مقالات

يونس شعبان الفنادي

محمد كشلاف... المذيع الذي علّمني

أرشيف الكاتب
2017/02/14 على الساعة 08:19

محمد سالم كشلاف اسمٌ سيظلُ ملتصقاً بذاكرةِ الوطنِ قبل أن يكون نسيجاً أساسياً في كياني الإعلامي والإذاعي بصفةٍ خاصةٍ… طائرٌ حلّقَ طويلاً، وبعيداً، وكثيراً في سماواتنا الإذاعية، وطافَ بنا وسافرنا معه إلى عوالم شتى من أخبارِ العلومِ والآدابِ والمعارفِ… صوتٌ إذاعي كان زادُه الرقةُ والعذوبةُ والهدوءُ والإتزانُ الذي تصحبُه الكلمةُ القيّمةُ المنتقاةُ بدقةٍ وعنايةٍ فائقةٍ، الواثقةُ من إستقرارِها في أعماقِ وجدانِ المتلقي... لا أظنُ أنَّ هناك حجرةَ تسجيلٍ أو ناقلَ صوتٍ أو شريطاً بمكتبة الإذاعة لا يعرفه ولم يتعامل معه. ولا أعتقدُ بأنَّ هناك نغمةً عذبةً رقيقةً تنسابُ في وداعتِها كفراشةٍ زاهيةِ الألوانِ، لم يستوطنها أو تستوطنه.

ذاك المُغرِّد الذي وُوري جسدُه التراب منذ أسابيع، وصار الآن وفقاً لقانون وحكمة الحياة والموت بعيداً جداً عنا، وقريباً جداً من الله، لا أذكر تحديداً متى تعلقتُ بصوته من خلال المذياع، وسر السحر الذي كان يبعثه في أعماقي ويجعلني أنشدُّ وأستمعُ إليه بكل حواسي بشكل غير عادي في بداية ميولي الإذاعية خلال النصف الثاني من السبعينيات، ولكنني أذكر أنه في سنة 1982 حين دفع بي الأستاذ المرحوم جمعة الزائدي للعمل كمذيع متعاون بإذاعة صوت الوطن العربي إلتقيت الأستاذ المرحوم محمد كشلاف لأول مرة.

في تلك الفترة كانت شخصية المذيع لازالت تحظى بتقدير عال في الوسط الإجتماعي لما يمثله من ثقافة عالية وحس فني ذوقي على المستوى الشخصي، ووظيفة محترمة لها مكانة خاصة وحضور متميز بين الأوساط الإجتماعية، وإلتقاء مذيع من جيل محمد المطماطي وعلي الشيباني وعلي عطية وعلي مدلل وعبدالرحمن محمد وعبدالناصر عبدالسميع وعبدالمجيد العكاري وعبدالخالق حواص وعلي أحمد سالم وعبدالفتاح الوسيع وعبدالحميد بن بركة وأحمد عمران، ممن نحمل لهم في نفوسنا كل المحبة والتقدير والإعتزاز بإبداعاتهم المحترمة وبصماتهم الواضحة التي نراها حاضرة في تنشئتنا وتكويننا الإعلامي والأدبي كان بالتأكيد أمراً غير عادي، على الأقل بالنسبة لي شخصياً، لذلك كان إضطرابي وإرتباكي واضحاً عند لقائي بالمرحوم محمد كشلاف لأول مرة، حين رحّب بي وتحدث إليّ عن طبيعة وظروف العمل الإذاعي، ثم سألني عن مجال دراستي وتخصصي الجامعي وعن حجم الرغبة المتوفرة لدي للعمل كمذيع، معلقاً على تخصصي الدراسي العلمي وميولي الإذاعية الأدبية، ثم أخذني إلى حجرة التسجيل وقدم لي أحد أعداد صحيفة "الجماهيرية" بعد أن أختار منها موضوعاً، ودخل معي وأجلسني أمام ناقل الصوت وطلب مني أن أقراء الموضوع، وأشار إلى الفني بأن يبدأ التسجيل.

أرهبني الموقف... فهذه أول مرة أدخل فيها حجرة تسجيل بالإذاعة، ويقف إلى جواري أحد أكفاء المذيعين الليبيين، الذي لم أكن أتوقع أنني سألتقيه في حياتي أبداً، وكانت إذاعة صوت الوطن العربي في ذلك الوقت تضم مجموعة من المذيعين العرب الكبار مثل المرحوم ياسر محمود ويوسف بشير وماهر الاغا ويوسف عبدالفتاح وعارف سليم وغيرهم، وكنتُ حين يدخل أحدهم إلى حجرة التسجيل أثناء قراءتي أتوقف وأتطلع وأنظر متأملاً تقاسيم وملامح هذه الوجوه التي كانت تشدني بأصواتها الجهورية القوية الرومانسية الرقيقة، لأن هذه الفرصة كانت في إعتقادي بأنها لن تتكرر ثانيةً.

كان الموقف رهيباً بحق، وبعد أن أنهيت التسجيل حين طلب مني الأستاذ المرحوم محمد كشلاف أن أتوقف، قال لي حرفيا "بداية جيدة... لابأس بها"، فأزالت كلماته تلك كل الرهبة والخوف الذي سكن أعماقي. بعد ذلك أعد لي بالتعاون مع الأستاذ المذيع القدير علي أحمد سالم برنامجاً تدريبياً اشتمل على قراءات مختلفة: آيات قرآنية، شعر، أرقـام... وغيرها، وما وجدتُ من المرحوم الأستاذ محمد كشلاف إلاَّ كل التوجيه والإرشاد والنصيحة أثناء هذه الفترة التدريبية وبعدها، وعند نهاية هذه الفترة صحبني إلى مدير الإذاعة بمكتبه "نوري الحميدي" بحضور الأستاذ المرحوم جمعة الزائدي والأستاذ علي أحمد سالم، قائلاً "يونس... تسعين من مائة لغة وصوت".

وهكذا بفضل هذا الأستاذ بدأتُ الإنخراط في المجال الإذاعي الذي لم أستمر فيه طويلاً حيث تحولت للعمل محرراً بقسم الأخبار حتى تخرجتُ من الجامعة وانقطعتُ عن الإذاعة نهائياً وتابعت العمل في مجال تخصصي العلمي، ولم أعد أرى المرحوم محمد كشلاف إلاَّ نادراً في مناسبات قليلة.

وفي سنة 1995 وبناءً على دعوة من الأستاذ المرحوم عبداللطيف بوكر التحقت بإذاعة طرابلس المحلية في بداية إنطلاقها كمذيع ومنشط برامج متعاون، ووجدت الأستاذ المرحوم محمد كشلاف يقدم برنامجه الرائع "زخارف طرابلسية" بهذه الإذاعة، وحين التقينا بمبنى هذه الإذاعة للمرة الأولى بعد غياب طويل تخللته فترة عمله بإذاعة صوت البحر المتوسط في مالطا، إستقبلني بإبتسامته وكلماته التي كانت تدثرني بالود كل الود مثلما عهدتها منه منذ سنين مكللة بذكريات البداية الأولى التي لا أجد تعبيرات ترسمها بألوانها الجميلة.

كنتُ أتابعُ حلقات برنامجه "زخارف طرابلسية" بصورة مستمرة لأنني كنت أجد في مادته ومواضيعه ومختاراته الموسيقية والغنائية دروساً وخبرة يحتاجها مذيع ومنشط مبتدئي مثلي كان في بداية طريقه، الذي لم يتواصل، وأحياناً كنت أحضر لحظات تسجيله بعض حلقات هذا البرنامج الذي كان ينفذه له الفنان/ صلاح الزروق، فأقف ساعات في حجرة التسجيل أتأمله وهو يبعثر دخان سيجارته في الهواء، أو يعدل موضع نظارته، وأراقب كيفية قراءته لمادة الحلقة، ولمساته الرقيقة لأوراقه في وداعة تامة، وصوته الرقيق الذي كان ينبعث من خلف الفاصل الزجاجي بشكل آخاذ، ثم مقاطعه المختارة لوقفاته الإنسيابية الرائعة.

وحين تم إعتماد برنامج "في أسواق طرابلس" ضمن الخارطة الإذاعية لإذاعة طرابلس عندما كلف الفنان الهادي حقيق مديراً لبرامج إذاعة طرابلس، كان من المقـرر أن يقوم بإعداد وتقديم هذا البرنامج الأستاذ المرحوم محمد كشلاف، إلاّ أنه إعتذر بإعتبار أنه عمل يحتاج إلى تنقلات ومجهود كبير وحالته الصحية كانت لاتسمح له بذلك، فما كان من الفنان الهادي حقيق إلاّ أن طلب مني أن أقوم بالمهمة، فذهبت إلى أستاذي محمد كشلاف وأخبرته بالأمر، ولم يعلق بشىء سوى إبتسامة خاصة تعود أن يهدينيها في مواقف معينة.

وباشرت إعداد وتقديم برنامج "في أسواق طرابلس" الذي تجولت به في (سوق القزدارة - سوق الحرير - سوق الحوت - سوق العطرية - سوق اللفة - سوق الذهب - سوق المشير - سوق باب الحرية "رواق ماريوتي")، وكم سعدتُ حين رأيته معجباً بما قدمته في هذه الحلقات من شخصيات ومعالم تبرز خصوصية تلك الأسواق، نالت قبوله و إستحسانه ورضاه.

كما كانت للأستاذ المرحوم محمد كشلاف مداخلة في احدى حلقات برنامج "معنا.. معكم.. معاً على الهواء" التي أعددتها وقدمتها مساء يوم الأحد الموافق 1/10/1995 بمناسبة يوم الوفاء وأخترت تخصيصها للحديث عن المرحوم الفنان "محمد الطاهر شقليله" المعروف فنياً بــ"ابن الطاهر" وفاءً لما قدمه من إنتاج أدبي لازال خالداً حتى وقتنا الحاضر. وقد قال المرحوم الأستاذ محمد كشلاف في مداخلته حرفياً (أخي يونس، هذا يجب أن يكون قدوة ومثالاً لنا، ودائماً يجب أن يكون نصب أعيننا... الرواد الأوائل دائماً يجب أن يكونوا في مخيلتنا وذاكرتنا... وهذه لفتة كريمة منك في هذا اليوم المبارك... فلولا إهتمام أجهزة الإعلام بهؤلاء الرواد سواء المرحوم محمد الطاهر شقليله أو غيره من الشعراء أو الكتّاب أو الفنانين أو المبدعين بشكل عام... هذا واجب علينا... أن نعطيهم حتى كلمة حق فيما قدموا من إنتاج) [*]… هكذا كان شعور أستاذي المرحوم محمد كشلاف وتقديره للرواد... الوفاء... ولا شيء غيره.

بعد عودته من أداء فريضة الحج سنة 1995 كان يشعر بأن حالته الصحية تتراجع نسبياً ولكنه لم يتوقف عن العمل والعطاء الإذاعي، بل بالعكس أضاف مساهمته في تقديم حلقة أسبوعية من برنامج "صباح الخير طرابلس " إضافة إلى برنامجه السابق، ولم يتخلف إلاّ حين أدخل المستشفى ثم سافر بعد ذلك إلى المانيا لإجراء الفحوصات الطبية وتلقي بعض العلاجات المتقدمة.

ولكن معاناة الأستاذ المرحوم كانت قاسية حيث أن الأورام تتمدد في جسده يوماً بعد آخر حتى صار الجسد مزرعة للألم فتدهورت حالته الصحية خلال شهر رمضان الماضي وظل نزيلاً في الفراش، بالمستشفى حيناً وبالبيت أحياناً أخرى، وعلاج هذه الأزمة كان يتطلب مبلغاً كبيراً من المال لا يقدر على توفيره من خلال مرتبه البسيط، وإستمارات إنتاجه المتواضعة التي كانت تصرف له، ولا أعتقد بأن أي مذيع أو فنان أو أديب بدخله الحالي يقدر عليه، وهو ما جعل الأستاذ الأديب محمد احمد الزوي يثير قضية علاجه في إحدى اللقاءات في برنامج "عيون" المرئي في أواخر شهر رمضان الماضي، وتأسف كيف أن الدولة لا تهتم بمبدع مثل محمد كشلاف وغيره ممن أعطوا وقدموا وجاهدوا في سبيل هذا الوطن، داعياً إلى جمع التبرعات لتأجير طائرة الإسعاف الطائر لنقله للعلاج في الخارج.

كان الأديب الزوي متأثراً بمعاناة المرحوم محمد كشلاف، وكانت كلماته العفوية تنساب بكل إنسانية وشفافية تثير في داخلي كل الآلام والإستفزازات والتساؤلات المريرة التي من بينها: لماذا يعالج الفنان عبدالله غيث على حساب الدولة الليبية ولا يعالج غيره من الفنانين الليبيين؟ ولماذا يهتم المسئولون الليبيون بالمرحوم سعدالدين وهبة ويزورونه حياً في المستشفى بالعاصمة الفرنسية باريس، بينما لا يفعلون ذلك مع الأدباء والفنانين الليبيين؟ لماذا؟؟؟؟

يوم الثامن والعشرين من شهر رمضان الماضي وبعد صلاة العصر تحديداً كان آخر لقاءٍ لي مع المرحوم في بيته، جلستُ بجانبه وهو ممدد في فراشه وحالته الصحية كانت صعبة جداً، تحدثنا عن الحياة وقضية إذاعة طرابلس التي تنظر فيها المحاكم، وكلمات الأستاذ محمد الزوي في السهرة المرئية وإجراءات إصدار تأشيرة السفر المنتظرة للعودة إلى المانيا، وعن طبيعة المرض. تحدثنا عن كل شيء حين رأيته متشبتاً بالحياة رغم الآلم الجسدي والآلم النفسي القاسي جداً على الفنان.

كان الناعي يظن بأنه ينشر خبراً عادياً، غير ذي أهمية بالنسبة إليّ... فكتمت آهاتي وحبست دموعي، ولكن دمعة لم أستطع منعها ... إنحدرت على خدي، فصمتَ مندهشاً، ولم أجد ما أفعله سوى أن ودعته قائلاً "رحم الله أستاذي محمد كشلاف" الذي لن يتذكره إلاّ الأحبة الأوفياء.

يونس شعبان الفنادي
[email protected]

[*] نشر هذا المقال بصحيفة "الفتح الثقافي" العدد رقم 8 الصادر بتاريخ 12/4/1428م (1998)، على الصحفتين 14 و15

* المصدر: نص حلقة "وفاءً لابن الطاهر" تضمن مداخلات الفنان كاظم نديم، والفنان أحمد الحريري، والأستاذ محمد كشلاف، والأستاذ عمر السنوسي، قام بتفريغها وإعدادها عادل محمد الطاهر شقليله.

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما التقييم الذي تسنده لـ"السقيفة الليبية" (بوابة ليبيا المستقبل الثقافية)
جيد جدا
جيد
متوسط
دون المتوسط
ضعيف
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع