مقالات

د. أحمد إبراهيم الفقيه

حديث عن الشهرة

أرشيف الكاتب
2017/02/01 على الساعة 15:20


 

عندما كنت اقود سيارتي فوق كباري القاهرة، كنت اجد من حولي، على جانبي الطريق، اللوحات الاعلانية المضيئة، التي تحمل صورا لمذيعين ومقدمي برامج وابطال تمثيليات، اشهارا للمادة الاعلامية التي تتنافس المحطات المرئية على تقديمها، فتستعيد ذاكرتي رؤية اعلانات مثلها لنجوم غير هؤلاء النجوم، على مدى الازمنة الماضية، تظهر وتختفي لتظهر فئة اخرى، وهكذا في دورة تبدأ ولا تنتهي بنجم او مذيع او مقدم برامج بعينه، وما يحدث فوق كباري القاهرة يحدث مثله في كل عواصم الفن والاعلام في العالم.

وتثير هذه الاعلانات عندما اراها، سؤالا عن معنى الشهرة، حيث بدا واضحا انها شهرة لا دوام لها، فهي تظهر وتختفي، والشخص الذي يظهر محاطا بالاضواء، مشعا في صورته اليوم، سيحل بعد فترى شخص اخرمكانه، يتربع في نفس اللوحة المضيئة، كما حل هو مكان شخص سابق له، فما هي الاهمية الحقيقية لهذه الشهرة؟

هناك بالتأكيد انواع من الشهرة، ولكن لنأخذ الان نوعين منها، هما الاكثر بروزا، احدهما شهرة تشبه فقاعة الصابون، صاحبها لمع في اغنية، او برنامج، او مباراة، اوغيره، ونال شعبية سريعة، كاسحة، وربما تكرر هذا النجاح السريع مرة او مرتين، او اكثر مع عدة اعمال، ثم ينطفيء ولا يبقى له اثر.

وشهرة ثانية، وراءها جهد وعمل وتراكم عبر السنين وموهبة، وربما نبوغ وعبقرية، واضرب لها مثلا بالموسيقار محمد عبد الوهاب، وهناك امثلة لا حصر لها، الا انه الابرز والاكثر تجسيدا للحالة، خاصة في المجال الفني بما فيه من الق وسطوع، فشهرته دائمه، مستمرة، اثناء حياته وبعد وفاته، مقارنة بشهرة مطربين ومطربات، وربما مذيعين ومذيعات، وممثلين وممثلات، لمعوا بعمل سريع فاقع، ثم انطفأ هذا العمل فنيا  كان او رياضيا، وانطفأ معه نجم صاحب العمل.

للنابغين في الفكر والفلسفة والعلوم الاداب شهرة ليس لها سطوع وطغيان شهرة اهل الفن لكن بالتاكيد شهرة اكثر ثباتا ودواما ربما اكثر استحقاقا وجدارة. الا ان لهذه الشهرة التي تلقى الاحترام والتقدير، لانها نابعة من جهد وكفاح ونبوغ، منتقذيها والمناوئين لها، من بين اهلها انفسهم، واذكر قولا للاديب البريطاني الشهير سومرست موم، يعتبر فيه الشهرة نوعا من التشهير، ويقول انه لم يطلبها ولم يكن يريدها وكان يتمنى لو لم يكن له اي نصيب فيها. رغم ان شهرة الادباء مهما وصلت قوتها، لا تعادل شهرة اهل الطرب والتمثيل والكرة، لانها شهرة بلا لمعان ولا ضجيج، بينما شهرة بعض اهل السياسة واهل الفن تتحول الى محاصرة لهم، وتصل احيانا الى ان تتسبب في موتهم كما حدث عندما كان المصورون يحاصرون ويطاردون  نجمة المجتمعات الاميرة ديانا الى حد ان تسببت هذه المحاصرة في حادث ادى الى مقتلها (وهو حادث احاطت به شبهات واقوال) ولكن  التحقيقات اعزته الى مطاردة الباباراتزي.

وهناك  مادة مسجلة مسموعة اسمها الكلمة المسموعة لكتاب بريطانيا، تباع على  اشرطة وسيديهات، تحمل اصوات عدد من كبار الكتاب الذين ادركوا عصر الاذاعة، وتمت لهم تسجيلات نقلت هذه الاشرطة مقتطفات منها، واريد ان انقل هنا تسجيل الاديب سومرست موم الذي سجل له عام 1949، وكان عمره في منتصف السعبينيات من عمره،  واجد في ارائه التي تتحدث عن الكاتب في هذا العمر المتقدم، ما يدعو الى التقدير والاعجاب بل واستطيع ان اقول ان بعضها بتطابق مع نفس تصوراتي وافكاري  خاصة عن رؤيته لاعماله الادبية وهذا نص ما ورد في التسجيل على لسان الكاتب البريطاني الشهير سومرست موم وترجمته حسبما رايته مناسبا:

وهذه هي الترجمة:

خطر لي أن أكبر تعويض يتحقق لمن طال به العمر، هو ما يمكن ان يشعر به من تحرر روحي. وهو تحرر يرافقه نوع من اللامبالاة نحو كثير من الاشياء التي يعتقد الرجال في اول شبابهم انها ذات اهمية. تعويض آخر هو ان يتحرر الانسان من الحسد، والكراهية، والحقد. لا اعتقد انني احسد اي انسان على الاطلاق. لقد اجتهدت في تحقيق اقصى ما استطيع تحقيقه، من هذه الهبات التي منحتها لي الطبيعة، ولا احسد احدا على نجاحه، وعلى استعداد لان اترك المكان الذي احتله الان لان اخر يريد ان يحتله، ولم اعد اطلاقا اهتم بما يظنه الاخرون بي، ولهم حق ان ياخذوني او يتركوني، فلا تثريب عليهم. يسرني قليلا عندما اراهم يعجبون بي، ولا يضيرني اطلاقا عندما لا يفعلون. لقد كان دائما يروادني الشعور ان هناك شيئا في شخصيتي يزعج بعض الاشخاص، وهو امر طبيعي، فلا احد يمكن ان يحب كل احد، وقد يثيرني اهتمام هذا الشعور السيء نحوي، ولكنه لا يفلح في اخراجي عن طوري، انه الفضول فقط كي اعرف ما هو هذا الشي في شخصيتي الذي يحرك شعورهم ضدي. ولا اهتم بما يظنونه بي ككاتب. وعلى العموم فقد انجزت ما رتبت حياتي على انجازه، وما تبقى فهو لا يشكل اية اهمية لي. ولم يعنيني في يوم الايام امر هذا التشهير الذي يحيط بالكاتب الناجح، والذي كثيرا ما اخطأ اصحاب العقول البسيطة فاعتبروه شهرة، وما اكثر ما تمنيت انني كتبت كل ما كتبه تحت اسم مستعار، فلا احد يعرف حقيقتي، ولاستطعت العبور في هذه الحياة دون ان يلحظني احد. وحصل فعلا انني كتبت روايتي الاولى تحت مثل هذا الاسم المستعار، ولم اضع فوقها اسمي الحقيقي، إلا لان الناشر قال ان الرواية يمكن ان تلقى هجوما قويا، فلم اشأ اخفاء نفسي تحت اسم مختلق. اعتقد ان قلة من المؤلفين يستمتعون بامل سري في ان الناس لن ينسوهم بمجرد وفاتهم، اي انهم باقون في اعمالهم الادبية، وانا ايضا كثيرا ما شغلت نفسي مستمتعا بفكرة الفرص المتاحة لي بان ابقى لفترة وجيزة في اذهان الناس بعد رحيلي.

هامش عن الفنان محمود شكوكو واحاديث معه قبل الرحيل…

بمناسبة ما ورد من حديث عن الفنان الساخر الراحل محمود شكوكو، اضيف هذا الهامش الصغير. سافرت الى مصر للالتحاق بدورة دراسية، وانا دون العشرين، وقد بدات قبل هذه الدورة، امارس عملي في مسارح الهواة في ليبيا، بل بدات الاتصال بالصحف وكتابة الابواب الفنية، فكان طبيعيا ان استفيد من زخم وثراء الحياة الفنية في مصر، وكنت اتردد على المسارح التي تعرض المسرحيات والاخرى التي تقدم العروض الفنية، وكان  الفنان الشعبي الجميل محمود شكوكو ما زال يتمتع بشيء من الشعبية  في تلك الفترة من بداية الستينيات، وان كانت هذه الشهرة قد وصلت الى اوجها في الخمسينيات والاربعينيات، الا انه كان له حضوره الكبير في المشهد الفني وله جمهوره، واشتهر في ذلك الوقت بمنولوجات مثل فرانكو اراب حبيبي شغل كايرو اوموت انا ف ضفايره ، ومنه استمعت لاول مرة الى الاغنية الماخوذه من غاني الاطفال ولكنها نالت شعبية كبيرة واظنها اشتهرت باسم عدوية والتي تقول السح الدح امبو الواد طالع لابوه.

ولكن شكوكو كان اكبر من مجرد هذه المنولوجات فهو شخصية قادرة على الاضحاك وعلى العمل الاستعراضي رقصا وغناء وتلوينا في الاداء، وكان قد قدم  تنويعات في اعماله الفنية، فكان يخلط عمله الفكاهي بفن الاراجوز وفن العرائس، وفعلا وصل الى جماهيرية لم يحققها اي فنان قبله ولابعده، لان تماثيله التي تباع في الاسواق بكميات كبيرة، كانت ظاهرة لم يصل اليها احد، كذلك فانه نال تقدير جيل الرواد من اهل الفن فقد قام موسيقار الاجيال محمد عبد الوهاب بتلحين بعض مونولوجاته، كما ان بيرم التونسي كتب له اكثر من مونولوج قام بتلحينها عميد اهل الموسيقى في عصره الشيخ زكريا احمد، وكان قاسما مشتركا في افلام الاربعينيات والخمسينيات. وكان قادرا على تطوير نفسه، فقد بدا المسيرة من ورشة نجارة، استهواه المجال الفني فدخله وكان اميا لا يجيد القراءة والكتابة الا انه فيما بعد تعلم كيف يقرا وكيف يكتب، حتى  صار يستطيع قراءة دوره في الفيلم او المسرحية.

غابت عنه شهرته الطاغية في العقد الاخير من عمره، ووجد كسادا لفنه في مصر، فسافر الى لندن في وقت كانت قد تكاثرت فيه الجالية العربية وصارت لها مجموعة من المطاعم والملاهي، باحثا عن سوق للوحاته الاستعراضية هناك، وكانت لي معه عدة جلسات في اواخر السبعينيات، عندما اقام فترة في لندن، لانني كنت احضر بعض فقراته مع عدد من الصحفيين الذي يعرفونه ويقدرون فنه ويحررون ابوابا فنيا، يهتمون فيها باخباره، فكان يداوم على الجلوس معنا  بعد تقديم فقرته، وتغيير ملابسه التي يستخدمها فوق المسرح، فياتي مرتديا البذلة العادية مثلنا، ورغم ما يلاقيه من احتفاء من العرب، رواد هذه الاماكن، الا انني احسست من كلامه انه لم يكن مرتاحا في حياته في لندن، اذ لم يكن يستطيع وكان  على مشارف السبعين من عمره ان يتعلم لغة اهل البلاد، كما ان هذا الترحيب الذي يمكن ان يلقاه من بعض الزبائن، لا مجال ولا سبيل لمقارنته بالشعبية الطاغية التي كان يحظى بها في الاوساط الشعبية المصرية، فكان احساسه بالغربة يتجلي في كل كلمة يقولها وكان يقول صراحة ان الفنان الشعبي الذي يقدم فنا ساخرا لا حياة له خارج بلاده، واقتنع متاخرا انه خارج بيئته الشعبية المصرية ، مثل السمكة خارج الماء، فلم يلبث ان عاد الى مصر، قبل سنوات من رحيله عن الحياة الدنيا عام 1985 وكان قد وصل الى هذا العالم قبل ذلك  بثلاثة وسبعين عاما اي في عام 1912، عليه رضوان الله.

د. أحمد ابراهيم الفقيه

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
نورالدين خليفة النمر | 02/02/2017 على الساعة 00:06
حياة مرتجلة محمود شكوكو 2
من طرائف ماقرأت منذ شهر في طرائف حكايات الكاتب المصري الحكواتي "مكاوي سعيد" في المصري اليوم حكاية ورد فيها إسم الفنان محمود شكوكو لم أقرأها في كتابات د.علي الراعي الذي كتب في الكوميديا المرتجلة من الكسار حتى شكوكو ولافي مقالات وبرامج المؤرخ الفني أحمد إمام عمر التي تابعتها سنوات في ليبيا . والقصة الفارقة في حياة شكوكو أن تزوجته «عائشة فهمى»، وريثة قصر الرخام الوردى بالزمالك من والدها الباشا «على كامل فهمى»، وزواجها كان كيدياً من طليقها الفنان الأرستقراطي "يوسف وهبي" الذي أثار جنونه وهوالذى لم يطهّره الفن من الطبقية، فلم يتصور أن يعتلى الفنان شكوكو، الذى أصله نجار، سرير زوجيته السابق وهو البك إبن الباشا، وإلى أن مات لم يتعامل مطلقاً مع شكوكو فى عمل فنى، وكان شكوكو يتجنبه تماماً فى الأماكن العامة . شكراً للكاتب أحمد ابراهيم الفقيه أنه أخرجنا بحكاية الفن من كآبة السياسة الليبية والشكر موصول لمشرف موقع ليبيا المستقبل الذي يحاول أن يقدمّ صورة ليبية ثقافية منشرحة موازية للصورة ليبية كئيبة ومقبضة .
نورالدين خليفة النمر | 01/02/2017 على الساعة 23:47
حياة مرتجلة محمود شكوكو 1
كاتبنا الكبير الفقيه مقالته الأدبية التي يعيد في موقع "ليبياالمستقبل" نشرها بعد نشرها في بابه الأسبوعي بصحيفة "القاهرة" هي بقدر ماتمتعني فأنها تخرجني من حالة "الكآبة الليبية" التي أنا منغطس في الكتابة فيها ،وهو بين الحين والحين يلامس هذه الكآبة الليبية بمقال سياسي مرة أقرأه ومرّات لاأقرأه لأني لاأجدّ "فقيهي أحمد" فيه ،أما مقاله الأدبي فلاتفوتني قراءته بالذات لان الفقيه موجودٌ فيه بروحه وبشخصه معرفة ومعايشة أغبطه عليها أتاحته له حياته الثقافية المديدة التي سرقها من دكتاتور ليبيا البائس والتي حرم منها جيلناالمنحوس ... القسم الثاني المتعلّق بالفنان الشامل المرحوم "محمود شكوكو" هو الذي شدّني رغم أهمية القسم الأول .. عرض شكوكو هو أحد مباهج السينما المصرية متعة طفولتنا الستينية في سينمات طرابلس الشعبية كالنصر والرشيد والكورسال. فشكوكو مزيج فطري بين الفودفيل والكوميديا دي لارتي وشارلو "شارلي شابلن" والقراقوز ومغنواتي الحتة وألوان عديدة من الفنون والصنائع .إبداع مقالة الفقيه إنه عايش لحظة الإنطفاءة التراجيدية لشهرة هذا الفنان الكبير بعد أن عايش شاباً مثقفا وممثلاً زخمها في القاهرة الستينية .
آخر الأخبار
إستفتاء
ما رأيك في “مبادرة السراج” وخطة الطريق التي اعلن عنها؟
عملية وممكنة التحقيق
تستحق التفكير والمتابعة
غير واقعية وغامضة
لن يكون حولها توافق
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع