مقالات

د. ابراهيم قويدر

وتساقطت أوراق فبراير...

أرشيف الكاتب
2017/02/16 على الساعة 09:29

في ظهر يوم 13 فـبراير من العام 2011 بمدينة بنغازي، اتصل بي علي الهاتف أحـد القيادات المهمة بنظام العقيد معمر القذافي والتي تربطني به معرفة، وكان يهاتفني من شرق البلاد، كاشفًا عن أنه في زيارة ومجموعة لقاءات مع الشباب في المناطق الشرقية بدءًا من طبرق إلى بنغازي، وأخبرني بأنه في اليوم التالي سيأتي إلى بنغازي ويمر عندي لأنه يهمه أن يعرف رأيي فيما يحدث بتونس ومصر وانعكاساته على ليبيا.

وعلمـت فيما بعد أنّه تم جمع مجموعة من الشباب وذهبوا إلى طرابلس والتقوا في ذلك الوقت بالقذافي، وأن اللقاء كان إيجابيا وأن الأمور جيدة ولن يتكرر في ليبيا ما حدث في تونس ومصر، وكان ردي بهدوء ووضوح أن الشباب الذي سيخرج إلى الشارع ليس هو الشباب الذين التقيتم بهم أو من قابلوا "القائد"، وأن من سيخرج هو الشباب المهمش العاطل عن العمل، ومن في أسرهم معذب أو مقتول أو مسجون أو مظلوم. ابحثوا عن الشباب الذين خرجوا في 17 فبراير 2006، فهم وغيرهم من سيخرجون إلى الشارع ليستنشقوا عبير الحرية؛ وليكن لهم دورًا مثل إخوانهم من شباب تونس ومصر في تغيير النظام. وكان رده بأن قال لي: "لن يحدث ذلك، وسيتم الإعلان عن قروض وتقديم ملفات لسيارات شبابية رخيصة الثمن". وأجبته قائلا: "بكل وضوح.. فات الوقت يا سادة".

المهم، في هذا الحديث قلت: والله على ما قلت شهيد، ومن تحدثت معهم يعرفون أنفسهم وهم أحياء يرزقون: أرجـــوكم تعاملوا بحكمة وتعقل مع الشباب إذا خرجوا للشوارع وأنا شخصيا سأغادر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة لارتباط مسبق مع المنظمة العربية للأسرة لمؤتمر سيفتتح يوم ١٧ فبراير من قبل الشيخ سلطان القاسمي حاكم الشارقة، وأتمنى منكم أن تتعاملوا مع الشباب خاصة في بنغازي بأسلوب الحوار، وتحاولوا- بقدر الإمكان- ضبط النفس وعدم استعمال أي مظهر من مظاهر القوة، واعرفوا طلباتهم وناقشوهم فيها، واعملوا على تنفيذها؛ لأن القوة والافراط في استخدامها نتيجتها رد فعل قوي، وسوف يزداد التعاطف الشعبي مع الشباب بعد وقوع أي جرحي أو قتلى.

كنت علي دراية بأعداد الشباب العاطل عن العمل في ليبيا، وكنت على يقين من أنها بطالة مبرمجة لتعيش الأسرة الليبية وشبابها في عوز دائم ومستمر، وأيضًا كنت على علم ويقين كامل بتهميش النظام لشرق البلاد عامة، وبنغازي خاصة، وما قام به النظام ضد أهالي بنغازي معروف، بدءا من هدم معالمها القديمة وسوق الظلام مرورا بضريح المجاهد عمر المختار إلى النادي الأهلي، إضافة إلى التضييق على موازناتها السلعية وغيرها، هذا إلى جانب سمة العقاب الجماعي التي لم تكن مقصورة على بنغازي فقط بل مورست في مصراتة ودرنة وبني وليد وغيرها من مدن وقرى ليبيا شرقا وغربا وجنوبا.

ولهذا فقد كانت المبررات التي تؤدي بالشباب للخروج ضد النظام كثيرة ومتعددة ومنطقية، لأن النظام أخطأ في حقهم وتمادى في ذلك كثيرًا من قبل أسرة الحاكم وعائلته وبعض أفراد قبيلته وبعض رموز اللجان الثورية والحرس الثوري.

وبدأت الأمور تتفاعل منذ ليلة 15 فبراير، وما حدث فيها ببنغازي واستمر الحال إلى أن كانت أحداث 17 فبراير ومواجهتها بقوة (وعندي تفاصيل كثيرة عنها) ووقع النظام في المحظور. وفي اليوم الذي كانت  فيه جنازة الذين سقطوا في المظاهرات وتحولت الجنازة إلى مظاهرة غاضبة أمام مقر كتيبة الفضيل واستعمل النظام القوة المفرطة.

وأتذكر أن إحدى سيارات الكتيبة ألقت القبض على مجموعة من الشباب ووضعوهم في سيارة وعندما تحركوا بهم سألهم الضابط عن أسمائهم، فكان من بينهم ابني، فقال له: "والدك إبراهيم قويدر متاع الضمان الاجتماعي" (معلوماته قديمة، لأني كنت قد تركت الضمان منذ العام ١٩٨٩)، فقال له: نعم. فصمت قليلا ثم أمر السائق بالوقوف وأنزل كل الشباب. ما قام به هذا الضابط- بغض النظر عمن هو، والذي لم أعرفه حتى الآن- ولكنه لمعرفته بمن معه أخلي سبيله وسبيل الباقي من الشباب. بعد ذلك ازداد الأمر سوءًا، واحتدمت المواجهات بين الشباب وقوات الأمن.

الجدير بالذكر هنا أن الشباب بدأوا في تنظيم أنفسهم وقاموا بحماية مقر بنك ليبيا والبنوك الأخرى ومؤسسات الدولة المختلفة، ولم تسرق منشأة ولم يتم الاعتداء على أي سوق تجاري أو بيت من بيوت مسئولي النظام ولا المحلات التجارية. ولكن فجأة ظهرت مجموعات عملت علي التوجه لمقار مراكز الشرطة وحرقها والبحث الجنائي ومقرات الأمن الداخلي والخارجي.

وهنا أقول إنها منذ البداية كانت محل انتقاد ومعارضة من قبل الشباب والمجموعات الحقوقية التي تواجدت بمحكمة بنغازي، وأعتقد جازما أن من قام بذلك هم من نعاني منهم حتي اليوم من أعمالهم المتطرفة والإجرامية. وللأسف ساهم النظام في المدن الأخرى بنشر الفوضى بتوزيع السلاح والإفراج عن المساجين المجرمين وليس السياسيين، وتعامل قادة النظام بتعالٍ وغطرسة معهودة وكبرياء أخذتهم فيه العزة بالإثم.

والغريب أننا كنا نسمع ما يقوله المقربون إلي القذافي وابنه وإلى غيرهم من المسئولين الأمنيين، ونستغرب كيف يكذبون عليهم ولا يقولون الحقيقة، وبعد أن انتشرت التسجيلات للمكالمات: أقول جازمًا إن مسئولي الدائرة الأولى والثانية ساهموا حتما بشكل كبير في انتهاء حكم القذافي وجماهيريته.

ونحن الآن في الذكري السادسة لثورة 17 فبراير، يجب علينا أن نعي حقائق الأوراق التالية:

الورقة الأولى: أن جل الشباب الذين خرجوا في بنغازي والشرق والغرب كان ينشد الإصلاح والتغيير والوصول بليبيا إلى مكانة أفضل مما هي فيه وتحقيق الحرية وبناء دولة المؤسسات الدستورية ونبذ العنف والظلم وكل أشكال وألوان العلاقات الظالمة في المجتمع.

الورقة الثانية: أن هؤلاء الشباب، ومن تضامن معهم من ناس بنغازي والمدن الأخرى- كان هدفهم نبيلا وحسهم الوطني كبيرا، وأمام تعنت النظام أصبحوا يرحبون بكل من يستطيع عونهم في الانتصار على هذا التعامل العنيف من قبل النظام.

الورقة الثالثة: من هذا المنطلق تم الترحيب بالمعارضة في الخارج، وتم الترحيب بأصحاب التوجهات الإسلامية الذين خرجوا بفعل عمل قد يكون مدبرًا منذ ذلك الوقت، ضحك فيه علي النظام وابن رأس النظام، ولكننا جميعا كنا نري في انضمام هؤلاء لحركة الشارع عملا طبيعيا؛ لأنهم خرجوا من سجون النظام ومن المنطقي أن ينحازوا للشعب بعد أن أخذ زمام المبادرة وتحرك على الأرض.

الورقة الرابعة: أن حكم الاخوان المسلمين في مصر ساهم كثيرًا في مساعدة أصحاب التوجه المتطرف في ليبيا من السيطرة على مفاصل السلطة في البلاد، بل كانت اللقاءات تتم بالتنسيق مع المخابرات الأجنبية، ومنها الأمريكية والبريطانية، وهؤلاء في مصر وبعون من قيادات الإخوان المسيطرة علي الحكم في القاهرة.

الورقة الخامسة: ثــارت بنغازي مرة أخرى، وقالت كلمتها في جمعة "إنقاذ بنغازي" التي كان لي شرف المشاركة فيها أيضًا، ضد المجموعات المسلحة والمليشيات وأنصار الشريعة، وفي تلك الليلة ظهر لنا قادة فبراير في ذلك الوقت، وكان كلامهم معروف بأنهم منحازون لهذه المجموعات التي كرهتنا في كلمة "الثوار"، ولا يرغبون في تأسيس جيش قوي وأمن قوي وهم بذلك كانوا ينفذون مخطط المتطرفين سواء عن إدراك ومعرفة أو عن جهل.

الورقة السادسة: هذه المليشيات المسلحة التي أصبحت مرتزقة لأنها تعمل بمقابل وتقتل وتعذب وتخطف بمقابل- وأنا هنا لا أعمم، ولكن السمة الغالبة أنهم مارسوا أشنع الأفعال من تعذيب وخطف وقتل، وكل الممارسات غير الإنسانية في السنوات الخمس، والتي فاقت كما وكيفا ما مارسه النظام السابق خلال اثنين وأربعين عاما.

الورقة السابعة: ثوار المعارضة الليبية والمتسلقون ممن- للأسف- اختارهم الناس في المؤتمر الوطني أو في مجلس النواب، لم يقصروا أبدًا، ووجدوها غنيمة، فالبلد بها ثروات طائلة، فكونوا جماعات من العصابات لها امتدادات عربية وأجنبية ولم يقصروا أبدا في سرقة مقدرات ليبيا ومازالوا يمارسون سرقتهم بصفاقة، وفي لقاءاتهم الإعلامية يدعون الوطنية ويبدأون حديثهم باسم الله ويصلون علي رسول الله، وفي سهراتهم كل أنواع المنكرات ويمارسون الفواحش المحرمة (الله اكبر).

هذه الأوراق التي تساقطت أمامنا ليس علينا إلا أن نجمعها كلها ونحرقها، نحرق فكرها ونمحو ذكرياتها، ونعي أن دولاب التاريخ وعجلة الزمن لا تسير إلى الوراء، ولن تعود ليبيا القذافي ولن تعود ليبيا الثوار الفاسدين، بل ستكون ليبيا الحرة التي تجمع كل الوطنيين المخلصين لها ولناسها الطيبين، نحافظ فيها علي وحدتنا ووطننا وأمل شبابنا وأطفالنا في العيش الكريم في وطن ترفرف عليه رايات السعادة وتهب عليه- بإذن الله- نسمات الحرية.

إبراهيم قويدر
[email protected]
بنغازي الحبيبة في ١٧/ ٢/ ٢٠١٧م

Issam milad | 18/02/2017 على الساعة 11:16
أعاده الأمور الي نصابها
شكرًا للكاتب المحترم واعتقد ان هناك خلل حدث في الاول من سبتمبر عام 1969 واستمر حتي يومنا هذا، ومالم يتم إصلاح هذا الخلل وعودة الأمور الي نصابها وإعطاء كل ذي حقه حقه فالفوضى ستستمر حتي يفني الشعب الليبي نفسه وتتلاشى شىء اسمها ليبيا.
مشارك | 18/02/2017 على الساعة 09:53
تعليق
شعب يربى منذ نعومة الاظفار على الكراهية و حب الظلم لا يمكن ان يثور على الظلم. شعب لا يشعر بانتماء لوطن لا يمكن ان يثور من اجل وطن. شعب يربى على الغش في كل شيء في الحياة من استراق قبلات مع حبيبة في الخفاء الى الغش و الحجابات في المدرسة الى الغش في ال"عركة" و التلاعب على القانون و سرقة بيوت الناس من تربى على ذلك لا يمكن ان يثور من اجل دولة القانون و المؤسسات. انما بامكان اي تجمع بشري تجمع اعضاءه الحاجة الاقتصادية و الظروف المادية الصعبة ان يتحدوا مؤقتا من اجل تحسين ظروفهم، و لكن هذه لا تسمى ثورة.
غومة | 18/02/2017 على الساعة 00:52
السباب ربما يشعل الفتيل ولنكنه حتماً لا يستطيع ان يقود انتفاضة...؟
انتفاضة ما سمى "الشباب" كانت نتيجة وساءل الاتصال الحديثة social media! هذه الوساءل تسهل الاتصال على حساب التصور، والتنظيم، والتحريك. الشباب ربما يملك الجراءة ولكنه حتماً لا يملك الخبرة او الدراية بالالتوءات والاعويججات في هذا العالم. الشباب خرجوا الى الشوارع ولكنهم لم يكن عندهم اي تصور او يملكون أدني خبرة ليقدوا المسيرات. اولءك الذين نصبوا أنفسهم كمحركين وقادة هم الذين تقع على كاهلهم المسوءلية بعدم الإلمام الى أين تتجه هذه الانتفضات! ما سمى بالمجلس الانتقالى كان عبارة عن شلة اوشلل تنادت لتنصيب أنفسهم من اجل اغتنام الفرصة للاستحواذ والتسلط بدون ان يكون عندهم أدنى تصور لا للدور او المرحلة او المهام التي أمامهم او التي يحتاجونها. النتيجة كانت الاحباط التام! مرة اخرى الجهل، عدم الخبرة، والبهلاوانية اثبتوا بأنهم لا يستطيعون تسيير أمور الشعوب ولا يقودون الى الهدف المنشود.حان الوقت لليبيين ان يتعلموا من إخفاقاتهم وان ياءخذوا زمام الأمور في أيديهم. شكراً. غومة
محمد بوسنينه | 17/02/2017 على الساعة 07:54
رأي
السيد الدكتور ابراهيم ، أنا شاهد علي الثورة منذ انظلاقها يوم 15 ويوم17 كنت أطل من مكتبي بمبني المؤسسة الوطنية للنفط في ميدان عمر طوسون الذي أسماه القذافي ميدان الشجرة ثم أجتث الشجرة من وسطه ، الثورة في بنغازي كانت ضد المظالم ، وتعاطفت المدن الأخري مع قتلي بنغازي ، المسؤول عن انحراف الثورة من اجتمع في الجامعة الدولية وأختاروا مصطفي عبد الجليل ومن هؤلاء : رمضان جربوع ، عمران بورويص وزوجته السيدة نعيمة جبريل ، محمد عقيلة العمامي ، أحمد الفيتوري ، والدكتور نجيب الحصادي ، مصطفي عبد الجليل هو من مكن للأخوان والجماعات الإسلامية ، وغض الطرف عن اغتيال عبد الفتاح يونس ، وهرول مسرعا بالمجلس الإنتقالي الي طرابلس ، سرقت الثورة ودماء 500 شهيد في الثلاثة الأيام الأولي بحسب الطقم الفرنسي بمركز بنغازي الطبي ، ودماء شهداء القبة والأبرق وشحات والبيضاء ، والزنتان والزاوية .
ابوبكر فرج | 16/02/2017 على الساعة 17:41
]الدكتور الفقى
الوطنيين الليبيين الذين يقطنون بالخارج هم الذين لا يزالوا بالخارج اما الذين تقاطروا على بنغازى منذ 17 فبراير 2011 وتولوا المناصب ومنهم لا زال في المنصب في المجلس الأعلى والسفارات الخارجية فهم جميعا تهمهم المصلحة المادية فقط حيث جميع عائلاتهم لم تغادر بلاد المهجر والمشكل لا احد منهم كان موظفا في شركة فجميعهم كان يتقاضى في مرتب من جبهة الإنقاذ او المساعدات او الخدمات الدنياوية في المحلات التجارة بالاجر بالساعة ولهذا انهارت البلاد
آخر الأخبار
إستفتاء
برأيك، على أي أساس سيكون التصويت في الرئاسية؟
البرنامج الإنتخابي
الإنتماء الجهوي والقبلي
المال السياسي
معايير أخرى
لا أدري / غير مهتم
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع