيدة نشرتها بعد الانتفاضة جاء فيها:

أمامَ المَلأ رَفَضتُ الدّفعَ
لِما صُوِّرَ واجِب دَفعَه
(قِسطِي)؟! لِشِراءِ هَدِيَّه
"لِمُفَكِّر أوحَدَ جادَ بِفِكره"!!
حِينَ طافَ الوَطَن بِجَولَه
أتخَمَهُ القَومُ بِها "بوَثائِق عَهدٍ" ومَذَلَّه
وغِياب النَّخوَه:
لا يَكتَمِلُ أُصُول الكَرَمِ إلّا بِخَيمَه
تَملؤها نُون النُّسوَه!!.

لكنني لا أُمانع في أن أضُمَّ نفسي تحت (نَحنُ)، فنحنُ مَن زَيَّنَ له أن يتمادى باستكانتنا واستمرأنا الذُّل حتى أنّ البعض الَّهَهُ بالقول "لولاك ما هبّت نسايم" و"لولاك ما صبّ المطر" و"ما هبّت نسمة على بلادي إلّا بقدومه "وقال له آخَر" أنتَ المُطلَق"! وغيرها الكثير حتى أنني نشرتُ مِن غُبني في فترة حكمه قصيدة يُحسب لنظامه وأجهزته الأمنية أنها تجاوزَتها وغضّت البصر عنها جاء فيها:

فُقَهائكَ أفتوا ببَجاحَه
بأنّكَ ظِلُّ اللهِ على الأرض!
وطاعتكَ علَينا فَرض
إعلامكَ يَهذي بِوَقاحه
بأنَّكَ أنتَ الشّخص المُلهَم
وكلامكَ تَنزيلٌ مُحكَم
وأن لَولاكَ لَما نَزَلَ الغَيث
ولا رَحمَة إلّا مَن تَرحَم!
استَغفِر ربّكَ يا ظالِم.

لا لَوم على القذافي الذي أقَرَّ صراحةً في أكثر من مناسبة بأنّه أخذها ببندقيته بأن يستأثِر بالسلطة خصوصًا أنّ الجموع كانت تُزيّن له ذلك في كلّ مناسبة بمثل "يا قايد نحنا حرّاسك كلّ الروس فدا لراسك"! ولكن العجَب أن تقوم انتفاضة على الاستبداد فيُستَبدل بما أعظم منه بمراحل فيتعدّد (القادة) ويتشظّى الوطن تحت غطاء ظاهره الديموقراطية وصندوق الانتخاب وباطنه النفعيّة والارتزاق إلّا ما رحِمَ ربّي وقَليلٌ ما هُم.

عِشنا فرحة لم تَدُم طويلًا عندما انتخبنا المؤتمر الوطني العام الذي صُدِمنا بأدائه المُخيّب للآمال وانقضت المُدّة المُحدّدة لبقائه فتمسّكَ بمبدأ ديمومة الكراسي!، لكنّه اضطُرَّ للقبول بانتخابات جديدة تحت ضغط حراك (لا للتمديد) وأمل الخروج من الباب للرجوع من الشبّاك ولمّا خاب أملهم في ذلك كان انقلاب (فجر ليبيا) الذي كرّسَ للمؤتمر الوطني العام ديمومة الكراسي إلى يومنا هذا تحت مسمّيات مختلفة، وكان لجوء مجلس النواب إلى طبرق وما أدراك ما مجلس النواب الذي جعلنا أداؤه نترحّم على أيّام المؤتمر الوطني! ولا فرق بينهما في المبدأ من حيث (ديمومة الكراسي) فقد كان انتخابهم لعامٍ واحد مهمّتهم الأساسية فيه الإشراف على وضع الدستور فلا وُضِعَ الدستور ولا انعقد مجلسهم بصورةٍ صحيحة منذ جلسة التمديد لأنفسهم وتشرذموا في منتجعات وفنادق دول الجوار وها هُم يقتربون من انقضاء ثلاث سنوات على انتخابهم.

مِن المُضحِك المُبكي تذكُّر تلك السيدة التي كانت تتظاهر أثناء حراك لا للتمديد وهي تحمل مقشّة كرمزيّة على وجوب كنس المؤتمر الوطني ولاحقًا تمّ انتخاب تلك السيدة لمجلس النواب وحين ذكّروها بأنّ المدّة القانونية للمجلس انقضت قالت: "لا نريد أن نترك البلد في فراغ دستوري" وهي تلك الحُجّة التي أنكرتها على المؤتمر الوطني ومن أجلها رفعت المقشّة!.

ها قد مرّت على انتفاضة فبراير ست سنوات كاملة نفضنا بعدها الوَهم واكتشفنا أننا لسنا أهل للديموقراطية لا من قريب ولا من بعيد وأنّ واقعنا يكشف أنّ بلادنا لا يحكمها إلّا (قائد أوحَد) تهتف له الجموع وينظم في مدحه الشعراء وتصدح بإسمه الإذاعات تأكيدًا للحديث "كما تكونوا يُوَلّى عليكم" فمرحبًا بقائدٍ جديد!!.

أ. د. خالد المبروك الناجح

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت موافق على عملية الإفراج على الساعدي القذافي واخرين من عناصر النظام السابق
نعم
لا
غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع